
جليل إبراهيم المندلاوي
ثمن الرصاصة
"حين يصبح الجنون هو الاسم الذي يطلقه العالم على من رأى الحقيقة، فلا يعود السؤال: من المجنون؟ بل: من الذي بقي يصدق الوهم؟"
كانت المركبة القديمة تشق طريقها بين شوارع بغداد ببطء. كلما توقفت عند ازدحام أو حفرة، أصدر هيكلها المعدني أنينًا خافتًا، ثم عادت إلى الحركة كأنها تجر خلفها عمرًا كاملًا من التعب.
جلس الرجل قرب النافذة، واضعًا كفيه فوق ركبتيه. لم يكن ينظر إلى شيء بعينه، لكن عينيه بقيتا معلقتين بالخارج، حيث كانت المدينة تمضي في نهارها كالمعتاد... باعة ينادون على بضاعتهم، عمال يركضون، طلاب يطاردون حافلاتهم، امرأة تشد طفلها من يده كي يعبر الشارع، ورجل يحمل رغيفين ساخنين تحت إبطه.
كانت الوجوه جميعها تحمل استعجالًا غريبًا، كأن الزمن وعدهم بشيء إن هم سبقوا إليه... فتساءل في نفسه: كيف يستطيع الناس أن يركضوا بكل هذا اليقين فوق أرضٍ لم تجفّ بعد من دموعها؟
لم يعد يحسد أحدًا على أحلامه؛ فمنذ زمن بعيد، أدرك أن الناس يطاردون سرابًا يسمونه حياة، بينما الحقيقة تسير صامتة في الاتجاه المعاكس. لذلك لم يكن يضحك منهم احتقارًا، بل أسفًا؛ فالإنسان لا يستهزئ بمن يسير نحو الهاوية وهو يظنها باب النجاة.
كانت الحياة تمضي كما لو أنها لم تعرف الفقد يومًا. وكان كل شيء يحمل ملامح زمنٍ واحد: الصور الكبيرة التي تراقب المدينة من واجهات الدوائر والمدارس، الوجوه التي تتجنب رفع أبصارها إليها، والأحاديث التي تنخفض فجأة كلما اقترب غريب. فقد اعتادت المدينة أن تعيش تحت عينٍ لا تنام، حتى صار الناس يزنون كلماتهم كما يزنون أرغفة الخبز، ويعرفون أن خطأً صغيرًا، أو حركةً عابرة، قد تتحول إلى تهمة.
رفع الرجل يده إلى جيبه، وتحسس شيئًا صغيرًا في داخله، ثم أعادها ببطء. بدا وكأن أحدًا لم ينتبه إلى تلك الحركة.
في المقعد المقابل جلس ثلاثة رجال: أحدهم بدين يلهث كلما اهتزت المركبة، والثاني طويل الوجه، أما الثالث فكان يكتفي بالنظر إليه بين حين وآخر، ثم يصرف بصره سريعًا. لم يتبادلوا معه كلمة واحدة، وكان الصمت بينه وبينهم يملأ المكان أكثر من ضجيج المحرك، حتى خُيّل إليه أن الصمت نفسه صار أثقل من الهواء.
أما هم، فكانوا يتبادلون نظرات سريعة، ويهمسون فيما بينهم حتى لا يكاد يُسمع لهم شيء. وفجأة، رفع أحدهم يده بمحاذاة رأسه، وجعل أصابعه تضم وتفتح كمن يدير مفتاح مذياع قديم. راقبه الرجل لحظة، ثم صرف نظره؛ لم يعد واثقًا إن كانت الحركة قد حدثت فعلًا، أم أن ذهنه المتعب هو الذي جعلها تبدو بتلك الغرابة.
توقفت المركبة عند إشارة المرور. اقترب بائع سجائر من النافذة، رفع علبته الكرتونية وسأل السائق إن كان يريد شيئًا. هز السائق رأسه، فانصرف الصبي إلى سيارة أخرى. ظل الرجل يتابع خطواته حتى اختفى، وهمس لنفسه:
— ما زالوا يركضون...
لم يسمعه أحد. التفت البدين نحوه لحظة، ثم تبادل نظرة سريعة مع رفيقيه. أخرج الثالث منديلًا ومسح جبينه، ثم رفع يده إلى أذنه بحركة عفوية، كأنه يطمئن إلى شيء مخفي هناك.
راقبهم الرجل دون اهتمام. لم يعد يحاول تفسير الكلمات التي يتبادلونها، فمنذ زمن طويل فقد ثقته باللغة، وصار يرى أن الوجوه تقول ما تعجز الألسن عن إخفائه. كان يدرك نبرة الخوف، وحركة الأيدي، وانقباض الملامح، لكنه لم يعد يبحث عن المعاني خلف الكلمات. أحيانًا كان يشعر أن العالم كله تعلم لغة جديدة في غفلة منه، وأحيانًا كان يظن أنه هو من اختار الصمت وابتعد عن لغتهم.
كانت أصواتهم تمر أمامه كأنها تأتي من مكان بعيد، لا يلتقط منها سوى النبرات والإيقاع، أما الوجوه فكانت أكثر صدقًا من الكلام. ومن تلك الوجوه وحدها عرف أن الرجال الثلاثة يخشونه. ابتسم؛ لم تكن ابتسامة سخرية ولا رضا، بل ابتسامة رجل أنهكه التعب، حتى صار كل شيء يمر أمامه بالسرعة نفسها.
سارت المركبة من جديد. بدأت المباني تتباعد، وحلت محلها أسوار عالية تتخللها أشجار سرو قديمة. خفض السائق السرعة، وانفتح باب حديدي ثقيل. دخلت المركبة إلى ساحة واسعة، ثم توقفت.
ظل الرجل جالسًا، أما الرجال الثلاثة فنزلوا أولًا. فتح أحدهم الباب وقال بهدوء:
— انزل.
رفع الرجل رأسه إليه، نظر إلى المبنى الأبيض أمامه، ثم نزل دون مقاومة. لم يكن يعرف إلى أين جاؤوا به، لكنه شعر — للمرة الأولى منذ سنوات — أن الطريق لم ينتهِ بعد.
لم يكن يعرف كم مضى عليه في المكان الجديد. الأيام هنا لا تشبه الأيام في الخارج؛ فلا شمس واضحة تعرف منها أن الصباح قد جاء، ولا ضجيج شارع يذكّرك بأن العالم مستمر. كانت الممرات متشابهة، والأبواب متشابهة، والوجوه تأتي وتذهب دون أن تترك أثرًا.
جلس في زاوية الغرفة يراقب المرضى الآخرين: رجل يتحدث إلى كرسي فارغ كأنه ينتظر منه جوابًا... امرأة ترتب قطع الورق فوق بعضها ثم تعيد ترتيبها من جديد... وشاب يقف عند النافذة منذ الصباح، يرفع يده أحيانًا كأنه يلوّح لشخص لا يراه أحد.
لم يشعر بالغربة بينهم؛ الغريبون كانوا في الخارج... هكذا كان يفكر أحيانًا، ثم يخاف من فكرته نفسها.
في ذلك اليوم، مر طفل صغير مع أحد العاملين في الحديقة الداخلية للمستشفى. كان يحمل حذاءً بيده، يضرب به الأرض وهو يمشي. توقف الرجل؛ لم يعد يرى الحديقة، عاد إلى الزقاق القديم، إلى البيت، إلى اليوم الذي بدأ فيه كل شيء.
لم يكن الرجل يومها كما صار الآن. كان الناس في الحي يعرفونه رجلًا هادئًا، قليل الكلام، لكنه حاضر في كل مناسبة. كان كورديًا فيليًا، ينتمي إلى عائلة عاشت في بغداد منذ سنوات طويلة، حتى أصبحت أزقتها وبيوتها جزءًا من ذاكرته، كما بقيت في داخله ذاكرة أقدم، تحمل أسماء الآباء والأجداد، وأماكن لم يعد يعرف إن كانت موجودة أم بقيت فقط في الحكايات.
كان يعمل طوال النهار ليعود مساءً إلى بيته محملًا بالتعب وبعض الأشياء الصغيرة التي يفرح بها أطفاله. لم يكن يملك الكثير، لكنه كان يعتقد أن البيت الصغير يمكن أن يكون عالمًا كاملًا إذا امتلأ بالضحكات. كان يخاف على ابنه أكثر مما يخاف على نفسه، ويرى فيه مستقبلًا أجمل من ذلك الذي عاشه.
لم يكن الرجل يجهل معنى أن يصبح الاسم عبئًا على صاحبه. وقد عرف منذ صغره أن بعض الناس لا ينظرون إلى الإنسان كما هو، بل إلى الاسم الذي يحمله، وإلى الورقة التي تثبت من يكون، وإلى المكان الذي وُلد فيه أبوه قبل أن يولد هو.
لكن تلك المعرفة القديمة لم تكن شيئًا يفكر فيه كثيرًا. كان قد تعلّم أن يعيش مثل الآخرين، أن يعمل، وأن يعود إلى بيته، وأن يربي أبناءه، وأن يمر في الشوارع دون أن يلفت الانتباه. كان يظن أن الإنسان يستطيع أن ينجو إذا عاش بهدوء ولم يطلب أكثر من حقه في أن يكون إنسانًا.
ثم اكتشف أن الهدوء لا يحمي أحدًا، وأن الاسم الذي يحمله الإنسان قد يصبح في لحظة ما تهمة، وأن الطفل الذي يرمي حذاءً في زقاق يمكن أن يتحول، في عيون من يملكون السلطة، إلى سبب كافٍ لمحو عائلة كاملة من حياتها.
لهذا، حين قالوا عنه لاحقًا إنه فقد عقله، لم يكن أحد يسأل عن الأشياء التي سبقت ذلك الجنون؛ لم يسألوا عن ابنه، ولا عن الرصاصة، ولا عن البيت الذي دخلته الأقدام ذات يوم دون استئذان، ولا عن ذلك الرجل الذي تعلّم طوال حياته أن يخاف من ورقة أكثر مما يخاف من الرصاصة.
كان ابنه طفلًا هادئًا، لكنه سريع الغضب مثل كل الأطفال. لم يكن يحب أن يخسر في اللعب، وكان يعتقد أن العالم كله يمكن إصلاحه إذا أصر بما يكفي. في ذلك العصر، كان يلعب مع أبناء الجيران أمام البيت. لم يكن هناك شيء غير عادي: صوت الأطفال، ضحكات متقطعة، نساء يتحدثن من خلف الأبواب، ورائحة الطعام تخرج من النوافذ.
ثم حدث الشجار. لم يتذكر الرجل سبب الخلاف بالضبط، ربما كان حول لعبة، أو كلمة قالها أحدهم، أو مجرد غضب عابر من تلك الغضبات التي تنتهي عند الأطفال قبل أن تبدأ. لكن ابنه كان يحمل في يده حذاءً قديمًا رماه باتجاه صديقه. انحرف الحذاء عن مساره، اصطدم بالجدار، ثم سقط.
لم يكن أحد ليهتم بالأمر لو لم يكن الجدار يحمل صورة كبيرة معلقة بعناية: صورة الرئيس.
في البداية، ضحك الأطفال، ثم صمتوا. كان الصمت هو الشيء الوحيد الذي فهمه الكبار. دخل الرجل إلى الزقاق عندما سمع الهمسات، ورأى ابنه واقفًا أمام الصورة، لا يفهم لماذا تغيرت الوجوه فجأة. اقترب منه وقال:
— ماذا فعلت؟
نظر الطفل إليه باستغراب:
— لم أفعل شيئًا يا أبي.
كانت تلك الجملة هي أكثر ما بقي في ذاكرته. لم يكن الطفل يعرف، وهذا بالضبط ما جعله يشعر بالخوف.
في تلك الليلة، لم ينم الرجل. جلس قرب النافذة ينظر إلى الشارع؛ كان ينتظر شيئًا لا يعرفه. وعندما توقفت السيارة أمام البيت في اليوم التالي، عرف أنه كان ينتظرهم.
فتح الرجل عينيه في المستشفى. كان الطفل في الحديقة قد اختفى، وظل ينظر إلى المكان الذي كان يقف فيه. اقترب منه أحد العاملين وسأله:
— هل أنت بخير؟
نظر إليه طويلًا ثم قال:
— كان يحمل حذاء.
لم يفهم العامل قصده، فابتعد عنه وهو يهز رأسه. عاد الرجل إلى جيبه وتحسس الرصاصة. للمرة الأولى منذ دخوله المكان، شعر بالخوف... ليس من المستشفى، ولا من الرجال الذين نقلوه، بل من أن يأتي يوم لا يتذكر فيه لماذا يحتفظ بها.
أمسكها بقوة وأغمض عينيه. كان يعرف أن ذاكرته بدأت تأخذه إلى المكان الذي هرب منه طوال سنوات... المكان الذي لم تنتهِ فيه القصة بعد.
في الأيام الأولى بعد الحادثة، كان الرجل يعتقد أن ما حدث يمكن أن يكون سوء فهم. كان العقل يبحث دائمًا عن مخرج، حتى في أكثر اللحظات قسوة. أقنع نفسه بأنهم سيأتون ليسألوه فقط، سيأخذون أقواله، وسيفهمون أن الطفل لم يقصد شيئًا. كان هذا الوهم هو الشيء الوحيد الذي يبقيه قادرًا على التنفس.
لكن عندما توقفت السيارة أمام البيت، لم يبقَ مجال للأمل. لم يسمع صوت المحرك بقدر ما سمع وقع الأقدام وهي تقترب. ثلاثة رجال نزلوا من السيارة. لم يكونوا غاضبين، وهذا ما أخافه أكثر؛ فالغضب يعني أن الإنسان ما زال يشعر بشيء، أما البرود فكان يعني أن الأمر انتهى قبل أن يبدأ.
دخلوا البيت دون استئذان.
كانت زوجته تحمل طفلها الصغير بين ذراعيها، أما ابنه فكان يقف قرب الجدار، ينظر إلى الرجال بثبات لا يناسب عمره. اقترب أحدهم منه وسأله:
— أنت ابن فلان؟
لم يجب الطفل، بل نظر إلى أبيه، كأنه ينتظر منه أن يشرح له ما يحدث. تقدم الرجل خطوة إلى الأمام وقال:
— إنه طفل.
رفع الضابط عينيه إليه. لم يكن في وجهه غضب؛ قال فقط:
— نحن نعرف.
كانت تلك الكلمة أكثر قسوة من أي تهديد، لأنها تعني أنهم يعرفون كل شيء ومع ذلك جاؤوا.
أخرجوا الأب من البيت. لم يأخذوه بعيدًا؛ أرادوا منه أن يرى... كان هذا جزءًا من العقاب.
وقف في الزقاق بين جدران البيوت التي شهدت لعب الأطفال قبل ساعات فقط. الجيران أغلقوا أبوابهم، والنوافذ أُسدلت؛ لم يكن أحد يريد أن يرى، أو ربما كان الجميع يريدون، لكنهم خافوا.
قال الضابط بهدوء:
— هناك مشكلة.
ظل الرجل صامتًا. أشار الضابط إلى أحد الجنود، فأخرج الجندي ورقة صغيرة ثم قال:
— هناك إجراء يجب إتمامه.
لم يفهم الأب، نظر إليهم واحدًا واحدًا، ثم سأل:
— ماذا تريدون؟
لم يجبه أحد. أخرج الضابط علبة صغيرة، فتحها، وأخرج منها رصاصة ووضعها في يد الرجل. كانت باردة، صغيرة، لا تشبه شيئًا يمكن أن يغير حياة إنسان. ثم قال ببرود قاتل:
— ثمن هذه الرصاصة تدفعه أنت.
نظر الرجل إلى الرصاصة ثم إلى الضابط:
— ماذا؟
ابتسم الضابط ابتسامة خفيفة لا تحمل معنى، وقال:
— هذه ليست رصاصة للبيع... هذا هو الثمن الذي ستدفعه لتعرف قيمتها.
لم يتحرك. قال الضابط بنبرة خالية من الانفعال:
— لا تجعل الأمر أصعب.
ظل الأب يحدق فيها غير مصدق. قطعة صغيرة من المعدن والبارود... كيف يمكن أن يكون لها ثمن، بينما لا يكون لابنه ثمن؟
لم يعرف لماذا أطاع؛ ربما لأن الخوف أقوى من السؤال، أو لأن الإنسان في بعض اللحظات يفعل أي شيء فقط ليؤجل النهاية. أخرج ما في جيبه من نقود بيد مرتجفة، ووضعها مع الرصاصة في يد الضابط. أخذها الضابط، نظر إليها لحظة، ثم قال:
— أحسنت.
ثم أعاد الرصاصة إليه وقال:
— احتفظ بها... لتتذكر.
في تلك اللحظة، شعر الأب بشيء غريب. أصبحت الرصاصة رسالة، رسالة تقول إن حياة ابنه لم تعد حياة، بل شيئًا له ثمن... شيئًا يمكن لرجل فقير أن يحمله في يده ثم يعود به إلى الذين أخذوا منه كل شيء.
أشار الضابط إلى جنوده. تقدموا نحو الطفل وأمسكوا به من ذراعه. لم يفهم الصغير ما يحدث، ولم يقاوم، فقط التفت إلى أبيه بعينين تبحثان عن تفسير. حاول الرجل أن يتحرك نحوه، لكن يدًا قوية أوقفته.
اقتادوا الطفل بعيدًا عن الزقاق. لم يقولوا إلى أين يأخذونه، ولم يتركوا خلفهم سوى باب السيارة وهو يغلق، وصوت خطوات تبتعد. ظل الأب واقفًا يراقب ابنه حتى اختفى عن عينيه. في تلك اللحظة، شعر أن شيئًا منه خرج معه ولم يعد.
في الأيام التي تلت، عاش بين الأمل والخوف. ذهب من باب إلى باب، سأل عنه في كل مكان، بحث في السجون والمراكز، ووقف أمام رجال يحملون الإجابات في عيونهم ويرفضون نطقها. كانوا يقولون: «لا نعرف»... أو يصمتون. وكان الصمت أحيانًا أكثر قسوة من الاعتراف.
مرت أيام ثقيلة، ثم جاءه الخبر بطريقة لم تشبه الأخبار: لم يستدعوه، لم يطلبوا منه الحضور، ولم يمنحوه حتى فرصة الوداع. عرف فقط أن الحكم قد نُفذ، وأن ابنه لم يعد موجودًا في المكان الذي أخذوه إليه.
لم يعطوه جثمانه، لم يسمحوا له أن يدفنه، أن يلمس وجهه للمرة الأخيرة، أو أن يضع فوق قبره شيئًا يثبت أنه كان هنا. اختفى الطفل كما اختفت أسماء كثيرة قبله، وبقي الأب مع فراغ لا يعرف أين يضعه.
وفي الليلة التي عاد فيها إلى بيته، فتح كفه فرأى الرصاصة التي أعادها له الضابط. كانت باردة كما كانت في المرة الأولى، لكنها لم تعد مجرد قطعة معدن... كانت الشاهد الوحيد على أن حياة ابنه كانت لها لحظة، ومكان، ويد قررت نهايتها.
كانوا يريدونه أن يفهم أن حياة ابنه أصبحت شيئًا له ثمن، شيئًا يمكن أن يُشترى بثمن رصاصة، ثم يُمحى من الوجود كأنه لم يكن.
ومنذ ذلك اليوم، لم يحمل الرصاصة انتظارًا للانتقام، بل حملها لأنه لم يبقَ له غيرها. كانوا قد أخذوا ابنه، وأخفوا جثمانه، وحاولوا أن يسرقوا حتى حقه في الحزن، لكنهم تركوا له تلك القطعة الصغيرة من المعدن، دون أن يدركوا أنها ستبقى شاهدًا عليهم.
في تلك الليلة، جلس الرجل قرب جدار البيت حتى الصباح. لم تبكِ زوجته ولم تصرخ؛ كانت تجلس في الداخل كأنها تنتظر أن يُفتح الباب ويدخل الطفل كما خرج. أما هو، فكان يفتح كفه وينظر إلى الرصاصة.
حاول التخلص منها؛ رماها في النهر، ثم وجدها في جيبه. دفنها، ثم استيقظ ليجدها فوق الطاولة. لم يكن يعرف إن كان يعيدها بيده أم أن يده صارت تعرف طريقها إليها دون أمر منه.
منذ ذلك اليوم، لم يعد يحتفظ بصورة ابنه... كان يحتفظ بالرصاصة. يقلبها بين أصابعه ساعات طويلة، ويهمس لها كأنها الشاهد الأخير على جريمة لا يريد العالم الاعتراف بها.
كلما سأله أحد:
— ماذا تحمل؟
قال:
— ثمن الحرية.
فيضج الناس بالضحك. أما هو، فلم يكن يضحك؛ كان يعرف أن تلك الرصاصة لم تقتل طفله وحده، بل قتلت اللغة التي كان يتفاهم بها مع العالم.
مع الوقت، بدأ الناس يقولون إنه تغير: صار قليل الكلام، يجلس وحده، يحدث نفسه، ويخرج الرصاصة وينظر إليها طويلًا. كانوا يقولون: «فقد عقله».
كانوا يقولون إن ما يحمله في جيبه لم يكن إلا دليلًا آخر على جنونه، ولم يعرفوا أنه كان يحمل الشيء الوحيد الذي أبقاه متصلًا بالعالم. ولم يكن يرد لأنه كان يعرف أن هناك أشياء، إذا عرفها الإنسان، يصبح من الصعب عليه أن يتصرف كأن شيئًا لم يحدث.
وفي المستشفى، فتح عينيه. كان لا يزال ممسكًا بالرصاصة. جلس أحد العاملين إلى جواره وقال:
— أعطني إياها.
رفع الرجل رأسه وهز يده وقال بهدوء:
— لا.
ابتسم العامل:
— إنها مجرد قطعة حديد.
نظر إليه طويلًا ثم أغلق يده عليها. لم يقل شيئًا، فالعامل لم يكن يعرف، ولا أحد هنا كان يعرف... هذه لم تكن رصاصة، بل كانت آخر شيء بقي له من ذلك اليوم.
بعد ذلك اليوم، لم يحدث الانهيار دفعة واحدة. لم يستيقظ الرجل في صباح اليوم التالي فاقدًا عقله كما يقول الناس؛ كان الأمر أبطأ من ذلك. شيئًا فشيئًا، بدأ العالم يفقد شكله.
في البداية، كان يتجنب الحديث. لم يكن يريد أن يشرح، كيف يمكن لإنسان أن يشرح ما حدث وهو نفسه لا يستطيع أن يفهمه؟ كان الناس يأتون إلى البيت، يجلسون قليلًا، ثم يرحلون وهم يحملون في عيونهم ذلك المزيج الغريب من الشفقة والخوف. بعضهم كان يقول: «مسكين»، وبعضهم كان يهمس: «لم يعد كما كان».
أما هو، فلم يكن يهتم. كان يجلس في الغرفة الصغيرة يضع الرصاصة أمامه وينظر إليها. لم يكن يراها كما يراها الآخرون؛ لم تكن قطعة معدن، بل كان يرى يومًا كاملًا محشورًا داخلها: يرى وجه ابنه، يرى الزقاق، يرى الرجال الذين دخلوا بيته وهم يعرفون مسبقًا كيف ستنتهي الحكاية.
بعد أشهر، بدأت زوجته تخاف عليه. لم يكن يؤذي أحدًا، لم يصرخ، لم يحطم شيئًا، وهذا ما جعل الأمر أكثر قلقًا بالنسبة لها. كان يجلس ساعات طويلة صامتًا ثم يبتسم فجأة. سألته ذات ليلة:
— لمن تبتسم؟
نظر إليها باستغراب، كأنه لم يفهم السؤال، ثم قال:
— للذين لم يفهموا بعد.
لم تسأله من يقصد، كانت تعرف أن الإجابة ستؤلمها أكثر.
في الحي، تغيرت نظرة الناس إليه. في البداية كانوا يرون فيه أبًا مكلومًا، ثم صاروا يرون فيه رجلًا غريب الأطوار، ثم صاروا يختصرون كل شيء بكلمة واحدة: «مجنون».
كانت الكلمة سهلة، أسهل من مواجهة الحقيقة. فالجنون، بالنسبة لهم، تفسير مريح لكل ما لا يريدون فهمه.
ذات يوم، جاءه أحد جيرانه القدامى، وكان الرجل يعرفه منذ سنوات. جلس معه طويلًا قبل أن يقول:
— انتهى الأمر.
رفع رأسه:
— ماذا تقصد؟
حرك الرجل يده بتوتر:
— أقصد... ما حدث قد حدث. عليك أن تنسى.
نظر إليه طويلًا، ثم أخرج الرصاصة ووضعها بينهما على الطاولة وقال:
— هل تستطيع أن تنسى هذا؟
نظر الجار إليها وقال:
— إنها مجرد رصاصة.
ابتسم:
— هذا ما يقوله الجميع.
سكت قليلًا ثم أضاف:
— ولهذا بقيت وحدي.
لم يجد الرجل جوابًا، فأعاد إليه الرصاصة وغادر.
مع مرور السنوات، أصبحت الرصاصة جزءًا من حياته. كان يضعها في جيبه أينما ذهب؛ إذا جلس في المقهى وضع يده عليها، وإذا سار في الشارع اطمأن إلى وجودها، وإذا نام وضعها تحت الوسادة. لم يكن يخشى أن تضيع، بل كان يخشى أن تضيع الذكرى معها.
وفي إحدى الليالي، دخل عليه رجال الأمن. لم يأتوا هذه المرة بعنف؛ كانوا أكثر هدوءًا، وهذا جعله يعرف أن الأمر أسوأ. جلس أحدهم أمامه وقال:
— نحن هنا لمساعدتك.
نظر الرجل إلى الوجوه. لم يعرف لماذا شعر أنه سمع هذه الجملة من قبل.
— مساعدتي في ماذا؟
ابتسم الرجل:
— أنت متعب.
رد:
— أنا متعب منذ زمن.
قال الآخر:
— تحتاج إلى مكان ترتاح فيه.
نظر إلى زوجته؛ كانت واقفة قرب الباب ولم تقل شيئًا. كان الخوف في عينيها أكبر من أي كلمة. فهم؛ لم تكن هذه زيارة، كانوا جاؤوا ليأخذوه.
لم يقاوم، وهذا أدهشهم؛ ربما كانوا يتوقعون صراخًا أو محاولة هرب، لكنه فقط ارتدى معطفه ووضع يده في جيبه. سأله أحدهم:
— ماذا تحمل؟
أجاب:
— شيئًا يخصني.
مد الرجل يده، لكنه تراجع عندما رأى وجهه. كان هناك شيء في عينيه جعله يتوقف... ليس تهديدًا ولا غضبًا، بل شيئًا أقرب إلى الحزن.
في المركبة، لم يتحدث أحد. جلس قرب النافذة والمدينة تمر أمامه. لم يكن يعرف أنهم سيأخذونه إلى المصحة، ولم يكن يعرف أن الوجوه الثلاثة التي ترافقه ستعيد فتح باب الماضي من جديد. كان يظن أنه ترك ذلك اليوم خلفه، لكنه لم يكن يعرف أن بعض الأيام لا تنتهي، إنها فقط تنتظر اللحظة المناسبة كي تعود.
لم يسأل الرجل عن اسم المكان. عندما نزل من المركبة ورأى المبنى الأبيض خلف السور، عرف أن الأمر لا يتعلق بعقوبة عابرة ولا باستجواب جديد. كان المكان أهدأ مما ينبغي؛ في السجون التي عرفها الناس، كان هناك صراخ، وضجيج أبواب، وخطوات ثقيلة، أما هنا فكان الصمت هو الحارس.
دخل من البوابة الحديدية. استقبله رجل يحمل ملفًا، ولم ينظر إليه أولًا، بل نظر إلى الأوراق... كان ذلك أول شيء لاحظه: دائمًا هناك ورقة تسبق الإنسان.
قال الرجل:
— الاسم؟
ذكر اسمه، فقلب الموظف الصفحات:
— العمر؟
أجاب.
— سبب الدخول؟
توقف قليلًا، نظر إلى الرجل ثم إلى الملف، وقال الموظف دون أن يرفع رأسه:
— مذكور هنا.
لم يسأله مرة أخرى؛ كان كل شيء مكتوبًا قبل أن يصل.
أخذوه إلى غرفة صغيرة: سرير، نافذة ذات قضبان، وطاولة خشبية. لم تكن الغرفة قاسية كما توقع، وهذا أزعجه؛ كان يتوقع شيئًا يشبه ما عرفه من قبل، لكنه وجد مكانًا مرتبًا، نظيفًا، باردًا، كأن القسوة هنا تعلمت أن ترتدي ملابس جديدة.
جلس على السرير، وأخرج الرصاصة ووضعها أمامه، وظل ينظر إليها. بعد قليل، فتح الباب ودخل أحد العاملين وقال:
— لا يُسمح بالاحتفاظ بالأشياء المعدنية.
رفع الرجل عينيه ولم يتحرك. قال العامل:
— أعطني إياها.
ضم أصابعه حولها:
— لا.
اقترب العامل خطوة ثم توقف. كان في وجه الرجل شيء لم يستطع تفسيره، لم يكن عنادًا، بل كان خوفًا... كأن أخذ الرصاصة يعني أخذ آخر باب يصل بينه وبين نفسه. خرج العامل وقال:
— سنتركها له الآن.
في الأيام التالية، بدأ يتعرف إلى المكان. كان هناك رجال ونساء يحملون قصصًا لا يعرف أحد بدايتها: بعضهم فقد ذاكرته، وبعضهم فقد أسماءه، وبعضهم كان يعرف من الحقيقة ما يفوق قدرته على الاحتمال.
كان يجلس في الساحة الداخلية ساعات طويلة دون أن يتحدث، فقط يراقب. لاحظ أن كثيرًا من المرضى كانوا يقولون أشياء يضحك منها الآخرون: رجل يصر على أن هناك من يراقبه، امرأة تقول إن صوتًا في الجدار يحدثها، وشاب يؤكد أن الساعة في الممر متوقفة لأنها تخفي شيئًا. كان يسمعهم ولا يسخر، فهو يعرف أن الناس يضحكون غالبًا من الأشياء التي يخافون تصديقها.
بعد أسبوع، جاء الطبيب. جلس أمامه وفتح الملف وقال:
— أريد أن نتحدث قليلًا.
لم يجب.
— يقولون إنك تحمل رصاصة معك منذ سنوات.
نظر إلى الرصاصة فوق الطاولة:
— نعم.
— لماذا؟
ظل صامتًا. انتظر الطبيب، ثم قال الرجل:
— لأنها الشيء الوحيد الذي لم يكذب عليّ.
كتب الطبيب شيئًا في الملف وسأله:
— هل تعتقد أن الرصاصة تتحدث إليك؟
نظر إليه باستغراب ثم قال:
— لا.
— إذن لماذا تحتفظ بها؟
أجاب:
— لأنكم جميعًا تريدون أن تنسوا.
توقف القلم. رفع الطبيب رأسه:
— من نحن؟
نظر الرجل من النافذة:
— أنتم الذين تعيشون بعد الأشياء وكأنها لم تحدث.
لم يكتب الطبيب هذه الجملة، بل كتب شيئًا آخر.
في المساء، خرج إلى الممر. كان أحد الحراس يقف عند الباب. توقف الرجل ونظر إليه طويلًا. لم يعرف لماذا شعر أنه رآه من قبل؛ لم يكن الوجه واضحًا في ذاكرته، لكن شيئًا في طريقة الوقوف، في حركة اليد، في النظرة الجامدة... أعاده ذلك الشعور سنوات إلى الوراء.
اقترب أكثر. لاحظ الحارس ذلك فقال:
— ماذا تريد؟
لم يجب، وعاد إلى غرفته. في تلك الليلة، لم ينم؛ كان يحاول أن يتذكر... ليس الاسم ولا الوجه، بل الشعور... ذلك الشعور الذي يأتي قبل وقوع المصيبة.
وفي اليوم التالي، جاء ثلاثة رجال لاستلام أوراقه. كانوا يرتدون ملابس مدنية: أحدهم بدين، والثاني نحيف وطويل الوجه، والثالث كان يضع يده قرب أذنه بين حين وآخر كأنه يستمع إلى شيء لا يسمعه غيره.
حبس الرجل أنفاسه لحظة. عرفهم... ليس لأن السنوات لم تغيرهم، بل لأن بعض الوجوه لا تتغير مهما كبرت.
الرجل البدين... كان هناك في ذلك اليوم.
والرجل الآخر... كان يقف عند باب البيت.
أما الثالث... فكان يحمل البندقية.
لم يقل شيئًا، ولم يصرخ، بل اكتفى بالنظر إليهم. هم لم يعرفوا أنه عرفهم، أو ربما عرفوا ولم يهتموا.
قال أحدهم:
— هيا.
وقف الرجل، ووضع يده في جيبه وتحسس الرصاصة، ثم ابتسم. هذه المرة لم تكن ابتسامة حزن، بل كانت ابتسامة من وجد أخيرًا القطعة الناقصة من الحكاية.
خرج معهم. وفي الممر الطويل، كانت الأبواب تفتح وتغلق: مرضى يدخلون، ومرضى يخرجون، وأطباء يحملون ملفات، وحراس يحملون مفاتيح. ولم يعرف أحد منهم أن السؤال الحقيقي لم يكن: من الذي يحتاج إلى العلاج؟ بل: من الذي يملك الحق في أن يحدد من هو العاقل؟
توقفت المركبة أمام البوابة. صعد إليها وجلس قرب النافذة كما جلس في المرة الأولى، لكن شيئًا واحدًا تغير: لم يعد يجهل إلى أين يذهب، كان يعرف الآن أنه عاد إلى المكان الذي بدأ منه كل شيء... إلى أولئك الذين صنعوا الجرح، ثم قرروا أن يضعوا عليه اسمًا طبيًا.
انطلقت المركبة. وفي جيبه كانت الرصاصة، الشاهد الوحيد الذي بقي. وخارج النافذة، كانت المدينة تمضي كعادتها نحو نهار جديد، كأن شيئًا لم يكن... أما بقية الشهود، فقد تعلموا الصمت منذ زمن.

1825 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع