
بقلم: الأستاذ الدكتور عبدالسلام سبع الطائي
من جيب المواطن إلى خزينة الدولة: من يدفع ثمن رفع الدولار في العراق؟
- الدولار يرتفع... والمواطن يدفع الثمن!
-إغناء الأغنياء وإفقار الفقراء... من المستفيد؟
- إنقاذ الموازنة أم تهديد الأمن الاقتصادي والاجتماعي؟
-هل يصبح الدولار وقوداً لغضب شعبي جديد؟
-رفع الدولار وصرف الأنظار عن ملف حلّ الميليشيات وحصر السلاح بيد الدولة!
- الدولة التي تحمي عملتها... ألا ينبغي أن تحمي مواطنيها؟
ليس أخطر ما في ارتفاع سعر الدولار مقابل الدينار العراقي أن تتغير الأرقام على شاشات المصارف ومكاتب الصيرفة، بل أن تنتقل تداعياته إلى موائد الفقراء، ورواتب الموظفين والمتقاعدين، ومستقبل الشباب، وأمن الأسرة العراقية واستقرارها.
فالدولار ليس مجرد عملة أجنبية في اقتصاد ريعي يعتمد على الإيرادات النفطية والاستيراد، وإنما يمثل متغيراً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً قد يعيد توزيع الثروة والأعباء بين الدولة والمواطن، وبين الأغنياء والفقراء.
ومن هنا يبرز السؤال: هل يجوز معالجة الاختلالات المالية للدولة على حساب الأمن الاقتصادي والاجتماعي للمواطن؟ وأين البدائل التي تحمي المجتمع من دفع فاتورة السياسات الاقتصادية؟
أولا: هل تُنقَذ الموازنة بإفقار المواطن وإثراء تجار الحروب؟
إن اللجوء إلى رفع سعر الدولار مقابل الدينار العراقي لمعالجة عجز الموازنة العامة قد يمنح الدولة، التي تتلقى جانباً كبيراً من إيراداتها النفطية بالدولار، موارد إضافية مقوّمة بالدينار دون زيادة حقيقية في الإنتاج أو الثروة الوطنية. غير أن هذه المعالجة قد تنقل جزءاً من أعباء الأزمة المالية إلى المواطن، من خلال ارتفاع تكاليف الاستيراد والأسعار وتآكل القوة الشرائية للرواتب والأجور والمدخرات، فتتحسن الأرقام المحاسبية للموازنة بينما تتراجع مستويات المعيشة ويتسع التفاوت الطبقي.
والأخطر أن اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي للدولار قد يخلق فرصاً للمضاربة وتحقيق أرباح استثنائية لبعض شبكات المصالح المالية، بما فيها المكاتب الاقتصادية المرتبطة بالميليشيات وتجار الحروب. وهنا تبرز المفارقة الاجتماعية والسياسية: قد تتحول سياسة إنقاذ الموازنة إلى وسيلة لإفقار الفقراء وإثراء المستفيدين من الأزمات، بدلاً من معالجة الفساد والهدر المالي وتنمية الاقتصاد الوطني.
وإذا كان إنقاذ الموازنة العامة يتطلب إفقار المواطن، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس كيف نرفع سعر الدولار، بل كيف نصلح الاقتصاد دون أن ندفع المجتمع إلى دفع ثمن إخفاقات الدولة، بينما تتراكم الأرباح المحتملة لدى شبكات المضاربة وتجار الحروب؟
فانخفاض قيمة الدينار يمكن معالجته بسياسات اقتصادية رشيدة، أما الثقة المفقودة بين المواطن والدولة، فقد يستغرق ترميمها أجيالاً.
ثانيا: عندما ينخفض الدينار... من يدفع الثمن؟
إن رفع سعر الدولار مقابل الدينار، بقرار رسمي ، قد يؤدي إلى زيادة كلفة السلع المستوردة وانتقال جزء من هذه الزيادة إلى الأسعار المحلية.
وتتفاوت الآثار بحسب طبيعة السلع، ومصادر تمويل الاستيراد، لكنها تصبح أكثر إيلاماً حين تصيب الغذاء والدواء والسكن والخدمات الأساسية.
ومن منظور علم الاجتماع الاقتصادي، لا تتوزع هذه الأعباء بالتساوي بين الطبقات الاجتماعية.
فالفقراء وذوو الدخل المحدود يخصصون نسبة كبيرة من دخولهم لتأمين الاحتياجات الأساسية، ولذلك يكونون أشد تعرضاً لتدهور القوة الشرائية. أما الموظفون والمتقاعدون، فإن ثبات رواتبهم في مواجهة ارتفاع الأسعار يعني انخفاض قيمتها الحقيقية، حتى إن بقيت أرقامها النقدية دون تغيير.
وتجد الطبقة الوسطى نفسها أمام خيارات اجتماعية صعبة: تقليص الإنفاق على التعليم والعلاج، أو استنزاف المدخرات، أو الاستدانة للمحافظة على مستوى معيشي اعتادت عليه.
وهنا تتجسد إحدى المفارقات الاجتماعية الخطيرة: قد يتحول القرار النقدي إلى آلية تزيد قدرة الميسورين على حماية ثرواتهم، بينما تتآكل دخول الفئات الأقل قدرة على مواجهة الأزمات.
ثالثاً: من الأزمة الاقتصادية إلى أزمة الأمن الاجتماعي
لا تقف تداعيات ارتفاع الدولار عند حدود السوق، بل تمتد إلى العلاقات الاجتماعية والنفسية والأسرية.
فارتفاع تكاليف المعيشة قد يؤدي إلى تراكم الديون، وتأجيل الزواج، وإضعاف فرص الشباب في الاستقلال الاقتصادي، وتراجع القدرة على تحمل نفقات التعليم والرعاية الصحية.
ومن منظور علم الاجتماع السياسي والاقتصادي فان الأمن الاقتصادي ليس مسألة رواتب وأسعار فحسب، بل هو أحد الأسس التي يقوم عليها الأمن الاجتماعي والاستقرار السياسي.
وكلما ضعفت قدرة الأسرة على تأمين احتياجاتها الأساسية، اتسعت احتمالات انتقال الأزمة من الاقتصاد إلى المجتمع، ومن المجتمع إلى العلاقة بين المواطن والدولة.
رابعاً: هل يصبح الدولار وقوداً لغضب شعبي جديد؟
تستدعي التجربة العراقية التعامل بحذر مع العلاقة بين الأزمات المعيشية والاحتجاجات الشعبية.
لقد كشفت انتفاضة تشرين عن أهمية مطالب العدالة والكرامة وفرص العمل ومكافحة الفساد في تشكيل الاحتجاج الاجتماعي والسياسي.
غير أن تجاهل التداعيات الاجتماعية للسياسات النقدية قد يضيف أسباباً جديدة إلى تراكم المظالم الاقتصادية والسياسية.
والعراق الذي دفع أبناؤه أثماناً بشرية جسيمة خلال موجات الاحتجاج السابقة يحتاج إلى حماية الحق في الاحتجاج السلمي، وإلى ضمانات قانونية ومؤسسية إقليمية ودولية تمنع تكرار العنف والانتهاكات بحق المتظاهرين.
فالاستقرار الحقيقي لا يتحقق بإسكات المطالب الاجتماعية، وإنما بمعالجة أسبابها، واحترام القانون، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع.
خامساً: رفع الدولار لصرف الأنظار عن ملف حلّ الميليشيات وحصر السلاح بيد الدولة!
ان التزامن بين إثارة قضية رفع سعر الدولار وتصاعد النقاش السياسي والأمني حول ملف حلّ الميليشيات وحصر السلاح بيد الدولة يثير الشكوك والتساؤلات المشروعة بشأن احتمال توظيف الملف الاقتصادي لصرف أنظار المواطنين والرأي العام عن هذا الاستحقاق الوطني الحساس. كما يستدعي التساؤل عن الجهات المستفيدة من تحويل الاهتمام الشعبي والإعلامي من قضية السلاح خارج سلطة الدولة إلى أزمة الدولار وتداعياتها المعيشية، وضرورة الكشف عن المستفيدين ممن نهب مليارات المال العام من قبل كبار مسؤولي الحكومة ومن المكاتب الاقتصادية المرتبطة بالميليشيات، ، وهذا يتطلب التحقق من طبيعة أنشطتها ومصادر أرباحها وعلاقتها بسوق العملة، مقابل ما يتحمله المواطنون، ولا سيما الفقراء ومحدودو الدخل، من أعباء اقتصادية واجتماعية متزايدة.
فهل نحن أمام مجرد مصادفة سياسية، أم محاولة لإعادة ترتيب أولويات الرأي العام وصرف الأنظار عن ملف حصر السلاح بيد الدولة؟ ومن المستفيد الحقيقي من اضطراب سوق الدولار، ومن يدفع الثمن؟.
خامساً: هل التخريب الاقتصادي جريمة بحق المجتمع والدولة؟
إن الإضرار المتعمد بالاقتصاد الوطني، متى اقترن بأفعال مجرّمة قانوناً وثبتت عناصرها، يمكن أن يثير مسؤوليات جنائية جسيمة، فضلاً عن المسؤولية السياسية والإدارية.
لكن من الضروري التمييز بين قرار اقتصادي قابل للنقد ، وبين جريمة اقتصادية فيها نصاً قانونياً محدداً وأدلة على الأركان المادية والمعنوية للفعل.
كما أن الصفة الرسمية لصاحب القرار لا ينبغي أن تحول دون المساءلة عن أي فساد أو استغلال للسلطة تثبته الجهات القضائية المختص، بعد ثبوت استقلالها.
سادساً: أليست هناك بدائل عن تحميل المواطن كلفة الأزمة؟
هذا هو السؤال المركزي الذي ينبغي أن يسبق أي توجه نحو خفض قيمة الدينار.
فالعراق لا يفتقر إلى البدائل الاقتصادية بقدر ما يحتاج إلى إرادة مؤسسية لتنفيذ إصلاحات متكاملة وعادلة.
وتبدأ الإجراءات العاجلة بحماية السلة الغذائية والدوائية، وتعزيز البطاقة التموينية، ومراقبة الاحتكار والتلاعب بالأسعار، وتقديم مساعدات موجهة إلى الأسر الأشد تضرراً.
أما على المدى المتوسط، فتبرز ضرورة ضبط الإنفاق الحكومي غير الضروري، ومكافحة الفساد والهدر، وإصلاح النظام المصرفي والتحويلات التجارية، وتطوير الإيرادات الضريبية والجمركية دون تحميل الفقراء أعباء غير متناسبة.
وعلى المدى الاستراتيجي، لا بد من تنشيط الصناعة والزراعة، وتحسين الكهرباء والبنية التحتية، وتوسيع فرص العمل المنتج، وتنويع الإيرادات غير النفطية، وتقليل الاعتماد المفرط على الاستيراد.
وقد دعا صندوق النقد الدولي في تقييمه للاقتصاد العراقي عام 2025 إلى إصلاح المالية العامة، وتعزيز الإيرادات غير النفطية، وتطوير القطاع المصرفي، وحماية الاستثمارات الأساسية، مع مراعاة الفئات الضعيفة.
لكن نجاح الإصلاحات لا يقاس فقط بانخفاض العجز المالي أو استقرار المؤشرات النقدية، بل أيضاً بقدرتها على حماية الأجور الحقيقية، وتقليل الفقر والبطالة، وتحسين الخدمات، وتوزيع الأعباء بعدالة.
فما قيمة نجاح السياسة النقدية إذا تحقق على الورق، بينما تتراجع قدرة المواطن على العيش الكريم؟
مسك الختام: الدولة التي تحمي عملتها يجب أن تحمي مواطنيها
إن رفع سعر الدولار في الاقتصاد الريعي لا يمثل مجرد إجراء نقدي لتعديل سعر الصرف، بل قد يتحول إلى آلية لإعادة توزيع الأعباء الاقتصادية والاجتماعية بين الدولة والمواطن، وبين الطبقات القادرة على حماية مصالحها والفئات التي لا تمتلك سوى رواتبها ومدخراتها المحدودة.
وإذا كانت الحكومة ترى في تعديل سعر الصرف ضرورة اقتصادية، فإن مسؤوليتها لا تقتصر على تبرير القرار مالياً، بل تمتد إلى بيان آثاره الاجتماعية، والكشف عن المستفيدين من المكاتب الاقتصادية للميليشيات والمتضررين المواطنين ، وتقديم بدائل وتعويضات عادلة، وإخضاع السياسة العامة للمساءلة.
فالدولة لا تقاس قوتها بما تجمعه من إيرادات فقط، وإنما بقدرتها على حماية المجتمع من الفقر والإقصاء وفقدان الثقة.

586 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع