حبوب للحنين ... لماذا لم يخترعها أحد؟

هدير الجبوري

حبوب للحنين ... لماذا لم يخترعها أحد؟

في زاوية مكتبة عامة هادئة في المدينة، تجلس ليلى كل مساء، تطلب من الموظف ذاته إذناً للبقاء أطول، وتطيل النظر نحو الكرسي المقابل، الذي لم يجلس عليه أحد منذ غاب زياد...

كانت تحمل دفتراً صغيراً، تكتب فيه كما لو أنها تنزف.
لم تكن تعرف لماذا تعود إلى المكان ذاته كل مساء، هل هو الأمل؟ أم العادة؟ أم أن الغياب يصبح مكاناً يسكننا أكثر مما نسكنه؟
اقترب منها الموظف وسألها برفق:
– هل تحتاجين شيئاً يا آنسة ليلى؟
ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت:
– فقط القليل من الصمت... كما كل يوم.
جلس قربها رجل مسن، لم تكن قد رأته من قبل، بدا عليه الغياب أيضاً، لكن بطريقته. نظر إليها، ثم إلى دفترها، وقال:
– تكتبين له؟
– نعم... كأن الكتابة تربطه بي، كأن الكلمات حبل نجاة بيني وبينه.
صمت الرجل للحظة، ثم سألها:
– وماذا تكتبين اليوم؟
– كنت أفكر... لماذا لم يخترع أحد حبوباً للحنين؟ حبة تسكّن هذا القلب، وتطفئ هذا الوجع الذي لا نراه، ولا يرحل.
ضحك بخفة وقال:
– لو وُجدت، لاشتريناها بأي ثمن... لكن يا ابنتي، الحنين ليس مرضاً يُعالج، بل حياة أخرى نعاقب بأن نعيشها داخلنا.
– لكنه يؤلمني في كل تفصيلة... في كتاب نقرؤه معاً، في رائحة الورق، في همس الكلمات حين كان يشرح لي معانيها.
– الغياب ليس أن يرحلوا... بل أن تبقي وحدك في كل الأشياء التي كنتم تتشاركونها. الغياب يزرع ظلالهم في التفاصيل.
– إذن نحن لا نُشفى؟ لا ننسى؟ لا نُشفى من الاشتياق أبداً؟
– لا نُشفى، لكننا نعتاد الألم كما يعتاد الجرح الملوّث البقاء. لا يلتئم، لكنه يتوقف عن النزف بعض الأحيان.
– أفكر أحياناً... ماذا لو وُجدت تلك الحبة؟ أأبلعها، وأستيقظ وقد نسيت وجهه، صوته، ضحكته؟
– وهل هذا ما تريدينه حقاً؟
ترددت، ثم همست:
– لا أعلم... ربما أريده أن يعود، لا أن أنساه.
– هذا هو الحنين، لا يريد النسيان، يريد المستحيل... يريد أن يعود الزمن.
سكتت، ثم أغلقت دفترها، ومررت أصابعها على عنوان كتاب قديم.
– الغياب موحش، لكن ما يؤلم أكثر هو تمثيلنا أننا بخير، ونحن ننهار من الداخل.
– نحن لا نمثل يا ليلى، نحن نحاول النجاة... بالوقوف على قدم واحدة، بقلب نصفه يعيش، ونصفه مدفون في الذكرى.
نهض الرجل بهدوء، وأعاد كتابه إلى الرف، وهمّ بالمغادرة.
– إلى أين؟ سألت ليلى.
– إلى رف آخر... أبحث عن «نورا». كلنا نبحث يا ليلى، بطريقتنا.
– وهل تجدها أحياناً؟
ابتسم، وقال:
– في جملة تشبه كلامها، في غلاف كتاب كانت تحبه، في سيدة تقرأ بنفس صوتها... ثم تختفي.
– وهل يؤلمك ذلك؟
– كثيراً... لكنه أقل من ألم النسيان الكامل.
غادر وتركها مع دفترها، وصفحة جديدة لم تُكتب بعد... وصوت قلبها.
وفي تلك الليلة، كتبت ليلى:
(لم أعد أبحث عن حبة تنسيني، بل عن معجزة تعيده، أو تطفئ هذا الحنين دون أن تمحو وجهه من قلبي).....

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

937 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع