بين الرضا والقناعة وقبول الواقع ثلاثة مفاتيح للسلام الداخلي

سعد عبد المجيد ابراهيم

بين الرضا والقناعة وقبول الواقع ثلاثة مفاتيح للسلام الداخلي

في رحلة الحياة، نواجه أمورًا كثيرة لا تسير وفق ما نشتهي أو نخطط له. وقد نجد أنفسنا أمام ظروف لم نخترها، أو نتائج لم تكن كما تمنّينا أو توقّعنا. ومن الطبيعي أن تكون سقوف توقعاتنا حينها، وفي بداية هذه الرحلة، مرتفعة نسبيًا، ربما بسبب طموحنا الكبير، أو لقلة خبرتنا بالحياة وعدم إدراكنا لطبيعتها وما تحمله من مفاجآت. وعندما لا تسير الأمور وفق ما نريد، نضطر أحيانًا إلى التكيّف مع الواقع. وهذا ما يُعرف بقبول الأمر الواقع، وهو أمر قد تفرضه علينا الحياة، سواء تقبّلناه في داخلنا أو رفضناه.

ولكن، هناك خيار آخر رغم القبول بالأمر الواقع، وهو تقبّله برضا. وثمة فرقٌ بين قبول الأمر الواقع والرضا بما آل إليه الحال؛ فقد يكون القبول مجرد تسليم بما لا نستطيع تغييره، أما الرضا فهو حالة من التصالح الداخلي تجعل الإنسان أكثر هدوءًا واتزانًا؛ فلا يظل أسير الحسرة على ما فاته، ولا يستنزف نفسه في التساؤل عمّا كان يمكن أن يحدث لو سارت الأمور على نحو مختلف.

ولا يعني الرضا التوقف عن السعي إلى حياة أفضل، ولا الاستسلام للواقع المرفوض من دون محاولة تغييره؛ فالرضا يمنحنا القدرة على مواصلة السعي وبذل الجهد لتحقيق أحلامنا، حتى إن لم تُنصفنا الحياة في تحقيقها، ثم تقبّل النتائج والتعامل معها بحكمة وهدوء، من غير أن نسمح لها بأن تسلبنا سلامنا النفسي. فثمة أمور نستطيع تغييرها، وأخرى لا نملك إزاءها إلا الصبر والتعايش معها بسلام. وهذا من طبيعة الدنيا التي تتقلب أحوالها بين اليسر والعسر.

ولعل أسمى صور الرضا أن يطمئن الإنسان إلى حكمة الله، وأن يؤمن بأن الحياة لا تمنحنا كل ما نريد، وأن ما نرجوه لا يتحقق إلا بالجهد والمثابرة وفي الوقت الذي يقدّره الله لنا، فنجد في تحققه ما يبعث في نفوسنا الرضا والطمأنينة.

أما القناعة فهي غير الرضا؛ وإذا كان الرضا حالة من التصالح الداخلي مع ما آلت إليه أحوالنا، فالقناعة ترتبط بنظرتنا إلى ما نملك، وبقدرتنا على الشعور بالكفاية من دون أن نظل أسرى الرغبة في المزيد. فليس كل من تقبّل الأمر الواقع راضيًا به، وليس كل من رضي بظروفه قانعًا بما لديه؛ فقد يتعايش الإنسان مع واقع لا يستطيع تغييره، بينما يظل قلبه معلقًا بما فقده أو بما يتمنى امتلاكه. وقد يكون راضيًا عن مسار حياته، لكنه يواصل السعي إلى تحسين ظروفه، من غير أن يجعل ما ينقصه سببًا دائمًا للشقاء.

والقناعة هي الأخرى، لا تعني القبول بالفقر أو التخلي عن الطموح، كما لا تعني التوقف عن طلب الأفضل، بل تعني ألّا تتحول الرغبة في المزيد إلى شعور دائم بالنقص، وألّا يصبح الإنسان أسير المقارنة مع الآخرين. فالقانع يقدّر ما لديه، ويسعى إلى تحسينه إن استطاع، لكنه لا يربط سعادته بما لم يمتلكه بعد. ومن هنا، يمكن القول إن قبول الأمر الواقع يتعلق بالتعامل مع ما لا نستطيع تغييره، وإن الرضا يتعلق بسلامنا الداخلي تجاه ما حدث، أما القناعة فتتجلى في تقدير ما نملك والشعور بكفايته. وحين تجتمع هذه المعاني، يصبح الإنسان أقدر على العيش بطمأنينة وسعادة، من دون أن يفقد الأمل أو يتخلى عن طموحه.

وثمة أمرٌ مهم يجب ألّا نغفل عنه، وهو أن الإنسان الراضي والقانع يحزن ويتألم كما يحزن ويتألم باقي الناس؛ فهذه مشاعر إنسانية لا يسلم منها أحد، وإنما الفارق هنا أن الحزن عند الشخص القنوع الراضي لا يتحول إلى سخط دائم، وأن الألم لا يحجب عنه أسباب الأمل. فالرضا لا يلغي مشاق الحياة، لكنه يخفف وطأتها، والقناعة لا تمنع الرغبة في التقدم، لكنها تحرر الإنسان من الشعور المستمر بأن ما لديه لا يكفيه.

وتنعكس هذه المعاني على سلوك الإنسان وعلاقاته بالآخرين؛ فالرضا يمنح الإنسان نوعًا من الطمأنينة الداخلية، وهذه تنعكس على ملامحه وتظهر في محياه ونبرة صوته وطريقة تعامله، فتبدو على وجهه علامات النضارة، وتمنح السكينة نظراته إشراقة، وتغدو ابتسامته عفوية وكلماته أكثر رفقًا. أما من يظل أسير التذمر والمقارنة والتحسر، فقد تبدو على وجهه علامات الحزن والعبوس، التي لا تزيلها وفرة المال ولا تعدد المكاسب؛ لأن المشكلة هي عدم اكتفائه بما لديه مهما بلغ.

وربما يتهمني البعض بأن هذه الكلمات المخدرة لا تغير من الواقع الذي يعاني منه الإنسان؛ فهناك حد أدنى من المتطلبات التي لا بد من توافرها من أجل حياة كريمة وسعيدة، ولا خلاف على ذلك. أنا لا أحاول من خلال كلماتي هذه أن أزرع الرضا والقناعة بكلمات منمقة تبدو مُقنِعة رغم صعوبة الظروف التي يمر بها الإنسان؛ لأن الرضا لا يتحقق بمجرد ترديد الكلمات، ولا تُكتسب القناعة بين ليلة وضحاها، فكلاهما يحتاج إلى وعي وتدرّب ومراجعة مستمرة للنفس؛ فمن اعتاد الشكوى والتذمر يصبح عدم الرضا جزءًا من نظرته إلى الحياة، فلا يرى فيما يملك ما يكفيه، مهما تعددت النعم من حوله.

ومن خلال خبرتي المتواضعة، ومن خلال تجاربي بحلوها ومرها، علمتني الحياة أنّنا نحن من يصنع السعادة لأنفسنا، وأنّ السعادة لن تتحقق بمجرد الحصول على كل ما نريد، ولكن علينا أن نتصالح مع واقع لا نستطيع تغييره، وأن نسعى إلى تحسين ما نستطيع تغييره بعملنا وجهدنا، وأن نحمد الله على ما لدينا من نعم. فكم من إنسان امتلك الكثير، لكنه لم يشعر بالسعادة يوماً لأنه لم يقنع ولم يشعر بالاكتفاء، وكم من إنسان كانت إمكاناته محدودة، لكنه عاش سعيدًا مطمئن النفس، راضي القلب. وهكذا، رغم أنّ الحياة لا تخلو من الصعوبات، فإنها تغدو أكثر احتمالًا، وتصبح النفس أقدر على أن تجد في مسيرتها ما يستحق القناعة بما بين أيدينا والامتنان والرضا.

وفي الختام، تتكامل هذه المعاني الثلاثة، الرضا والقناعة وتقبّل الأمر الواقع بصبر، لتشكل نظرتنا إلى الحياة؛ فقبول الأمر الواقع يساعدنا على التعامل مع ما لا نستطيع تغييره، والرضا يمنحنا السلام الداخلي تجاه ما آلت إليه أحوالنا، أما القناعة فتعلّمنا تقدير ما نملك، من دون أن نستنزف سعادتنا في السعي وراء ما ينقصنا. وليس في أي من هذه المعاني دعوة إلى الاستسلام أو التخلي عن الطموح، بل هي دعوة إلى أن نسعى إلى الأفضل ما استطعنا، وأن نتعامل مع النتائج بحكمة، وأن نحمد الله على نعمه، فالسعادة ليست في امتلاك كل ما نريد، بل في أن نعرف كيف نعيش بما لدينا، ونسعى إلى ما نستطيع.

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

740 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع