مرايا النور "النبي محمد في عيون فلاسفة و مفكري العالم" مشروع فكري قيد الإعداد

ودع الياسين

مرايا النور "النبي محمد في عيون فلاسفة و مفكري العالم" مشروع فكري قيد الإعداد

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى و دين الحق ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، والصلاة و السلام على نبي الرحمة و معلّم البشرية و متمّم مكارم الأخلاق.

من واقع تخصصي و اهتمامي بعلم النفس الإرشادي، عشت سنوات أتأمل السلوك الإنساني، و أبحث في آليات توجيه النفس البشرية نحو التوازن و السلام الداخلي و الاستقرار المجتمعي.

و في هذه الرحلة البحثية، ظل المنهج الأخلاقي و السلوكي الذي جاء به النبي محمد ﷺ حاضرًا في تأملاتي، بما يحمله من قيم الرحمة و العدل و التسامح، و ما يقدمه من نموذج إنساني في التعامل مع النفس و الآخر و المجتمع.

من هنا تتشكل فكرة كتابي «مرايا النور: النبي محمد ﷺ في عيون فلاسفة و مفكري العالم»، و هو عمل يجمع شهادات ثمانية و ثلاثين فيلسوفًا ومفكرًا ومؤرخًا من الشرق و الغرب، ينتمون إلى ثقافات و عصور و خلفيات دينية و فكرية مختلفة، و تناولت كتاباتهم شخصية النبي محمد ﷺ و سيرته و أثره في التاريخ الإنساني.

لا يقوم هذا العمل على تقديم سيرة نبوية جديدة، و لا على كتابة دراسة شخصية مطوّلة عن النبي ﷺ، بل يتجه إلى استكشاف صورته في كتابات عقول متعددة، و إتاحة المجال أمام القارئ للتأمل في تنوع هذه الرؤى، و ما تحمله من مواقف و تقديرات، كلٌّ بحسب خلفية صاحبها و أدواته الفكرية و الأدبية.

و يتميّز الكتاب بأنه يضم النصوص باللغتين العربية و الإنجليزية داخل الكتاب نفسه، بما يتيح للقراء الاطلاع على مضامين الشهادات باللغتين، و يفتح المجال أمام و صول العمل إلى جمهور أوسع من المهتمين بالتاريخ و الفكر و الأدب و الحوار الثقافي.

و من بين النماذج التي يتوقف عندها الكتاب رؤية الأديب الألماني يوهان فولفغانغ فون غوته في قصيدته «أنشودة محمد»، حيث تتجلى صورة النبي ﷺ والدعوة من خلال استعارة النهر الذي يبدأ من منبعه، و تلتقي به الجداول، ثم يمضي نحو المحيط. و هي صورة شعرية تتيح التأمل في معاني الامتداد و التأثير و الوحدة، و تكشف كيف يستطيع الأدب أن يعبّر عن رؤية فكرية بلغة الرمز و الجمال.

إن جمع هذه الشهادات لا يعني أن أصحابها يتبنون موقفًا واحدًا أو ينطلقون من تصورات متطابقة، بل إن اختلافهم هو أحد الجوانب التي تمنح المشروع أهميته؛ إذ يتيح للقارئ أن يطّلع على رؤى متعددة، و أن يميّز بين الإعجاب الأدبي و التقدير التاريخي و الموقف الفكري أو الديني، في ضوء ما تقوله المصادر بالفعل.

لقد آثرت في هذا العمل أن يكون الاهتمام منصبًّا على الكلمة الموثقة و مضمونها، و على تقديمها للقارئ في سياق يساعده على فهم صاحبها و رؤيته. فالمقصود ليس جمع الأسماء لمجرد كثرتها، بل إتاحة فرصة للتأمل في كيفية تناول شخصية النبي محمد ﷺ في كتابات مفكرين من ثقافات مختلفة، وما تكشفه هذه الكتابات عن تفاعل التاريخ و الأخلاق و الأدب و الفكر.

و عندما تتحدث العقول بمنطق الإنصاف، يصبح النظر إلى الشخصيات التاريخية الكبرى فرصة لإعادة التفكير في أثرها الإنساني و الحضاري. و من هذا المنطلق، لا أرى «مرايا النور» مجرد جمع و توثيق لمقولات الفلاسفة و المؤرخين، بل رحلة في صور متعددة رسمتها أقلامهم، و محاولة لتقديم هذه الصور في عمل واحد يستطيع القارئ الرجوع إليه والتأمل في مضامينه.

ثمانية و ثلاثون مفكرًا من شرق الأرض و غربها، تباعدت أزمنتهم واختلفت ثقافاتهم، تجمع شهاداتهم في هذا الكتاب نافذة على حضور النبي محمد ﷺ في الوعي الفكري و الأدبي والتاريخي. وقد اخترت أن أضع هذه الشهادات بين يدي القارئ، آملةً أن يجد فيها مادة للمعرفة و التأمل، و أن يرى كيف يمكن للكلمة الموثقة أن تفتح مجالًا للحوار بين الثقافات.

إن «مرايا النور» مشروع إعداد و جمع و توثيق، أرجو أن يكون إضافة نافعة إلى المكتبة الثقافية، و أن يتيح لجيل الشباب و القراء من مختلف الخلفيات فرصة الاطلاع على هذه الرؤى، و اكتشاف ما تحمله من دلالات إنسانية و أخلاقية و فكرية.