جلال أسعد چرمگا ... الرجل الذي رفض أن تسرق منه الغربة وطنه

اعداد : نبيل كوزه جي

جلال أسعد چرمگا ... الرجل الذي رفض أن تسرق منه الغربة وطنه

مقدمة: الوطن حين يسافر في داخلنا

ثمة أشخاص يغادرون أوطانهم فتغادرهم، وآخرون يغادرونها بأجسادهم فقط، فيما يظل الوطن بكل مدنه، ووجوهه، وذكرياته، وأسئلته المعلقة مسكوناً في أعماقهم. ومع مرور السنوات، يتحول المكان الجغرافي لدى هؤلاء إلى قضية، والذاكرة الشخصية إلى مشروع، والحنين العابر إلى مسؤولية وطنية.
تلك هي الصورة الأبرز التي تتجلى عند تأمل مسيرة الكاتب والصحفي العراقي الكردي جلال أسعد چرمگا؛ فالرجل الذي أدار مجلة «الگاردينيا الثقافية» على مدى ما يقارب سبعة عشر عاماً، لم يكن يدير موقعاً إلكترونياً بالمعنى التقليدي المجرّد، بقدر ما كان يحاول بصبر أيوب أن يرسم ملامح "عراقٍ آخر"؛ عراقٍ لا يكون فيه العربي نقيضاً للكردي، ولا المسلم في مواجهة المسيحي، ولا الإنسان أسيراً للهوية الضيقة التي ولد فيها، بل تكون هذه الهويات أجزاءً متناغمة تشكّل العباءة العراقية الأوسع التي تتسع للجميع دون إلغاء.
محطات من الرحلة: من " دوكان إلى سويسرا ":
وُلد جلال أسعد چرمگا عام 1955 في قرية «چرمگا» التابعة لقضاء دوكان بجمال طبيعتها في محافظة السليمانية. هناك أكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة، قبل أن تقوده طموحاته إلى العاصمة بغداد، ليتم دراسته الإعدادية والجامعية في كلية الآداب.
بدأ مسيرته المهنية في بغداد مع منتصف السبعينيات (عام 1975) بالعمل في الإذاعة والتلفزيون والصحافة. وإلى جانب نشاطه الإعلامي، شغل عضوية المجلس التشريعي لمنطقة الحكم الذاتي في كردستان في الفترة الممتدة بين عامي (1982 – 1995).
غير أن طريق الكلمة والموقف لم يكن مفروشاً بالورد؛ ففي حزيران عام 1995 اعتُقل وأُودع سجن "أبو غريب" (قسم الأحكام الخاصة) حتى أُفرج عنه عام 1998. وفي نهاية العام نفسه، اختار طريق المنفى ولجأ إلى سويسرا، حيث استقر هناك وحصل على جنسيتها، ليبدأ مرحلة جديدة من العطاء الإنساني والثقافي، وهو أب لولدين وبنتين.
"الگاردينيا"... اختبار التعايش على مستوى الكلمة :
منذ تأسيسها وترؤسه لتحريرها عام 2009، تحولت مجلة "الگاردينيا الثقافية" إلى أكثر من مجرد منصة لنشر المقالات والوثائق والصور والقصائد؛ لقد أصبحت مساحة رمزيّة حية لاختبار إمكانية التعايش العراقي. وقد أثمر هذا الجهد الموصول عن حصول المجلة على المرتبة السابعة على مستوى العراق والدول العربية وفق أحد الاستفتاءات الصحفية المتخصصة.
إن العراق الذي يبحث عنه جلال چرمگا عبر "الگاردينيا" ليس مشروعاً إيدولوجياً هجيناً، بل هو محاولة للعودة إلى الأصالة الإنسانية للعراقي قبل أن تثقل كاهله الانقسامات الطائفية والسياسية والقومية.
لم تكن تجربة العيش في سويسرا بالنسبة لچرمگا دعوة لإسقاط النموذج السويسري حرفياً على الواقع العراقي؛ فاختلاف التاريخ والجغرافيا يمنع هذا التبسيط. لكنه أخذ من سويسرا سؤالاً جوهرياً:
"إذا كان التعدد اللغوي والثقافي والديني في مجتمع ما مصدراً لقوة الدولة واستقرارها، فلماذا يتحول التنوع العراقي المذهل إلى سبب دائم للانقسام والنزاع؟"
صقل الإنسان لا صهره :
إن الفكرة التي ظلت تختبئ خلف مشروع "الگاردينيا" تتلخص في أن المطلوب ليس التخلص من الهويات لكي نصبح عراقيين، بل الارتقاء بتلك الهويات إلى مستوى الوطن والإنسان.
ويتلخص جوهر هذا المشروع في "صقل" الشخصية العراقية لا "صهرها"؛ فالصهر يعني ذوبان الخصائص وتلاشي التنوع، أما الصقل فيعني الاحتفاظ بالجوهر الجميل مع إزالة ما تراكم عليه من صدأ الخوف، والانغلاق، والفرقة. فالإنسان في رؤية چرمگا ليس مجرداً من قوميته أو دينه، بل هو إنسان يعتز بانتمائه دون أن يجعل منه جداراً يفصله عن شريكه في الوطن.
أرشيف وجداني وجسرٌ نحو الغد :
على مدار سبعة عشر عاماً، تحولت "الگاردينيا" إلى أرشيف وجداني يستعيد بغداد الجميلة، والمدن العراقية الحية، والأحياء المتآخية، والوجوه والسير والشهادات. لم يكن الهدف غرقاً في الحنين الماضي للبكاء على ما فات، بل استخراج أجمل ما في الماضي ليكون ركيزة لبناء المستقبَل.
قد لا يكون الجسر الذي حاول جلال چرمگا بناءه فوق الانقسامات قد وصل إلى الضفة الأخرى بالكامل -إذ لا تستطيع مجلة واحدة أو شخص بمفرده إنجاز ذلك- لكن القيمة الحقيقية للجسور تكمن في أنها تجعل العبور ممكناً، وتزرع الأمل بأن الضفة الأخرى ليست عدواً.
خاتمة: الحفاظ على الحلم كفعل مقاومة
إن أجمل تحية يمكن تقديمها لجلال چرمگا بعد هذه السنوات الطويلة من الغربة والعمل الدؤوب، ليست ادعاء أنه نجح بمفرده في بناء العراق الذي حلم به، بل القول بصدق: "لقد ساهمتَ بقلمك وفكرك في إبقاء الحلم حياً".
في زمنٍ أصبحت فيه لملمة أطراف الذاكرة الوطنية فعل مقاومة، يظل جلال أسعد چرمگا رجلاً رفض أن تسرق منه الغربة وطنه، واختار أن يذكّر العراقيين بصورتهم الأولى: أن يكون الإنسان إنساناً أولاً، وعراقياً ثانياً، وتأتي بعد ذلك التفاصيل الثقافية والقومية لتزيد لوحة الوطن جمالاً وتنوعاً.

المصادر والمراجع :
1- نزار الجاف (جلال چرمگا... سبعة عشر عاما في البحث عن عراق آخر) , مجلة الگاردينيا .
2- قتيبة الحميد العزي (جلال أسعد چرمگا.. مسيرة إعلامية وثقافية بين العراق وسويسرا) , صفحة الكاتب الصحفي قتيبة الحميد العزي على الفيسبوك .
3- الكاتب الصحفي جلال اسعد چرمگا ( مقابلة خاصة ) 2026م