الرمان … فاكهة تجمع بين المتعة والفائدة

سعد عبد المجيد ابراهيم

الرمان … فاكهة تجمع بين المتعة والفائدة

مع أول زخات المطر التي تحمل معها بشائر الخير، تبدأ الفواكه الشتوية بالظهور بكثرة في الأسواق، وفي مقدمتها الرمان والبرتقال وسائر الحمضيات. ويُقال إن المطر يزيد هذه الفواكه حلاوة، فيما تكون في بداية موسمها أكثر وفرة، وأسعارها في متناول معظم الناس.

والرمان من الفواكه التي أحبها الناس، وأنا واحد من عشاقها؛ فقد اعتدت تناوله يومياً في موسمه، سواء بحباته الكاملة، بما تحتويه من ألياف غذائية، أم على هيئة عصير. حتى إنه يكاد لا يخلو منه بيتنا في هذه الأيام، إذ نقدمه لأنفسنا ولضيوفنا. ومن هنا، فكرت في أن أشارككم بعض المعلومات عن هذه الفاكهة الجميلة، ليس من باب الدعوة إلى تناولها فحسب، وإنما للتعرف إلى ما كشفه العلم الحديث عن خصائصها وفوائدها المحتملة.

فاكهة قديمة رافقت الإنسان

يُعدّ الرمان من أقدم الفواكه التي عرفها الإنسان، إذ عُرفت زراعته منذ آلاف السنين في مناطق واسعة من آسيا وحوض البحر المتوسط. وإلى جانب مذاقه اللذيذ، اكتسبت ثمرة الرمان وأغصان شجرته مكانة رمزية في تاريخ الشعوب وثقافاتها، فتجاوزت كونها مجرد فاكهة لتصبح رمزاً للحياة والوحدة والخصوبة.

وقد اتخذت مدينة غرناطة الأندلسية الرمان شعاراً يزيّن درعها ومعالمها، كما ارتبط اسمها تاريخياً باسم الرمان في اللغة الإسبانية، وأُدرجت صورته لاحقاً في شعار النبالة للمملكة الإسبانية، في إشارة إلى الإرث التاريخي للمدينة. وفي الثقافة الأرمنية، يحتل الرمان مكانة رمزية بارزة، إذ يظهر في الفنون والزخارف الشعبية تعبيراً عن الوحدة والترابط، وكأن حباته المتراصة تجسّد تماسك المجتمع.

كذلك احتل الرمان مكانة في الطب الشعبي القديم، حيث استُخدمت أجزاء مختلفة من شجرته، من القشور والأزهار إلى الأوراق والثمار، في أغراض علاجية متعددة. أما اليوم، فقد عاد الرمان ليحظى باهتمام الباحثين، بعد أن كشفت الدراسات الحديثة عن غناه بمركّبات نباتية طبيعية قد تكون لها تأثيرات إيجابية في صحة الإنسان.

لماذا يهتم العلماء بالرمان؟

يتميز الرمان باحتوائه على نسبة جيدة من المواد التي تُعرف باسم مضادات الأكسدة. وتساعد هذه المواد على الحد من تأثير الإجهاد التأكسدي، الذي يحدث عندما يختل التوازن بين الجزيئات المؤكسدة ومضادات الأكسدة في الجسم، وقد يرتبط مع مرور الوقت بالشيخوخة وبعض الأمراض المزمنة.

كما يحتوي الرمان على مركّبات نباتية أخرى تسهم في منحه لونه الأحمر المميز، وقد أظهرت بعض الدراسات أن لهذه المركّبات خصائص مضادة للالتهاب. وتتركز كميات من بعض هذه المواد في قشرة الرمان، التي لا تُؤكل عادة، لكنها أصبحت موضع اهتمام في كثير من الأبحاث العلمية.

ولعل أجمل ما في الأمر أن الرمان يجمع بين الطعم والفائدة؛ فهو ليس دواءً يُتناول على هيئة حبوب، وإنما فاكهة يمكن الاستمتاع بها ضمن نظام غذائي متوازن.

الرمان وصحة القلب

من أكثر المجالات التي حظيت باهتمام الباحثين علاقة الرمان بصحة القلب والأوعية الدموية. فقد أظهرت بعض الدراسات أن تناول عصير الرمان بانتظام قد يساعد على خفض ضغط الدم بدرجة محدودة لدى بعض الأشخاص، كما أشارت دراسات أخرى إلى احتمال مساهمته في الحد من بعض التغيرات المرتبطة بتصلّب الشرايين.

ويُعتقد أن مضادات الأكسدة الموجودة في الرمان قد تساعد على الحد من بعض عمليات الأكسدة التي تؤثر في الدهون الموجودة في الدم، وهو أمر له أهمية في صحة الأوعية الدموية. لكن من المهم التأكيد على أن الرمان ليس بديلاً عن أدوية ضغط الدم أو أدوية القلب، وإنما يمكن أن يكون جزءاً من نظام غذائي صحي إلى جانب العلاج الذي يصفه الطبيب.

وماذا عن سكر الدم؟

اهتم الباحثون أيضاً بدراسة علاقة الرمان بمستويات السكر في الدم. وتشير بعض الدراسات إلى أن تناول الرمان أو عصيره قد يؤدي إلى تحسّن محدود في بعض مؤشرات سكر الدم والإنسولين، لكن النتائج ليست متطابقة، ولا تزال الأدلة بحاجة إلى مزيد من التأكيد.

وتوجد أيضاً أبحاث مخبرية تشير إلى أن بعض مكوّنات الرمان، ولا سيما الموجودة في القشرة، قد تؤثر في بعض العمليات المرتبطة بتنظيم السكر في الجسم. غير أن هذه النتائج لا تكفي لإثبات فاعلية هذه المكوّنات علاجياً لدى الإنسان.

لذلك، لا ينبغي اعتبار الرمان علاجاً لمرض السكري. كما أن العصير يختلف عن تناول حبات الرمان الكاملة؛ فالحبات تحتوي على الألياف، في حين يسهل تناول كمية أكبر من السكر الطبيعي الموجود في العصير خلال وقت قصير. ولهذا، يُفضّل تناول الثمرة كاملة، مع مراعاة الكمية المناسبة للحالة الصحية ومستويات السكر في الدم.

الرمان والالتهابات

من الخصائص التي تجذب اهتمام العلماء أيضاً قدرة بعض مكوّنات الرمان على مقاومة الأكسدة والتأثير في العمليات الالتهابية. والالتهاب ليس دائماً أمراً سيئاً؛ فهو جزء من دفاع الجسم الطبيعي ضد العدوى والإصابات. لكن استمرار الالتهاب لفترات طويلة قد يرتبط بعدد من الأمراض المزمنة.

وتشير الدراسات إلى أن بعض المركّبات الطبيعية الموجودة في الرمان قد تساعد على الحد من بعض العمليات المرتبطة بالالتهاب والإجهاد التأكسدي. وربما يفسّر ذلك جانباً من الفوائد الصحية المحتملة التي ظهرت في الدراسات المختلفة، وإن كانت درجة الاستفادة منها لدى الإنسان لا تزال بحاجة إلى مزيد من البحث.

هل يمكن أن يحمي من السرطان؟

هنا ينبغي أن نكون أكثر حذراً. فقد أظهرت تجارب مخبرية ودراسات أُجريت على الحيوانات أن بعض مكوّنات الرمان قد تؤثر في نمو بعض الخلايا السرطانية، كما ظهرت نتائج أولية تستحق الاهتمام في أبحاث تناولت أنواعاً معينة من السرطان.

لكن الانتقال من نتائج المختبر إلى القول إن الرمان يمنع السرطان أو يعالجه أمر غير صحيح علمياً في الوقت الحاضر. فما زالت هناك حاجة إلى دراسات سريرية واسعة لمعرفة مدى إمكانية الاستفادة من هذه الخصائص لدى الإنسان.

وينطبق الأمر نفسه على بعض الأبحاث المتعلقة بأمراض عصبية مثل الزهايمر وباركنسون؛ فالنتائج الأولية مثيرة للاهتمام، لكنها لا تزال بحاجة إلى أدلة أقوى قبل استخلاص استنتاجات مؤكدة بشأن الوقاية من هذه الأمراض أو علاجها.

هل نحتاج إلى كمية محددة؟

استخدمت الدراسات العلمية كميات مختلفة من الرمان وعصيره، وتفاوتت الكميات المستخدمة بحسب طبيعة الدراسة وأهدافها. لذلك، لا توجد كمية علاجية محددة يمكن التوصية بها للجميع، كما لا توجد جرعة واحدة تناسب مختلف الأعمار والحالات الصحية.

والأفضل، في رأيي، أن يكون الرمان جزءاً من الغذاء المتوازن، وأن نتناوله كما نتناول سائر الفواكه، من دون أن نحوّله إلى «دواء» أو نبالغ في توقع فوائده. كما ينبغي لمن يعانون أمراضاً مزمنة، ولا سيما السكري، مراعاة الكمية التي يتناولونها، وعدم إجراء أي تغيير في أدويتهم اعتماداً على فوائد الرمان المحتملة.

فاكهة جميلة… وعلم يستحق التأمل

الرمان مثال جميل على العلاقة بين الغذاء والصحة. فقد عرفه الإنسان منذ آلاف السنين واستمتع بطعمه وشكله، ثم جاء العلم الحديث ليكشف شيئاً من الخصائص الكامنة في هذه الثمرة ذات الحبات الحمراء.وتشير الأدلة العلمية الحالية إلى أن الرمان قد يساعد في دعم صحة القلب، والمساهمة في تحسين بعض مؤشرات ضغط الدم، وربما التأثير إيجابياً في بعض العمليات المرتبطة بسكر الدم والإجهاد التأكسدي والالتهاب. أما فوائده المحتملة في الوقاية من السرطان وبعض الأمراض العصبية، فما زالت موضوعاً للبحث والدراسة.

وهكذا يبقى الرمان، قبل كل شيء، فاكهة لذيذة ومغذية، وقد تكون لها فوائد صحية إضافية. وفي زمن نبحث فيه كثيراً عن الأدوية والمكمّلات، ربما يكون من المفيد أن نتذكر أن الغذاء المتوازن يشكّل أحد أسس المحافظة على الصحة.

والرمان، هذه الفاكهة التي تزيّن موائد الشتاء بحباتها الحمراء التي تشبه الجواهر، يقدّم لنا مثالاً جميلاً على أن الطبيعة كثيراً ما تجمع بين الجمال والطعم والفائدة.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

840 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع