
وكالات الأنباء:هناك لحظات في كرة القدم لا تحتاج إلى الحزن عليها بقدر ما تستحق أن نتوقف أمامها ونقول: كم كنا محظوظين لأننا عشناها، نهاية مشوار ليونيل ميسي مع المنتخب الأرجنتيني واحدة من هذه اللحظات، فبعد 21 عاماً بالقميص السماوي والأبيض، انتهت رحلة لاعب لم يكتفِ بأن يكون واحداً من أفضل من لعبوا كرة القدم، وإنما أعاد تعريف معنى أن تبقى عظيماً لعقدين كاملين.
في 17 أغسطس 2005، بدأ كل شيء في بودابست، كان ظهوره الأول مع الأرجنتين قصيراً إلى درجة يصعب معها تخيل ما سيأتي بعده، فقد دخل بديلاً أمام المجر، ثم خرج مطروداً بعد ثوانٍ.
بعد أكثر من 21 عاماً، انتهت القصة في ملعب مونومنتال أمام أكثر من 85 ألف مشجع، وفي يده واحدة من أكثر السير الرياضية استثنائية في تاريخ اللعبة.
207 مباريات مع الأرجنتين، 125 هدفاً، 66 تمريرة حاسمة، وأربعة ألقاب مع المنتخب الأول، ميسي هو صاحب الرقم القياسي في عدد المباريات والأهداف في تاريخ الأرجنتين.
لعب ميسي ست نسخ من كأس العالم، وخاض 34 مباراة وسجل 21 هدفاً، ووصل إلى ثلاث نهائيات، توج بإحداها في قطر 2022.
كما حصل على الكرة الذهبية لأفضل لاعب في كأس العالم مرتين، في 2014 و2022، ليصبح اللاعب الوحيد الذي نال الجائزة في نسختين. وفي كأس العالم 2022 سجل في كل أدوار البطولة من دور المجموعات حتى النهائي.
وفي كوبا أمريكا، ترك ميسي بصمته بطريقة أخرى، فقد شارك في سبع نسخ وخاض 39 مباراة، وهو الرقم القياسي في تاريخ البطولة، وسجل 14 هدفاً، ووصل إلى النهائي خمس مرات، وفاز باللقب في 2021 و2024، وفي تصفيات كأس العالم، أصبح الهداف التاريخي للمسابقة برصيد 36 هدفاً.
في بداياته كان جناحاً صغيراً يراوغ الجميع بالكرة، ثم أصبح مهاجماً وهمياً، وبعدها صانع ألعاب، ثم قائداً يتحكم في إيقاع المباراة من مناطق أعمق، ومع تقدم العمر، أصبح يركض أقل ويقرأ أكثر، ففي كأس العالم 2026، وهو في التاسعة والثلاثين، كان يمشي خلال 47% من المسافة التي قطعها، ومع ذلك أنهى البطولة بثمانية أهداف وأربع تمريرات حاسمة، وخلق 21 فرصة لزملائه.
هذه ربما هي أعظم خصاله، فلم تكن موهبته وحدها هي التي أبقته في القمة، كان يعرف كيف يتغير، فنرى أن كلما تغيرت اللعبة حوله، تغير معها، وكلما تقدمت سنواته، وجد طريقة جديدة ليكون مؤثراً.
في مرحلة كان يصنع الفارق بالسرعة والمراوغة، وفي مرحلة أخرى بالتمرير والرؤية، ثم أصبح قادراً على التحكم في المباراة وهو يقطع مسافات أقل من أي وقت مضى. بقيت الفكرة نفسها: عندما تكون الكرة عند ميسي، يحدث شيء مختلف.
حتى علاقته بالأرجنتين تحولت مع الزمن، ففي البداية، كان عليه أن يكسب حب جمهور قاسٍ في مقارناته وتوقعاته، وأن يعيش سنوات من الخسارات والنهائيات الضائعة والأسئلة حول قدرته على منح بلاده ما منحه برشلونة، ثم جاءت كوبا أمريكا 2021، وكوبا أمريكا 2024، وكأس العالم 2022، وتحولت قصة الانتظار إلى قصة انتصار.
وفي آخر مباراة له مع الأرجنتين، لم يحتج إلى أن يثبت شيئاً، سجل هدفاً وصنع هدفين في الفوز على بنين 3-0، وكأنه اختار أن تكون آخر صورة له مع المنتخب صورة ميسي التي عرفناها طوال هذه السنوات.. كلاعب يرى المساحة قبل الجميع، يصنع الفرصة، ويسجل عندما تأتيه.
ميسي يترك المنتخب الأرجنتيني وهو يحمل كل الأرقام التي كان يمكن للاعب أن يحلم بها تقريباً، والأهم أنه يترك صورة لا تحتاج إلى دفاع أو مقارنة. 125 هدفاً، 207 مباريات، ألقاب كبرى، أرقام قياسية، كأس عالم، و21 عاماً من الحكايات.
أجمل ما في نهاية حقبة ميسي ليس أننا فقدنا لاعباً عظيماً، وإنما أننا حصلنا على فرصة نادرة لنرى واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ وهو يفعل ما يجيده، عاماً بعد عام، حتى آخر ليلة.

792 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع