أزمة الألقاب الفنيّة متى نطلق لقب "فنان تشكيلي"؟

ودع الياسين

أزمة الألقاب الفنيّة متى نطلق لقب "فنان تشكيلي"؟

إن غياب المرجعية الأكاديمية الصارمة على منصات التواصل الاجتماعي جعل الذوق العام يميل نحو الأعمال التراثية و الديكورية الجاهزة (التي تثير العاطفة و الحنين) على حساب الفن التشكيلي الفلسفي العميق. و أصبح المقتني العادي يطلق لفظ "لوحة فنية" على أي مجسم جداري، مما أدى تدريجياً إلى تراجع مكانة "اللوحة المرسومة بالريشة" لصالح "القطع الحرفية المركبة".

و لأن لقب "فنان تشكيلي" يحمل برستيجاً و جاذبية تسويقية أعلى، أصبح يُطلق مجازاً على أي عمل يدوي جميل.

و الجمهور البسيط ينجذب بطبعه للقطع اللامعة و المعالم التراثية الجاهزة؛ لأنها تذكره بالوطن، مما جعل "القطع الحرفية المركبة" تتصدر المشهد على حساب اللوحة المرسومة بالريشة.

و لو قمنا بمقارنة بسيطة بين الفنان التشكيلي الأكاديمي، و بين الحرفي و صانع الفلكلور لوجدنا:

الفنان التشكيلي الأكاديمي: هو من يدرس نظريات الفن، ، علم الجمال ، التشريح، المنظور. يبني لوحته بالريشة و الألوان من "الصفر" على قماش مستوٍ، ليقدم فكرة فلسفية، أو مشاعر معقدة، أو مدرسة فنية (كالتجريدية أو السريالية) تحتاج من المتلقي تأملاً و ثقافة لتفكيك رموزها.

أما الحِرفي و صانع الفلكلور التطبيقي: هو صاحب "الصنعة" و المهارة اليدوية العالية. لا يرسم بالضرورة، بل يقوم بتجميع و تشكيل خامات واقعية (مثل الخشب، المعادن، المرايا، الزجاج) لإعادة إحياء رموز تراثية مألوفة، و الهدف الأساسي لعمله هو الزينة، و الديكور، و إثارة العاطفة و الحنين (النوستالجيا).

و هناك مَن يعرّف الفن التشكيلي بأنه كل من يشكل أي شيء ذي قيمة فنية، و لو أن هذا الرأي يمثل المفهوم اللغوي و الشامل جداً للفن، و هي وجهة نظر قائمة و موجودة بالفعل؛ فأصحاب هذا الطرح يرون أن كلمة "تشكيلي" مشتقة من فعل (شَكَّلَ / صاغَ)، و بالتالي فإن كل من يطوع مادة خام (كالخشب، الطين، الزجاج، القماش) و يخرج منها شيئاً يحمل قيمة جمالية، فهو يقوم بعملية تشكيل.

و لكن، لكي نكون منصفين علمياً و دقيقين، هناك تمييز جوهري وضعه مؤرخو الفن بين مستويين من "التشكيل":

وهو التشكيل الجمالي المحض (الفنون الجميلة - Fine Arts): هنا يكون هدف التشكيل إيصال فكرة، أو فلسفة، أو تعبير عاطفي و نفسي، و العمل الفني لا يُصنع ليُستخدم بل ليُتأمل فقط (كالرسم الزيتي، و النحت المعاصر، و التركيب).

و الآخر التشكيل الوظيفي/التطبيقي (الحرف و الفنون التطبيقية - Applied Arts/Crafts): هنا يقوم الصانع بتشكيل المواد بدقة عالية، و تكون للقطعة قيمة جمالية و فلكلورية كبيرة، لكنها ترتبط بوظيفة (كزينة حائطية، أثاث تراثي، زجاج معشق، حلي).

و نصل إلى نقطة ، على كل حال، تظل الحرفة التراثية عملاً جميلاً و مطلوباً للتزيين، لكن و ضعها في الكفة نفسها مع الفن التشكيلي الأكاديمي يظلم التاريخ الفني الطويل، و العمق الفكري للدارسين و المحترفين.


  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

744 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع