تحت ابمجهر (( لا تتحسر على أمة تاهت فيه الخراف يا سيدي الرواف))
- التفاصيل
- تم إنشاءه بتاريخ الإثنين, 02 تشرين2/نوفمبر 2026 11:06
- كتب بواسطة: موفق الخطاب

موفق الخطاب
تحت ابمجهر(( لا تتحسر على أمة تاهت فيه الخراف يا سيدي الرواف))
لكل مشرد ومهجر عربي ومغترب قصته التي دفعته إلى شد الرحال، ومغادرة الأوطان والأهل والخلان على مضض، غير أن حكايات المغتربين العراقيين تختلف عن سواها؛ فكل واحدة منها تصلح لأن تكون فيلما هوليووديا بما تختزنه من مآس وفواجع وفصول لا يكاد يصدقها عقل.
فلقد أرغموا، رهبا لا رغبا، على الهجرة بعد احتلال العراق، وبروز الطائفية المقيتة، واستشراء الفوضى والفساد. وكان يعز عليهم اقتلاع جذورهم من أرضهم، وترك أهلهم وأحبتهم وذكرياتهم، ليتحركوا كأعجاز نخل خاوية، ويهيموا على وجوههم في أصقاع الأرض.
لقد كانوا، قبل الاحتلال البغيض، صامدين صابرين، رغم ما قاسوه من سنين عجاف وحروب طاحنة وحرمان وحصار اقتصادي. وكان أملهم أن يكون القادم أفضل لهم ولأجيالهم، رغم إدراك النخب الواعية أن المحتل لم ولن يحمل معه ديمقراطية ولا استقرار. وقد صدقت تخميناتهم، فذلك هو الغازي الكاوبوي الأمريكي، الذي يشهد تاريخه بأنه مدمر لا معمر، يهدم ولا يبني، ويترك الخراب حيثما حل وارتحل!
وعندها، حزم أصحاب الكفاءات ورجالات العراق أمرهم، واستغشوا ثيابهم مع جنح الليل، ونفذوا بجلودهم، بعدما انطلقت حملات التصفيات والاغتيالات، في توافق أمريكي إيراني، لتبدأ صفحات الثأر والغدر والانتقام من شعب أعزل لم يكن له ذنب في كل ما جرى من حروب وويلات، ولم يكن من العدل أن يتحمل وزر غيره.
ولم تقتصر المأساة على دفع الكفاءات إلى الهجرة، بل امتدت إلى محاربتهم في أرزاقهم وعزلهم وحرمانهم من حقوقهم، بموجب قوانين جائرة سنها سيئ الصيت بريمر، تحت مسميات المساءلة والعدالة والتي تفتقر الى العدالة .
وهكذا خلا العراق تدريجيا من خيرة عقول أبنائه، ليتربع على مقدراته الفاسدون والأميّون، ويبدأ الانهيار في مختلف قطاعات الحياة؛ فتدهور التعليم، وانحسرت الزراعة، وجرفت البساتين، وتيبست سعفات النخيل، وعطلت المعامل، ونهبت المصافي والمصانع، ودمرت الآثار، وهدمت المآذن والكنائس، وانتشرت المخدرات والبلوكرات والفانشستات والموبقات، وحل السلاح المنفلت والميليشيات محل مؤسسات الدولة، وتسلطت المكاتب الاقتصادية على رقاب الناس.
وللأسف، فقد طال ليل العراق واحتلك سواده، وعششت الخفافيش والغربان فوق مناراته وكنائسه!
ولا تتوهموا سادتي أن المغترب يعيش حياة هانئة؛ فكما أن العراقي في الداخل، المتمسك بمبادئه، يعاني الحرمان ونقص الخدمات وفقدان الأمان وتكميم الأفواه والاضطهاد، فإن المغتربين لا تقل معاناتهم عنهم. فجلهم يصارع مرارة الغربة، ووحشة البعد، ويعيش في بيئة تختلف تماما عن بيئته التي نشأ وترعرع فيها، فيما يظل قلبه معلقا بوطنه، ينتظر اليوم الذي يتعافى فيه العراق ليعود إلى أهله وبيته، ويكمل مشواره، ثم يوارى الثرى بجوار أجداده وأحبابه.
فالعراقي لا يصبر على ضيم، وهو كالنخلة الشامخة، يصعب عليها أن تعمر أو تثمر إذا اقتلعت من أرضها ونقلت إلى تربة غريبة؛ فسيبقى جذرها راسخا في أعماق الأرض، مطمورا في ترابها، يبكيها وهي تبكيه.
واليوم، لا تكاد تكون هناك أمنية أعز على قلب المغترب العراقي من أن يشم رائحة أرضه الآتية من جبالها وسفوحها ووديانها وأنهارها وعيونها وأهوارها، ومن نسيم ما تبقى من نهريها الخالدين ونخيلها الذي لا تشبهه عطور الأرض كلها.
إنها تلك النسمة المنبعثة من طين أرضنا الطيبة، الممزوج بقطرات مطر الخريف، والمختلطة برائحة الدخان المتصاعد من فحم المسكوف، وعبق الشاي المهيل، والقداح، والشبو الليلي، والريحان.
إنها روائح تختصر وطنا بأكمله، ولا يمكن أن تعوضها كنوز الدنيا.
ويستحضرني بعض أبيات الشاعر كاظم الرويعي والتي شدا بها الراحل فؤاد سالم..
( يا عشگنا فرحة الطير اليرد لعشوشه عصاري
يا عشگنا من سوابيط العنب ونحوشه عصاري
وگاعنا فضة وذهب واحنا شذرها
وشحلاة العمر لو ضاع بعمرها
يا عشگنا يا عشگنا يا عشگنا)
لكن ما يؤلم أكثر من مرارة الغربة أن يعود إليك الوطن الذي تحمله في قلبك، فتكتشف أن المسافة بينك وبينه ليست آلاف الأميال فحسب، بل مسافة أشد قسوة تفصل بين ما تحلم أن تجده فيه وما تصطدم به على أرض الواقع.
ولعل ما تعرض له البروفيسور العراقي سلمان الرواف مؤخرا في بغداد يلخص جانبا من هذه المأساة؛ فقد قطع آلاف الأميال قادما من لندن للمشاركة في مؤتمر علمي بجامعة بغداد، حاملا بحثه وخبرته وأمله في خدمة وطنه، لكنه فوجئ بضعف الإقبال ثم بسحب الميكروفونات من أمامه ومغادرة المسؤولين القاعة، في مشهد أثار استياء واسعا وتحول إلى حديث منصات التواصل الاجتماعي. وما أشد مرارة المفارقة حين يقطع عالم عراقي كل تلك المسافات ليضع علمه في خدمة بلده، فلا يجد من ينصت إليه! فأي رسالة نبعث بها إلى آلاف الكفاءات المهاجرة، وأي حافز نقدمه لها كي تعود إلى وطن لم ينقطع حنينها إليه؟
إن المغترب العراقي لا يطلب المستحيل؛ لا يريد قصورا ولا امتيازات، بل يريد وطنا يحترم علمه، ويصون كرامته، ويستقبله بحفاوة، ويشعره بأنه لم يكن غريبا عن أرضه يوما.
قد أعلم أنها غصة في الحلق، وأمنيات تختلط بالدموع، وربما تكون أضغاث أحلام، لكن الأمل يبقى حيا في أعماق الروح، والرجاء معلقا بيوم يعود فيه العراق إلى أهله، ويعود أهله إليه، وتلتئم جراح المنفى وتنتهي رحلة الشتات.
فما أقسى أن يقطع الإنسان آلاف الأميال ليصل إلى وطنه، ثم يكتشف أن المسافة الحقيقية ليست بين لندن وباقي العواصم وبغداد، بل بين قيمة الإنسان في العالم ومكانته في وطنه!
ومع ذلك، سيبقى العراقي يحلم بالعودة إلى الأرض التي لا تعوضها أرض، ولا تشبهها بلاد، ليعود مرفوع الرأس، ويستعيد دفء الأهل ورائحة التراب وطمأنينة الجذور، ويختتم رحلته على الأرض التي أحبها، ويجد فيها قبرا يجاور فيه أجداده وأهله وأحبابه.
فليس أشد إيلاما على الإنسان من أن يكون وطنه هو المكان الذي يشتاق إليه طوال عمره، ثم يصبح، حين يعود إليه، المكان الذي يخذل انتظاره!
فلا تتحسر على بلد تاهت فيه الخراف بلا راعي يا سيدي الرواف..
























































































