الخريف الأوروبي ونظرية الفوضى- الجزء الثاني

الأستاذ الدكتور باسل يونس ذنون الخياط
أستاذ مُتمرِّس/ جامعة الموصل

 

الخريف الأوروبي ونظرية الفوضى- الجزء الثاني

تشهد عدة دول أوروبية موجة واسعة وغير مسبوقة من الاحتجاجات العنيفة وأعمال الشغب، والتي اندلعت وتصاعدت بشكل حاد خلال أكتوبر 2026. وقد بدأت الشرارة الأولى من الحراك في فرنسا كاحتجاجات طلابية في سبتمبر، لكنها سرعان ما اتسعت لتتحول إلى غضب شعبي عارم طال ستة دول أوروبية إلى الآن.

يُعتقد أن سبب هذه الاضطرابات في أوربا هو عامل اقتصادي بحت وذلك بسبب دعم أغلب الحكومات الأوربية للحرب الفاشلة لحلف الناتو ضد روسيا عبر أوكرانيا والتي كلفتهم مئات المليارات من الدولارات سنويا؛ مما سبب عجز كبير جدا في الموازنات العامة لهذه الدول ولفترة تجاوزت الستة سنوات!! فكانت نتائج هذه الحرب وخيمة جدا على اقتصادهم تسببت بتضخم حاد جدا مع غلاء في أسعار المواد والمعيشة مع ارتفاع في أسعار الوقود (نتيجة قطع كل منتجات الطاقة الروسية عليهم). ولهذا السبب فإن أوربا وأمريكا تريد إنهاء هذه الحرب المُستنزفة للمال وبكل قوة.

كانت فرنسا بؤرة الاضطرابات الأشد؛ حيث انطلقت التظاهرات بمطالب طلابية حول نقص المعلمين وتدهور المدارس، ثم انضمت إليها نقابات وحركة "السترات الصفراء" احتجاجاً على غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الوقود والديزل. وشارك في المسيرات ما بين 550 إلى 800 ألف شخص، وتخللتها أعمال عنف وحرائق واسعة ونهب لآلاف المحلات التجارية، مما أسفر عن اعتقال أكثر من 2,400 شخص وإصابة مئات من عناصر الأمن.

وفي إيطاليا اندلعت مواجهات عنيفة في مدن ميلانو، وبولونيا، وتورينو ضد ارتفاع أسعار الوقود، وتدني الأجور، وغلاء المعيشة. وشهدت ميلانو تحديداً أعمال شغب ونهب لمتاجر كبرى أدت إلى نشر تعزيزات أمنية صارمة.

وفي ألبانيا شهدت العاصمة (تيرانا) احتجاجات طلابية وشعبية متواصلة تطالب بتنحي رئيس الوزراء، وتطورت إلى اشتباكات عنيفة مع الشرطة واستخدام الغاز المسيل للدموع ورشق الحجارة والزجاجات الحارقة احتجاجاً على الفساد وتردي ظروف التعليم والتوظيف.

وفي البرتغال وإسبانيا تركزت الحركة الاحتجاجية فيهما على أزمة السكن الحادة، والارتفاع الجنوني في أسعار الإيجارات، وتكلفة المعيشة؛ حيث نصب آلاف المتظاهرين خيام اعتصام في الميادين الرئيسية في لشبونة، ومدريد، وبورتو.

أما بلجيكا فقد امتدت إليها العدوى من فرنسا، حيث خرج مئات الشباب والطلاب في بروكسل ولييج احتجاجاً على ارتفاع تكاليف التعليم، وواجهت الشرطة هناك أعمال تخريب واشتباكات متفرقة.

هذه الأحداث المتسارعة تُذكرنا بمصطلح (الربيع العربي) الذي انطلقت شرارته الأولى في كانون الأول (ديسمبر) 2010 من تونس إثر إحراق المواطن (محمد البوعزيزي) نفسه، وانتشرت في عدد من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للمطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية وإسقاط الأنظمة الاستبدادية تحت شعار "الشعب يريد إسقاط النظام".

ثمار الربيع العربي:
لقد نجح الربيع العربي في الإطاحة بالرئيس التونسي (زين العابدين بن علي)، ثم بدأت دائرة النيران تتسع: فسقط محمد حسني مبارك في مصر، ثم قُتل معمر القذافي وتم إسقاط نظامه في ليبيا، ثم اندلعت الثورة اليمنية التي أجبرت علي عبد الله صالح على التنحي.

ثم كانت الحركات الاحتجاجية التي شملت جميع أنحاء الوطن العربي، وكانت أكبرها حركة الاحتجاجات في سوريا في منتصف شهر مارس/آذار عام 2011 كحركة شعبية سلمية تطالب بالحرية وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين ورفع حالة الطوارئ، قبل أن تتسع في 18 مارس من مدينة درعا وتتحول تدريجياً إلى مواجهات واسعة ومطالبات بإسقاط النظام.

وفي سنة 2019 أعلن الجيش السوداني خلع الرئيس عمر البشير، والذي أعقبه حرب أهلية مُدمرة مستمرة إلى يومنا هذا.

وعلى المستوى العراقي كان احتلال العراق للكويت سنة 1990، فكان ذلك الحدث هو القشّة التي قصمت ظهر البعير، مما تسبب في سقوط النظام السياسي في العراق وما أعقبة من تغيرات كبرى على مختلف الأصعدة.


الربيع الأوروبي في خريف 2026:
إن الاحتجاجات المتزامنة في أوروبا تكشف عن اتساع فجوة الأجيال وتفاقم أزمات المعيشة والسكن وتضع الحكومات أمام اختبار صعب لاستعادة الثقة الاجتماعية والسياسية.

ومن الصعب تخيّل أن أوروبا التي تابعت قبل ربع قرن أحداث الربيع العربي وحللت أسبابه، ستجد نفسها اليوم أمام موجة احتجاجات متزامنة؛ يطلق عليها الإعلام اسم "الربيع الأوروبي". فمن باريس إلى تيرانا، ومن روما وميلانو إلى بروكسل ولشبونة ومدريد وأثينا، تتكرر مشاهد المظاهرات والإضرابات والاعتصامات وما بدأ كحركة طلابية محدودة في سبتمبر/أيلول 2026، تحول خلال أسابيع قليلة إلى حالة من عدم الاستقرار القاري، يصفها البعض بـ"خريف الغضب".

ففي أواخر سبتمبر/أيلول، خرج تلاميذ ثانويون في ضواحي باريس احتجاجاً على الاكتظاظ في الفصول، ونقص المدرسين، وتدهور تجهيزات المدارس، بعد إعلان الحكومة إلغاء (3256) وظيفة تدريس في ميزانية 2026، وزيادة ميزانية التعليم بنسبة 1.7 في المئة فقط، وهي نسبة أقل من التضخم.

وسرعان ما انضمت الجامعات، ثم النقابات العمالية وحركة السترات الصفراء. واتسعت المطالب لتشمل تحسين التعليم، وزيادة الأجور والمعاشات، وخفض تكاليف المعيشة، وإعادة فرض ضريبة الثروة.

وفي 17 و18 أكتوبر/تشرين الأول، وصلت الاحتجاجات إلى ذروتها. وقدّرت وزارة الداخلية عدد المشاركين بـ550 ألفاً، بينما قالت الكونفدرالية العامة للعمل في فرنسا، إن العدد وصل إلى 800 ألف.

وشهدت باريس ومرسيليا وليون وليموج مواجهات عنيفة، ومحاولات لاقتحام متاجر مثل 'غاليري لافاييت' ونهب محلات، وإحراق سيارات ومبانٍ عامة، بينها بلدية ليموج التاريخية، التي يبلغ عمرها 140 عاماً، واحترق برجها.

وأعلنت الداخلية توقيف أكثر من 1200 شخص في يوم واحد، وجرح نحو 1000 عنصر أمني. ووصفها رئيس الوزراء (سيباستيان لوكورنو) بأنها "أثقل حصيلة في النظام المدرسي منذ عقود"، مع إصابة 215 مراهقاً و85 من طاقم المدارس.

وما يُميز هذا الحراك أنه غير مُنسق مركزياً، لكنه متزامن في التوقيت والأسباب، ويُصنَّف ضمن احتجاجات جيل زد.

https://www.facebook.com/reel/1046326895147130

وفي بلجيكا، بدأ طلاب في لييج الاحتجاج مطلع أكتوبر/تشرين الأول ضد إصلاحات ترفع الرسوم إلى 1194 يورو للعام الدراسي 2026-2027، وتقلص التمويل.

وامتدت الاحتجاجات إلى بروكسل، وتزامنت مع إضراب وطني ضد التقشف في 9 أكتوبر/تشرين الأول، شارك فيه عشرات الآلاف.

وفي ألبانيا، اختلطت مطالب الطلاب المتعلقة بجودة الجامعات وفرص العمل مع حركة أوسع تُسمى (ثورة الفلامينغو)، ضد مشروع منتجع فاخر على الساحل مرتبط (بغارد كوشنر)، وتطالب برحيل رئيس الوزراء (إيدي راما). ولاحقاً، تحولت المظاهرات في تيرانا إلى مواجهات استُخدمت فيها خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع، واعتُقل أكثر من 100 شخص.

وفي اليونان، نصب طلاب خياماً في ميدان (سينتاغما)، مقابل البرلمان، في 13 أكتوبر/تشرين الأول، احتجاجاً على الإيجارات التي تصل إلى 500-600 يورو للشقق الصغيرة، مطالبين بضبط الإيجارات وزيادة السكن الطلابي.

وفي إيطاليا والبرتغال وإسبانيا، توسعت التظاهرات في روما وجنوى وتورينو وباري، حيث خرج عشرات الآلاف احتجاجاً على تردي المنظومة التعليمية وارتفاع تكاليف الحياة، رافعين شعارات تندد بتمويل النزاعات المسلحة بدلاً من التعليم.

وفي لشبونة وبورتو وكويمبرا، خرجت مسيرات ضد الغلاء وأزمة السكن، بينما بدأ حراك محدود في برلين وهامبورغ تضامناً مع المحتجين.

في الواقع، تكشف هذه الاحتجاجات عن أزمة أعمق من مجرد رسوم دراسية، فقد أظهر مسح (يوروباروميتر) التابع للمفوضية الأوروبية أن 41 في المئة من الشباب يعتبرون تكلفة المعيشة الهاجس الأكبر، تليها مشكلتا السكن والعمل بنسبة 23 في المئة لكل منهما. وفي المقابل، ارتفعت أسعار المنازل في الاتحاد الأوروبي بنسبة 53 في المئة، والإيجارات بنسبة 25 في المئة، بين عامي 2010 و2024، وفقاً ليوروستات.

وفي فرنسا وبلجيكا، تبدو الخلفية الاقتصادية ثقيلة؛ إذ تسجل الدولتان عجزاً في الميزانية يتجاوز 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، فيما يتجاوز العجز في النمسا 4 في المئة، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الاقتراض. وتجد الحكومات نفسها مضطرة إلى خفض الإنفاق، بينما يطالب الشارع بمزيد من الحماية الاجتماعية.

وهذا ما دفع بعض المحللين إلى الحديث عن "صراع أجيال"، تُخصص فيه الميزانيات للمتقاعدين على حساب الشباب، بنسبة 21 في المئة.

وهنا يبرز السؤال الجوهري عن مستقبل العقد الاجتماعي الأوروبي الذي تأسس على العمل ودفع الضرائب مقابل الحماية الاجتماعية والخدمات العامة.

لقد تعاملت الحكومات مع الاحتجاجات بطرق متفاوتة، فقد دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الصبر والحوار، لكن قادة الطلاب اعتبروا الإجراءات غير كافية، فيما رفض إعلان حالة الطوارئ رغم الضغوط. وفي بلجيكا وألبانيا، استخدمت الشرطة الغاز والمياه والهراوات.

ويظهر البُعد السياسي في فرنسا، حيث تترقب أحزاب اليمين المتطرف، بزعامة مارين لوبان، واليسار الراديكالي، بزعامة جان لوك ميلانشون، المزاج العام قبل الانتخابات الرئاسية في أبريل/نيسان 2027.

إن "الربيع الأوروبي" ليس ربيعاً بمعنى تغيير الأنظمة، بل هو اختبار لقدرة الأنظمة الديمقراطية نفسها على تحويل وعودها الدستورية إلى أمان ملموس وإنصات سياسي. وإذا فشلت في احتواء غضب جيل يرى أن مستقبله سُرق، وأن عنوان سكنه يقرر مستقبله، فقد يتحول هذا الخريف إلى شتاء سياسي طويل يعيد رسم خريطة القارة الأوروبية بأكملها.

ويبقى السؤال: هل أن ما تشهده القارة العجوز الآن من مظاهرات واحتجاجات وأعمال تخريب ستعقبه تغيرات على الساحات السياسية والاجتماعية في تلك البلدان على غرار ما حدث في تونس وليبيا ومصر والسودان واليمن والعراق:

فإن يكُ صدرُ هذا اليومِ ولى ... فإنّ غداً لناظِرِه قريبُ