
د. نظام الدين إبراهيم اوغلو
باحث أكاديمي ـ تركيا
لماذا خلق الله الانسان (أدم وذريته)؟
مقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد نا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد.
لو تساءلنا عن الأهداف الكبرى التي خُلق من أجلها الانسان، ما هي؟ يمكننا جمعها في هدفين كبيرين: الأول: عبادة الله، قال الله تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُون) الذاريات، 56،. الثاني: إعمار الارض والتفكر في آيات الله للوصول إلى اليقين.. قال تعالى ( يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ، هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) هود، 61. طبعًا هناك أهداف أخرى سنبينها إن شاء الله.
هناك أيات كثيرة ينبه الله تعالى العباد إلى انتفاء العبث في أفعاله سبحانه ولم يخلق المخلوقات عبثاً ولا لعباً؛ فقال الله عزّ وجلّ (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ). وقال (وَما خَلَقنَا السَّماءَ وَالأَرضَ وَما بَينَهُما لاعِبينَ) الأنبياء، 16، وقال أيضًا (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا، ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ). والله تعالى خلق العديد من المخلوقات في هذا الكون الفسيح، وتنوّعت آيات الأعجاز والقدرة فيه، ومن صفات كمال الله أنّه منزّهٌ عن العبثية.
لقد شاءت إرادة المولى عزّ وجل أن يختار من بين سائر المخلوقات الانسان ليكون أشرف المخلوقات وأكرمها، ووراء خلق الانسان لابد أن يكون غايات ومقاصد عظيمةٌ وهدفٌ سامٍ.
يقول المودودي: إنّ منزلة الإنسان من حيث هو نائب عن الله وخليفته في الأرض أعلى وأشرف من منزلة كل شيء في السموات والأرض، وما كل هذه الأشياء إلا دونه، وما خلقت إلا ليتمتع بها ويتصرف فيها على ما تقتضيه مرضاة مولاه. والله تعالى عرض عليه الامانة لكونه من أشرف المخلوقات (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ، إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا)، وهي التكاليف والفرائض الشرعية التى كلف الله تعالى بها عباده، من إخلاص فى العبادة، ومن أداء للطاعات، ومن محافظة على آداب هذا الدين وشعائره وسننه. وقد عرضها الله تعالى على المخلوقات العظيمة في السماوات والأرض والجبال، عرض تخيير لا تحتيم، وأنك إن قمت بها وأدَّيتِهَا على وجهها، فلك الثواب، وإن لم تقم بها، ولم تؤديها فعليك العقاب، والأنسان ظلوما لنفسه جهولا بعاقبة ما تحمل.
وتعلمنا الأيات الذي ذكرناها أن الله تعالى بعد خلقه الانسان، كرمه أعظم تكريم، فخلقه في أحسن تقويم، (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) التين، 4، وسخر له الكون أفضل تسخير وجعله خليفة في الأرض. (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) البقرة، 30. وقال تعالى (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) الإسراء، 70. وجعله سيد المخلوقات بما أودع فيه من الخصائص وبما حباه من المزايا، حتى أصبح مهيّأً لاستقبال خطاب التّكليف. 17. وقال (ألم تَرَوا أنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُم مَا فِي السَّماوَاتِ ومَا فِي الأرْض وَأسْبَغَ عَليكُم نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) لقمان، 20. ومن اسباب خلقه قال تعالى (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) الملك، 2. أي أن سبب خلَق الله تعالى الإنسان لقد كلف بواجبات عديدة يؤديها بأمانة وإخلاص تجاه الله تعالى ومجتمعه من عبادة الله تعالى؛ وفي مساعدة الناس وتسهيل أمورهم. وحثَّهم على عمارة هذه الأرض وفي العمل الصالح؛ فقال تعالى (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) هود: 61، هذه العمارةُ تشمل كلَّ ما فيه نفعٌ وفائدة للفرد والمجتمع؛ فالمسلم كالغيث، أينما حلَّ نفع، ولا يرتكب ما يخالف هذه العمارةَ إلا مَن انتكست فطرتُه، فاستوى عنده العمَار بالخراب، والإصلاح بالإفساد. قال تعالى ( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) وقال تعالى (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) الأنبياء، 105.
وكذلك نجد في قصة الإسراء والمعراج، دليل أخر على أن نبينا الأكرم، أفضل من الملائكة، فنرى المسلمين يعدونها من معجزات النبي محمد عليه الصلاة والسلام، وأنها من الأحداث البارزة في تاريخ الدعوة الإسلامية، لقد أرسل الله تعالى نبيه محمد على البراق مع جبريل ليلاً من المسجد الحرام بمكة، إلى بيت المقدس والتي افتُتحت بقوله (سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ) الإسراء ـ1، بالروح والجسد وسُميت سورة الإسراء على اسم الحدث، وإنتقل بعد ذلك من القدس في رحلة سماوية بصحبة جبريل على دابة تسمى البراق أو حسب التعبير الإسلامي عرج به إلى الملأ الأعلى عند سدرة المنتهى أي إلى أقصى مكان يمكن الوصول إليهِ في السماء، وقيل عرج على دابة البراق بالروح والجسد وبصحبة جبريل (ع) وعاد بعد ذلك في نفس الليلة، فاقتربا وكادا أن يتلامسا، ولكن جبريل فارق الرسول صلى الله عليه وسلم عند موضع لا تتعداه الملائكة، وقال له: إذا تقدمتَ ـ أي: يا محمد ـ اخترقتَ، وإذا تقدمتٌ ـ أي: أنا ـ احترقتُ. وبعد عبور هذا الموضع تجلى الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم بالإنعامات والتجليات والفيوضات، ثمَّ صَحِبهُ جبريلُ فأدخلهُ الجنَّةَ، فرأى من نَعيمها ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت، وفي رواية عن أبي هريرة (أنه لما بلغ عند سدرة المنتهى فكلمهُ الله تعالى عند ذلك). قال تعالى: (إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى، ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى، وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى، ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى، فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى، فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى، أَفُتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى، وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى، عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى، إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى، مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى، لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) سورة النجم، 4-18.
وبعد ما سردنا من أيات الله على مزايا الانسان، يمكن أن نقول أن الأنبياء والأولياء والصالحين من البشر أفضل من الملائكة. وهذا قول معروف عند جمهور أهل السنة، والفلاسفة والمعتزلة و أَصحاب الأَئمَة الأَربَعة وغيرهم، قالوا أن الملائكة يطيعون الله بالإجبار، أما الإنسان يطيع الله باختياره، فطاعة الملائكة بأصل الخلقة، أما طاعة البشر تكون مع المجاهدة للنفس وكانت عباداتهم أشق". وعبادة البشر أصعب من عبادة الملائكة، والبشر لديهم اجتهاد، أما الملائكة فلا يوجد لديهم اجتهاد، ويفعلون فقط بما يؤمرون به.
وقد يسأل أحدنا: أن الجنة التي خلق فيه أدم عليه السلام أهي جنة الخلد أم غيرها في الأرض أو في السموات؟ ومن تمام الإيمان السكوت عما سكت عنه القرآن الكريم والرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، ثم لم يغضب الله تعالى على إرتكابه الخطيئة بل عاتبه ثم تاب عنه، ونزوله إلى الأرض كان تحقيقًا لمراد الله تعالى بتعمير وبناء الأرض، وليس طردًا له من الجنة. فنقول أن الانسان غير مكلف في البحث عن جواب لماذا خلق الله الانسان؟ لأن الانسان مأمور من قبل الله تعالى أن يؤمن بكافة أمور الغيب من دون السؤال عن السبب والعلة. علمًا أن أكثر أسئلة الكفار، يتضمن نية سيئة، فيسألون أسئلة فيها الكفر والفسوق والعصيان على الله، فمثلاً يقولون: لماذا خلقني الله من دون أن يسألني؟ ولماذا ابتلاني الله بعد الخلق؟ ونحو ذلك من الأسئلة، ومقابل ذلك يحذر الله تعالى الكافرين والعاصين على كفرهم وعلى عاقبة أمورهم، قال تعالى (لهم في الدّنيا خزيٌ ولهم في الأخرة عذابٌ عظيم) البقرة، 114. (إنّ جهنم كان مرصادًا، للطاغين مآبًا) النبأ، 22. مع هذا نذكر أدناه بعض أسباب خلق الله تعالى الأنسان:
أسباب خلق الله تعالى الإنسان (أدم وذريته)
1ـ خلق الله تعالى الانسان من أجل الإيمان وعدم الشرك والعبادة المطلقة به:
وعلينا أن ندرك بأن الله هو الخالق وكل ما سواه مخلوق، والكون بكل ما فيه من دقة وإعجاز يدل على قدرة الله الخالق وحكمته المطلقة. من كمال ربوبيتة وألوهيته أن يُعبد ويُوحّد ويُمجد سبحانه وتعالى، والعبادة المطلقة لله تعالى تكون بالسجود والركوع والتسبيح والحمد والتقديس له بالعبادة والطاعة لأوامره من دون أن يشرك به، هناك آيات كثيرة حول ذلك قال تعالى (يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم) الجمعة،1، وقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا) النساء، 136. وقال أيضًا (من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) البقرة، 62. وقول الله تعالى عن الشرك (وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً) المائدة، 76. وقال أيضًا (لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ.) لقمان، 13 . فالايمان بالله تعالى يكون من دون أن يراه الإنسان في الدنيا. والايمان بالله وبالغيب من أفضل الأعمال عند الله تعالى، فهو يؤمن بالله وبالغيب من دون أن يراهم وهو قمة الايمان والتقوى عند الله تعالى، لذا يستحق صاحب الايمان أفضل المكافأت الإلهية. لذا لا يكون المَلِك مَلِكاً ـ ولله المثل الأعلى ـ إلا إذا كانت له رعية يتصرف فيهم، يقتل هذا ويعفو عن هذا، ويعطي هذا ويولي هذا، ويعزل هذا، فإذا كان مَلِك بلا رعية، فعلام يكون مَلِكاً؟! فالله أراد أن يظهر سلطانه في الأرض وحكمته البالغة، وقدرته النافذة، فيظهر بذلك أثر كرم الله تعالى وإحسانه ورحمته سبحانه وتعالى فأتى بآدم (ع). وشرفه وكرمه رب العالمين على هذه الأسس وحسب درجة عبوديته له. وهذه قمة العدالة للعباد.
ونحن نجد في كتب الأحاديث أن الله تعالى خَلق الإنسان بيده، وأسجد الملائكة له، وبعث إليه الرسل مؤيدين بالكتب منه، ومن الجدير بالذكر أنّ الإنسان خُلِق للقيام بمهمة عبادة الله تعالى وحده، فقد روى الحاكم في المستدرك عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (خلق الله أربعة أشياء بيده: العرش، وجنات عدن، وآدم، والقلم) وقيل: هذا حديث صحيح الإسناد، وقال الذهبي في "التلخيص": صحيح. وقال الله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) الذريات، 56-58. (قُل إنّما أُمرتُ أن أعبد اللهَ، ولا أُشرك به، إليهِ أَدعُوا وإليه مئاب) الرّعد، 36. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) البقرة، 21. فلا شيء أشرفُ للإنسان من أن يكون عبدًا محضاً لله تعالى وحده، يأتمر بأمره، وينتهي بنهيه، ويتوجه بتوجيهاته، ويسير على صراطه المستقيم، لا نصيب لغير الله تعالى فيه. قال الله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) الزمر، 29. ويمكن أن نقول هنا أنه لو خلق الله الإنسان لغير العبادة، لكان مثل البهائم يعيش هَمَلاً يأكل ويشرب ويتكاثر، ولا يخفى ما في ذلك من الإهانة للإنسان نفسه، والمنافاة لحكمة العليم الحكيم. فالحاصل أن الله تعالى جعل مهام الانسان في الأرض وما خلق الإنسان عبثاً، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وإنما خلقه لعبادته والتقرب إليه سبحانه. والإنسان الغافل والجاهل في أوامر الله تعالى لا يعني أنهم معذرون وسوف يتخلصون من نار جهنم. لذا على كل إنسان عاقل بالغ أن يفكّر ويسأل نفسه كيف يمكن له أن يتعلم حقيقة الله تعالى ووظيفته تجاه الله. ولكن سؤاله وتفكيره هذا يجب أن يكون على نية صادقة وخالصة. وأن يدرك أن الله تعالى لم يخلق الانسان عبثًا. فقال تعالى (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) المؤمنون، 115-116. (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى) يس، 36.
2ـ وقد يكون في خلق الله الانسان ليستخلفه في الأرض لعمرتها ويقيم فيها العدالة، ويدخل الجنة من غير حساب:
لمَّا خلق الله تعالى آدم عليه السَّلام أخبر الملائكة بأنَّه سيجعله خليفةً في الأرض، لذا وُجوده في الجنَّة من أجل تحقيق أمر الله تعالى، وأنَّ الله تعالى نزله إلى الأرض لإصلاحها وإعمارها، وجعل الله تعالى هذه الخلافة بإرادة الإنسان واختياره، وتكون بالبناء والعلم، وخدمة الإنسانيَّة، وكان استخلافه في الأرض من قبل الله تعالى وأنه سوف يكون السبب في أعمارها وزينها بالبناء والتطور وانه سوف يحقق العبودية لله عز وجل فيها طوعا وليس إجباراً، فالإنسانُ هو المخلوق الوحيد المؤهل القادر الذي خلق الأرض كي يعمرها ويَستثمرُ خيراتها ويُنعم بما يخرج من بطنها من الرزق كي تتحقق نعمة الله على عباده، فقال تعالى (إنّا مكنّنا له في الأرض وأتيناهُ من كُلِ شيءٍ سببا فأتبعَ سبب) الكهف:84،85. فبذلكَ ستتحقق إرادة الله على الأرض. قال الله تعالى (وإذ قال ربك للملائكة أني جاعل في الأرض خليفة) البقرة، 30. وقال أيضًا (هو الذي جعلكم خلائف في الأرض) فاطر:40. (ثم جعلناكم خلائف في الأرض) يونس، 15. وتفسير كلمة الخليفة: إما أن يخلف الله تعالى خلفاء يتصفون بالتقوى ويحكمون بين الناس بالحق والعدالة، كما جاء في الآيات لأدم وداود وبقية الأنبياء؛ وكذلك يمكن استخلاف بعض أفراد الانسان على بعض؛ أو أن الانسان يخلف بعضهم بعضاً عن طريق الولادة. والعدل من أساس الخلافة فقال تعالى (وإذا حكمتُم بين النّاس أنْ تحكُموا بالعدل) النّساء، 58.(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) الحديد، 25. وآيات كثيرة.
لذا يجب علينا أن نعلم أن الله تعالى لم يخلق الانسان من أجل البغض والشقاء، بل خلقه لحكمة إلهية كبيرة لانعرفها بالضبط، فقال تعالى (ما ودّعك ربّك وما قلى، وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى) الضحى، 3ـ5. (طه، ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، الاّ تذكرة لمن يخشى) طه، 1ـ3.
3ـ وقد يكون السبب في خلق الله الانسان لأجل تكاثر النسل البشري على الأرض الله:
بسبب عدم وجود انجاب الذريات في الجنة لهذا السبب كان سبب خلق أدم وحواء في الجنة وبقاءهم هناك ثم هبوطهم إلى الأرض لتجلي صفاته الجليلة من الخالق المحي والمميت والوارث والزراق وهذا لايمكن أن يتم بأدم وحواء فقط، لذا يكون بزيادة النسل البشري في الجنة فشجعهم الله تعالى بالزواج الحلال وإنجاب الذريات، قال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً) الرّعد، 38 (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ) النساء، 3. وقال تعالى في حديث قدسي (تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الوَلودَ، فإني مُكَاثِرٌ بكم الأنبياءَ يومَ القيامةِ) أخرجه أبو داود (2050) واللفظ له، والنسائي (3227.)، وقال عليه الصلاة والسلام (النكاح سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني) رواه البخاري. وقال أيضًا (تزوّجوا فإنّي مُكاثرٌ بكم الأُممَ يوم القيامة ولا تكونوا كرهبانيةِ النصارى) رواه البيهقي. وكذلك حرم هلاك الحرث والنسل وقتل الأولاد خشية إملاق وقتل النفس التي حرم الله تعالى إلاّ بالحق. وكان بإمكانه أن لا يخلق الإنسان، ولا أى مخلوق آخر. ولكن الله بكرمه وجوده ورحمته خلق الكائنات الملائكة والجن والإنس وباقي المخلوقات، وسيخلق كائنات أخرى وأقوام وأمم أخرى كما علمنا القرآن الكريم فقال تعالى ( إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ) إبراهيم، 19. وبكرمه ازداد ذرية بني آدم بالزاوج الصحيح وسيزداد إلى يوم القيامة، وسوف يكرمهم بنعم أكثر في جناته الواسعة التي تسع كل البشرية الذين ولدوا والذين سيلدون إلى يوم القيامة، وبرحمته يرحم ويغفر ذنوب الفاسق والعاصي عندما يلجأ إلى الله ويتوب إليهم. وهو بذلك أمر عباده أن يتصفوا بصفاته. وأن الله تعالى لم يخلقهم لاعبين: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ) الأنبياء، 16. ويقول سبحانه وتعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) الدخان، 38. فأراد الله تعالى أن يزيد عدد الانسان في الدنيا بعد أن يتزاوجوا ويكثر ذريتهم ثم يكرمهم ربهم بدخول أعداد كبيرة من الناس إلى الجنة. وقال (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً) النساء، 1. ويمكن أن نؤول هنا ونقول أن أحد أسباب هبوط آدم وحواء من الجنة هو زيادة النسل البشري في الأرض.
4ـ وقد خلق الله الانسان من أجل تحقيق الكمال الروحي والخلقي والعقلي والمعرفي والإيماني عنده:
كما نعلم تكون معرفة الأوامر الالهية بالقراءة وبالتعلم وبالتفكر لأيات وعلوم القرآن الكريم، فقال تعالى (وعلم آدم الأسماء كلها) وقال (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) العلق، أية 1ـ 5، وقال أيضًا (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) أل عمران، 191. والمؤمن يفكر في خلق الله وفي الكون من أجل زيادة إيمانه بالله تعالى. وبعد تعلم علوم القرأن سيتعلمون كيفية الطاعة والإنقياد ولكي لا يرتكبوا الأخطاء والإثم كما أخطأ أبوهم أدم وأمهم حواءعلى الاطلاق بأكلهما ثمرة الشجرة المحرمة عليهما فسبب لهما هبوطهما للأرض، وما جرى في ذلك من الابتلاء والامتحان ليكون عبرة لذريته، لكي لا يتبعون من أغوى أبويهما. قال تعالى: (وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) البقرة، 35. وقال أيضًا (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) طه، 117 ـ 124 . وقال سبحانه: (يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) الأعراف،27.
5ـ وقد يكون الهدف معرفة الانسان عظمة الله تعالى باستكشاف أسراره في الكون وإبداعاته والشكر على النعم التي أنعمها لهم:
فنرى وراء هذا الكون الكبير أن الإنسان أعظم المخلوقات في هذا الكون واثمنها، ويحتوي الكون ملايين المجرّات، وما أودعه من ملايين النّجوم في كلّ مجرّةٍ، وما بينهما من عجائب تفوق قدرة الإنسان بالكشف الحسّي عنها تتلخّص في العبادة عن طريق معرفة الله، وأنّ سعادة الإنسان أثرٌ حتميٌّ لمعرفة الله وعبادته؛ فكلما زادت معرفة العبد بربّه زادت راحة قلبه، وطمأنينة نفسه، وأقبل على الحياة بروح التفاؤل ومشاعر الإيجابية.
وأما الأنعم التي أنعم الله تعالى على مخلوقاته لا تُعدّ ولا تُحصى، حيثُ قال في مُحكَم التنزيل: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) سورة النَّحل، 18. وقال (وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِ*نسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) سورة إبراهيم، 34. ففي تلكما الأيتين دعوةٌ من الله سُبحانه وتعالى للعبدِ أن يتفكّر في نِعم الله تعالى عليه، ويتذكرها ولا ينساها، ويؤدي حقّ شكر الله تعالى على هذه النِّعَم، قولاً وفعلاً وحالاً واستشعارًا، قال سُبحانه وتعالى مُحذرًا من نسيان النِّعَم وكفرانها وإنكارها: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ) سورة البقرة، 152. وأنعم الله تعالى لاتنحصر بالطعام والشراب والأموالن بل كل ما نملكه فهو نعم الله تعالى من صحة وعافية وزوجة وذرية صالحة والسمع والبصر والعقل والقوة الجسدية وغيرها.
6ـ وقد يكون في خلق الله الانسان لأجل أن يعرفوا قيمة الجنة ونعيمها، وأن سلعة الله غالية وليست رخيصة:
قال رسول الله (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة). رواه الترمذي بإسنادٍ حسن، وهبوط أدم وحواء عليهما السلام من الجنة لكي يعرف الإنسان أن دخول الجنة لاتكون بدون الطاعة والعبادة والعمل والصبر على البلاء وعند الابتلاء يتبين الأخيار من الأشرار، فمن أمن بالله وعمل بما أمره فهو من الأبرار والأخيار، وصبر على الابتلاءات وبما قدر الله له، صار أهلاً للدخول إلى الجنة التي تجري من تحتها الأنهار، فيجب عليه عدم الأعراض عن ذكر الله،. قال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) طه، 124. وقال (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) العنكبوت، 2-3. وقال تعالى (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) الملك، 2. (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً..) المائدة، 48. فالمؤمن يدرك أن الحكمة من خلقه الابتلاء والامتحان، وكل عمل في حياة الدنيا فهو ابتلاء. ، وسيرفع الله تعالى درجاتهم فيها حسب درجة عبوديتهم وأعمالهم وصبرهم على الابتلاءات.
ومن أنواع الابتلاءات كالابتلاء بالشهوات، شهوة المطعم وشهوة المشرب، وشهوة المنكح، وشهوة القهر، والتغلب، والاستعلاء، والمرض واندلاع الحريق و خسارة الأموال وبالفقر والغنى والابتلاء بقرناء السوء وبالشبهة التي تلقى في قلوبهم الشكوك لأن إيمانهم بالغيب. وفوق ذلك الابتلاء بالشيطان الرجيم ذلك العدو اللدود المتربص الذي مازال منذ أن أخرج أبانا آدم من الجنة حريصاً على إغواء بنيه وإيقاعهم في الكفر والشرك والفسوق والعصيان ونحو ذلك. لذلك كانت العبادة في حقهم ابتلاء واختباراً للدواعي المضادة لها، فمن استجاب لتلك الدواعي والنوازع وأطاع الشيطان كان من الغاوين الذين يستحقون دخول النار كما قال تعالى (قال فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين) ص، 84، 85. فعلى العبد أن يعمل ويسعى في عبادة ربه، وأن يستعد للقاء الله في يوم يشيب فيه الولدان، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد. والابتلاءات أتٍ فلا محال فهي رحمة الله تعالى على العباد لأجل دخولهم إلى إلجنة، والابتلاءات تصيب كل الناس. وأكبر من يبتلي به من الناس هم الأنبياء ثم الأولياء، حتى يكونوا قدوة وأسوة حسنة في تحمل الابتلاءات والصبر والشكر عليها. ونقول أنه لا يعرف طعم الراحة إلا من ذاق مشقة التعب والإرهاق، كما لا يعرف قيمة الجنة إلا من ذاق أهوال المرور على الصراط. والقاعدة تقول “المشقة تجلب التيسير” فإن المشقات تفتح أبواب اليسر على الدوام. إذًا الابتلاء نعمة كبيرة على المؤمنين من أجل يرجعهم إلى موطن آدم (ع) الأصلي وإلى الجنة.
7ـ وقد يكون من أجل إظهار عظمة وقدرة الله تعالى وتجلي صفاته وأسمائه الحسنى بعد خلقه الكائنات وخلقه الانسان من العدم ومن التراب والطين ثم نفخ من روحه:
فإن حقيقة ذات الله أعظم حقيقة مطلقا! ولا يقدر البشر على الإحاطة بها ومعرفتها بالكمال والحقيقة، وغاية ما يمكنه هو معرفة أمور عنها، ومن طرق ذلك النظر والتأمل في أفعال الله وخلقه.
وعند تحقق أسماء الله تعالى منها: الرحيم، العظيم الكريم، العدل، الجبار، والقهار، الرزاق، القابض، المعز، المذل، الفتاح، المجيب، الغفور، التواب، المحي، المميت، مالك الملك ذو الجلال والإكرام، وغيرها، كل ذلك تخبر عن حقائق عظيمة لا أعظم منها! وإن الكون بكل ما فيه من عظمة، لهو بعض تجلي هذه الأسماء والصفات، فنقترب بعض الشيءـ ولا نبلغ الغاية أبدًا في التعرف على خالق الكون! وليستدلوا بالكون على أنه مخلوق لإله كامل عليم، وكل صنعة تدل على وجود صانع لها وتنشئ بشئ من صفاته، وإن الكون طالما كان صنعة بارعة فإن فيه دليلًا على إله متصف بصفات الكمال والعلم والحكمة، خلقه وأبدعه. وهل يتصور لمن شاهد هذه الحقائق من هذه الجهة إلا أن يمتلئ قلبه تعظيمًا وهيبة ورهبة وخضوعًا وعشقًا وحبًا للحي القيوم بديع السماوات والأرض، فإن الكون كله هو خلق الله، وإن أسماء الله تعالى وصفاته تتجلى في خلقه، فنعرف الله تعالى وأسماءه وصفاته بالنظر في مخلوقاته العجيبة العظيمة، الدالة على عظمة خالقها وباريها! فالحكمة التي قامت على أساسه الحياة الأرضية للإنسان أنه عليه أن يتحمل ويجتهد، يسعى ويبنى ويقترب إلى الله بالأعمال الصالحة أملاً في رضاه وأن عليه أن يقاوم الشيطان وإغوائه له وفتن الأرض المتعددة وأن يتعلم الصبر على المحن والبلاء التي تصيبه في حياته الأرضية المختلفة كثيراً عن جنته التي يبغيها في الأخرة وأن يستغفر الله في كل وقت حتى ينال جنته الموعودة والتي خرج منها أباه أدم نتيجة عصيان أمر الله والاستسلام للإغواء وكيد إبليس اللعين إذن هو الاختبار الذي بدأ منذ أدم ونزوله على الأرض ليتخذها مسكناً له ولذريته من بعده مروراً بأبنائه وأحفاده من البشر وحتى قيام الساعة أنه نفس الاختبار الذي وضع فيه أدم الاختبار الإلهي من الله للإنسان الذي سوف يظل يعمل ويجتهد ويحاول ويقاوم طوال حياته، مهما نجح لم يستطيع الوصول إلى جنته إلا في الأخرة وطبقاً لأعماله في الدنيا لم تكون هناك راحته التامة التي يسعى إليها على الأرض مهما فعل هناك لكثير مما يأمله لا يجده إلا في جنته الحقيقية موطنه الأصلي لأباه أدم، ولذلك فإن الجنة الحقيقية ليست على الأرض وأن المبتغى الأخرة التي سوف يجد فيها الإنسان جنته وراحته .
ولكل صفة من صفات الله واسم من أسماء الله تعالى آيات وحكم على عباده الصالحين، وقد نرى أن الله تعالى يريد أنه يحسن صبغته على عبده المتمثلة في الروح: قال تعالى (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً) البقرة، 138. بمعنى أن يحمل الإنسان صفات الله ويتصف بمثله. والكمال لله تعالى. وما خلق شيئاً عبثاً، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وإنما يخلق لحكم بالغة، ومصالح راجحة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها. وعندما نفخ الله تعالى من روحه للإنسان، يريد أن يرى تجلي صفاته على عبده المطاع، قال تعالى (ونفخ فيه من روحه) السجدة، 9. (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) الحجر، 29. وقد نرى أن الله تعالى يظهر على عبده أنه غفور ورؤوف رحيم وأنه محيي ومميت ومالك الملك: إذًا كيف نعرف أنه غفورٌ رحيم إذا لم نر غفرانه في الدنيا والأخرة. أ تأتي إلى ملك من الملوك فتقول: يا حليم وهو ما سبق له أن حلم عن أحد، وتقول: يا جواد، وهو ما سبق أن أعطى أحداً، وتقول: يا قوي، وهو ما سبق أن هزم جنداً، لا، لابد أن تظهر الأسماء والصفات في المخلوقين. فهو الغفور الرحيم، فلذلك أذنب آدم فظهرت مغفرته سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وأخرجه من الجنة فظهرت قدرته، وسلط الله على بعض عباده العذاب فظهر أنه شديد العقاب. وخلق الإنسان من العدم ثم من نطفة، وسيحييهم بعد الموت، فيدل على أنه المحيي والمميت. وهكذا. ومن أجل إظهار صفاته أنه المحي، والقابض، والودود والرزاق والمحصي.
8ـ وقد يكون في خلق الله الانسان لأجل معرفة وفهم حقيقة وجود الإنسان وما هي وظائفه وواجباته تجاه الخالق من خلال الحياة التي يعيش فيها:
الفهم يقود إلى الطّريق الصّحيح أنّ أشرف ما يمكن أن يتعلّمه الإنسان في حياته، ويقضي فيه جلّ أوقاته ويشغل فيه ذهنه؛ هو فهم حقيقة وجوده وأسببها، ثمّ العمل لأجلها، فكان علم العقيدة هو أشرف هذه العلوم؛ لأنّه يقود الإنسان إلى طريق نجاته في الدّنيا والأخرة، وفي هذا الطّريق مشى أئمة المسلمين والتّابعين والصّالحين، فكان على من أراد خيراً في نفسه أن يخطو وفق خطواتهم حتّى يصل حيث وصلوا من الفوز والفلاح، وإنّ من أولى الحقائق الثوابت التي وجب على المسلم أن يتحرّى سبب خلقه ويدركه حتّى يقوده إلى طريق الفلاح والنّجاح. وإذا أدرك الإنسان غاية وجوده، وجد مفتاح إجاباتٍ كثيرة تقوده إلى رضا الله تعالى، والإنسان مخلوقٌ مميّزٌ عاقلٌ، خلقه الله تعالى قادراً على التميّيز والإدراك، ففي تفسير قوله تعالى (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ، فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)، ففي التفسير أنّ الإنسان وجد من خلاصة عناصـر مختلفةٍ تحولّت إلى نطفة الفحل ثمّ إلى علقةٍ فمضغةٍ ثمّ نفخ فيها الروح فصارت إنساناً بعد أن كانت جماداً لا روح فيها، ولقد أثنى الله تعالى على خلقه الذي أحسن صناعته على أتمّ وجه، والحقيقة أنّه إذا علم الإنسان أنّ الله تعالى قد خلقه بيديه جلّ شأنه، ثمّ نفخ فيه من روحه ثمّ أسجد الملائكة له، ثمّ خلق الجنّة والنّار؛ ليختار مصيره في الآخرة، فإنّ كلّ ذلك دالٌّ على أنّ غاية خلقه عظيمةٌ لها قدرٌ عند الله سبحانه، فلا يجوز أن يعيش دون اكتراثٍ واهتمامٍ بعد كلّ هذه الدلائل، بل عليه أن يجدّ ويسعى ليكون من الفائزين لجنة أعددت للمتقين خالدين فيها.
ختام
وبعد البحث عن أسباب خلق الله الانسان، على الانسان أن يكون حذرًا تجاه وجباته تجاه الله تعالى وأن ينفذ أوامر الله وأن لا يخطأ كما أخطأ آدم وحواء في عدم طاعة أوامره في الجنة. هذه من ناحية ومن ناحية أخرى لكي يعرف قيمة العيش في الجنة العالية. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة) رواه الترمذي. فالعاقل الفطن في هذه الدنيا الفانية والمرهقة لا يمكن أن يطلبها. فهي دار الفاسق والكافر والمنافقين والطغاة. وأكثر الذين آمنوا بالله تعالى، أمنوا به بعد السؤال والتفكير والتعقل عن حقيقة الله ثم عرفوا عظمته وعرفوا أنه مالك ملك السموات والأرض وما فيها وما عليها، وعرفوا أنهم لم يُخلقوا عبثًا، وأنه هناك الأخرة ويوم الحساب والجنة والنار، وعلموا انهم مسخرون لطاعته بأمر من الله تعالى ولا حول لهم ولا قوة الاّ بالله العظيم.
والله الموفق.

1042 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع