تنازع الاختصاص وتنفيذ الأحكام: قراءة قانونية في العلاقة بين القضاء الاتحادي وقضاء إقليم كردستان

حمزة رشيد

 تنازع الاختصاص وتنفيذ الأحكام: قراءة قانونية في العلاقة بين القضاء الاتحادي وقضاء إقليم كردستان

تفرض الطبيعة الفيدرالية للدولة العراقية وفق دستور سنة 2005 ازدواجية في الهيكل القضائي؛ حيث يتعايش القضاء الاتحادي مع السلطة القضائية لإقليم كردستان. وعلى الرغم من أن المشرع الدستوري رسم الملامح العامة لتوزيع الصلاحيات، إلا أن الواقع العملي أفرز إشكاليات قانونية معقدة تتعلق بمدى إلزامية قرارات المحكمة الاتحادية العليا داخل الإقليم، وميكانيكية تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة من محاكم أحد الطرفين لدى الطرف الآخر.
أولاً: الإطار الدستوري للاختصاص القضائي المزدوج
أقرّ الدستور العراقي استقلالية السلطة القضائية للإقليم بموجب المادة (121/أولاً)، والتي منحت سلطات الإقليم حق ممارسة السلطات القضائية باستثناء الاختصاصات الحصرية الممنوحة للحكومة الاتحادية في المادة (110).
وترتب على هذا الهيكل أمرين أساسيين:
وجود مجلس قضاء أعلى في بغداد وآخر في أربيل: يمارس كل منهما الإشراف الإداري والقضائي على المحاكم التابعة له.
تباين التشريعات النافذة: استمرار عمل الإقليم بتعديلات قانونية خاصة على بعض القوانين الاتحادية (كقانون العقوبات وقانون أصول المحاكمات الجزائية)، مما يخلق أحياناً اختلافاً في التكييف القانوني للجرم أو الحق بين محاكم بغداد وأربيل.
ثانياً: حجية قرارات المحكمة الاتحادية العليا داخل الإقليم
تُعدّ المادة (94) من الدستور حجر الزاوية في حسم العلاقة القضائية، إذ تنص صراحة على أن: "قرارات المحكمة الاتحادية العليا باتة وملزمة للسلطات كافة".
غير أن الممارسة القضائية شهدت تجاذبات فقهية وقانونية حول نطاق هذه الإلزامية:
الاتجاه الاتحادي: يرى أن قرارات المحكمة الاتحادية، بصفتها حارسة الدستور، تعلو على أي قانون أو قرار صادر في بغداد أو أربيل، وأن امتناع محاكم الإقليم عن تطبيقها يمثل خرقاً لمبدأ السمو الدستوري.
اتجاه قضاء الإقليم: يستند أحياناً إلى المادة (121/ثانياً) التي تمنح الإقليم صلاحية تعديل تطبيق القانون الاتحادي في حال عدم وجود اختصاص حصري للحكومة الاتحادية، مما يدفع محاكم الإقليم للاعتراض على بعض قرارات المحكمة الاتحادية إذا اعتبرتها مساساً بالصلاحيات الإقليمية المكفولة دستورياً (كقرارات النفط والغاز أو انتخابات الإقليم).
ثالثاً: إشكالية تنفيذ الأحكام المدنية والإنابات الجزائية
تظهر المعضلة العملية اليومية في قطاعين حيويين:
1. تنفيذ الأحكام المدنية والتجارية
تخضع المعاملات المالية والعقود لإشكالية مدى اعتراف مديريات التنفيذ في الإقليم بالمذكرات الصادرة من مديريات التنفيذ الاتحادية والعكس. يُفترض دستورياً وقانونياً التعامل مع المحاكم العراقية كمنظومة وطنية واحدة، إلا أن غياب آلية تنسيق مباشرة وموحدة يتسبب في إعاقة تنفيذ السندات التنفيذية أو المطالبة بالحقوق المالية عبر الحدود الإدارية للإقليم.
2. الإنابات القضائية وتسليم المتهمين
في المادة الجزائية، يُشكل اختلاف التكييف القانوني لبعض الجرائم، أو صدور مذكرات قبض من محاكم بغداد بحق مقيمين في الإقليم، عقبة أمام الإنابات القضائية. وتخضع عملية تسليم المتهمين أو استجوابهم لآليات توافقية بين مجلسي القضاء (الاتحادي والإقليم) بدلاً من وجود نص قانوني إجرائي ملزم يُنظم آلية التسليم التلقائي والمباشر بين المحاكم.
رابعاً: آليات الحل والتكامل القضائي
لتجاوز التنازع القضائي وضمان استقرار المراكز القانونية للمواطنين، يُقترح اتخاذ الخطوات القانونية التالية:
تفعيل قانون "مجلس الاتحاد": الإسراع بتشريع قانون مجلس الاتحاد المكتفِ بدستور 2005 (المادة 65) ليُشكل الغرفة التشريعية الثانية كصمام أمان لمنع صدور تشريعات متعارضة بين بغداد وأربيل.
إبرام بروتوكول تعاون قضائي مكمل: إبرام اتفاقية تنظيمية شريكة بين مجلس القضاء الأعلى الاتحادي ومجلس قضاء إقليم كردستان، لتحديد آليات تنفيذ الأحكام المدنية والإنابات الجزائية وضبط مذكرات التفتيش والقبض دون إبطاء.
تأسيس هيئة تنازع الاختصاص: تفعيل آلية محددة للفصل في منازعات الاختصاص المحتملة بين المحاكم الاتحادية ومحاكم الإقليم تجنباً لتضارب الأحكام وصدور قرارات قضائية متناقضة في القضية الواحدة.
إن السيادة القانونية والاستقرار القضائي في الدولة الفيدرالية لا يتحققان بإلغاء خصوصية قضاء الأقاليم، ولا بالتنصل من إلزاميّة القرارات الاتحادية؛ بل يكمن الحل في التفسير المنسجم للكتلة الدستورية، وإيجاد قنوات توافقية تضمن وصول العدالة للمواطن العراقي بغض النظر عن رقاعها الجغرافية.