جيفارا – الشخصية الأسطورية المثيرة للجدل

د. جابر ابي جابر

جيفارا – الشخصية الأسطورية المثيرة للجدل

في تشرين1/ أكتوبرعام 1967 أطلقت القوات الخاصة البوليفية النار على تشي جيفارا. وفي 8 أكتوبر عام 1967، أُلقي القبض عليه مصاباً في قرية "لا هجيرا".

وفي اليوم التالي، صدر أمر من القيادة البوليفية بإعدامه ميدانياً دون محاكمة على يد الرقيب البوليفي ماريو تيران وذلك بالتنسيق مع عميل الاستخبارات الأمريكية فيلكس رودريجز. وعقب ذلك أصبح جيفارا أسطورة سياسية سواء لدى الجماهير اليسارية أو لدى المستقلين والمحايدين في كافة بقاع العالم. ولا يزال الامر على هذا الحال حتى الآن حيث يُنظر إليه في أوساط حركات التحرر واليسار العالمي مناضلاً اممياً صلباً ضحى بحياته ضد الإمبريالية، بينما تراه القوى المناهضة للشيوعية ومنظمات حقوق الإنسان كجلاد سادي وشمولي ساهم في تثبيت نظام دكتاتوري وانتهاك الحقوق الأساسية للإنسان.
وقد وصفه نيلسون مانديلا بأنه "مصدر إلهام لكل شخص يحب الحرية". وزعم الخبير الاقتصادي موراي روثبارد أن تشي "كان أكثر من أي رجل آخر في عصرنا أو قرننا تجسيداً حياً للمبادئ الثورية". ولكن ثمة آخرون أكثر إطلاعاً على سيرة حياته وتفاصيلها يعتبرونه زعيماً مغامراً وجلاداً لا يرحم، ويؤكدون أن الصورة الرومنسية لهذا الثائر المتمرد لا تتطابق كثيراً مع الواقع.. وهكذا تتفاوت التقييمات بخصوص جيفارا من "القديس إرنستو"، الذي يصلي إليه الفلاحون البوليفيون إلى جزار سجن قلعة"كابانا".
ويمكن تقسيم حياته وإرثه إلى عدة جوانب رئيسية:

الطفولة والشباب

وُلِد إرنستو غيفارا عام ١٩٢٨ في مدينة روزاريو بالأرجنتين لعائلة من الطبقة المتوسطة ذات ميول يسارية. وكان الابن البكر لمهندس معماري حاول لسنوات عديدة دون جدوى تأسيس مشروع تجاري. وقد كانت والدته من أوائل النساء المولعات بالسيارات في البلاد.
في الثانية من عمره، أُصيب إرنستو بالربو، مما منعه من الالتحاق بالمدرسة. علّمته والدته القراءة والكتابة. وكان المرض شديداً لدرجة أن جيفارا كان يضطر إلى حقن نفسه بالأدرينالين، وبصدد ذلك أطلق على نفسه لاحقاً لقب "مغامر الأدرينالين" على سبيل المزاح. وبعد الثورة، كتب بسخرية لاذعة: "أحب جهاز الاستنشاق أكثر من مسدسي... أميل إلى التفكير بعمق أثناء نوبات الربو الحادة.
تميز إرنستو منذ الطفولة بفضوله وقدراته القيادية، إذ أشار مدير المدرسة، التي درس فيها ثوري المستقبل، إلى رغبته، التي لا تعرف الكلل في أن يكون قائداً. وكان "تيتي" (الاسم المستعار لتشي جيفارا في طفولته) يستمتع بشرب الحبر وأكل الطباشير واستكشاف المناجم المهجورة ولعب مصارعة الثيران بكبش. وقد اعترف إرنستو نفسه بأنه كان يلقب ب "الخنزير" - ليس بسبب السمنة على الإطلاق ، ولكن لأنه كان لا يحب الاستحمام.
وأشار أستاذ الاقتصاد ألبرتو لينش في كتابه "ابن عمي تشي" إلى قصة عمته التي أخبرته أن "تيتي" في طفولته كان يستمتع بتعذيب الحيوانات، حيث استنتج المراهق لنفسه أن "الموت ليس بهذا السوء". ويتذكر كارلوس فيغيروا ، صديق شباب جيفارا ، بأن إرنستو، أثناء العشاء، أرغم الخادمة على الاستلقاء على الطاولة لممارسة الجنس معها. وعندما انتهى من الأمر، واصل تناول الطعام بكل هدوء أعصاب.
تخرج من المدرسة الثانوية بتفوق. وفي التاسعة عشرة من عمره، التحق بكلية الطب في جامعة بوينس آيرس، حيث أكمل دراسته في خمس سنوات بدلًا من سبع سنوات. وقبل تخرجه بعام جال في أرجاء أمريكا اللاتينية على دراجة نارية.

في أغسطس/آب 1952، عاد تشي إلى بوينس آيرس، حيث بدأ التحضير للامتحانات وكتابة أطروحته حول أمراض الحساسية. وفي مارس/آذار 1953، حصل جيفارا على شهادة طبيب في الأمراض الجلدية. ولرفضه الالتحاق بالخدمة العسكرية، تعمّد إحداث نوبة ربو بحمام ثلجي، ما أدى إلى إعلان عدم لياقته لهذه الخدمة.

تلقى تشي جيفارا تجربته الثورية الأولى خلال رحلة في أرجاء بلدان أمريكا اللاتينية. وقد بدأت الرحلة في 4 يناير 1952، في بوينس آيرس حيث انطلق إرنستو، طالب الطب البالغ من العمر 23 عاماً، وصديقه عالم الكيمياء الحيوية ألبرتو غرانادو، البالغ من العمر 29 عاماً، في رحلة امتدت لأكثر من 8000 كيلومتر على متن دراجة نارية قديمة. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الرحلة غيّرت نظرة جيفارا للعالم إلى الأبد. انطلقت الرحلة من الأرجنتين بالمرور في سهول البامبا الأصلية وسفوح جبال الأنديز حيث عبور الحدود الجبلية الفصلة بين الأرجنتين وتشيلي. وخلال ذلك تعطلت الدراجة النارية ولم تعد ثمة إمكانية لاستخدامها على الإطلاق، وبعد ذلك كان الصديقان يتنقلان بشكل رئيسي عن طريق التوقف على الطرقات، وعانا من الجوع والبرد القارس ثم وصلا إلى بيرو فقاما بزيارة مدينة ماتشو بيتشو القديمة، وعملا في مستعمرة للمصابين بالجذام ببلدة سان بابلو على نهر الأمازون، حيث ساعدا المرضى. وهناك قال له غرانادو: " دعنا نبقى هنا. سأتزوج امرأة هندية من عائلة إنكا النبيلة، وأعلن نفسي إمبراطوراً وأصبح حاكم بيرو، وسأعينك رئيساً للوزراء، وسنقوم معًا بثورة اجتماعية". فأجابه جيفارا: "أ أنت مجنون! لا يمكنك القيام بثورة دون إطلاق النار!".
وبعد ذلك زار الصديقان كولومبيا وفنزويلا وحصل ألبرتو على وظيفة في كاراكاس. وخلال هذه الجولة صُدم الشاب إرنستو، المنحدر من عائلة ميسورة الحال، من هول الفقر المدقع، الذي يعاني منه السكان الأصليون، وأحوالهم الاجتماعية التي يُرثى لها، وظروف العمل الشاقة لعمال المناجم التي رآها خلال الرحلة. ولم تعد القارة تبدو له مجموعة من الدول المنفصلة، بل رأى أمريكا اللاتينية ككيان واحد متكامل بحاجة إلى التغيير. وقد دوّن انطباعاته في مذكرات رحلته، والتي شكلت فيما بعد أساس كتاب "مذكرات الدراجة النارية" والفيلم الشهير الذي يحمل الاسم نفسه.
وفي أغسطس/آب 1952، عاد تشي إلى بوينس آيرس، حيث بدأ التحضير للامتحانات وكتابة أطروحته حول أمراض الحساسية. وفي مارس/آذار 1953، حصل على شهادة الدكتوراه بتخصص في الأمراض الجلدية. ولعدم رغبته في الالتحاق بالخدمة العسكرية، تعمّد إحداث نوبة ربو بحمام ثلجي، ما أدى إلى إعلان عدم لياقته لهذه الخدمة.
وعندما دبر الأمريكان في عام 1954 انقلاباً عسكرياً في غواتيمالا، سارع الثوري الأرجنتيني على الفور لمساعدة حكومة أربينز الشعبية. وجنبا إلى جنب مع الشباب الوطني، وتحت صافرة الرصاص وانفجارات القذائف، قام "تشي" بواجب الحراسة لأيام متتالية. ومع ذلك، وقع في قائمة "الشيوعيين الخطرين" ، فاضطر الثوري الطموح إلى مغادرة غواتيمالا. والذهاب إلى المكسيك. وهناك، في عام 1955 ، التقى فيدل كاسترو وأصبح اجتماعهما مصيرياً. واعتزم جيفارا، من الآن فصاعداً، تكريس نفسه لقضية الثورة.
وهناك قصة طريفة حول هذا الحدث. عندما جمع فيدل كاسترو أنصاره وسألهم عما إذا كان بينهم اقتصادي، كان تشي جيفارا أول من رفع يده. وقد اتضح أنه بدلاً من كلمة "اقتصادي" سمع كلمة "شيوعي". وتم توضيح الخطأ على الفور، لكن الوقت كان قد فات للتراجع.
الجلاد
من خلال رسائل وقصائد ومذكرات جيفارا تبرز بشكل واضح عبارة"التعطش لسفك الدماء". ولم يقدر جيفارا أن يشفي غليله إلا من خلال حريق الثورة الكوبية . فالمعروف أنه كان بوسعه أن يلقى حتفه على يد القومندان، في مساعيه إلى تدمير الأعداء ، الموظف والفلاح والمراهق. فقد كتب في رسالة إلى والده بعد إعدام مرشد القرية: "في تلك اللحظة تبين لي أنني أحب القتل حقاً". وبعد وصول فيدل كاسترو إلى السلطة، أصبح "تشي" المبادر الرئيسي للقمع. ففي بلدة سانتياغو دي كوبا ، نفذ يوم 12 كانون 2/ يناير عام 1959عملية إعدام ترهيبية لـ 72 شرطياً، مما أظهر أن هذا سيكون هو الحال مع جميع الذين خدموا النظام القديم. وبأمر من القومندان، تم إعدام أكثر من ثمانية آلاف شخص دون محاكمة وتحقيق في سجن قلعة "لا كابانا" ، وقد أشرف بنفسه على 700 عملية إعدام. وذكر ثوري أسطوري آخر وهو كاميلو سيينفويغوس، أنه بعد الاستيلاء على سانتا كلارا من قبل مرؤوسي تشي جيفارا ، كان كل شارع في المدينة مليئاً بالجثث. ويستشهد الكتاب الأسود للشيوعية بأرقام مخيفة: في السنة الأولى للثورة وحدها ، قامت فرق الإعدام التابعة لتشي بإعدام أكثر من 14 ألف شخص. وكان جيفارا يرى أن العاطفة خطأ قاتل قد يؤدي لتبديد الحركة الثورية بأكملها.
الدكتاتور
بمجرد اكتمال المرحلة النشطة للثورة الكوبية، نظم تشي جيفارا عمل الشرطة السرية. وقد كان يجري العثور على "أعداء" كوبا الحرة في كل مكان، ثم ينقلون إلى مركز الإسعاف. وبعد التعذيب، كانوا يعدمونهم عادةً ويُدرج في شهادة الوفاة أي سبب آخر غير السبب الحقيقي. ولم يُعرف حتى الآن عدد ضحايا الشرطة السرية. وفي عام 1960 قرر جيفارا إنشاء معسكر عمل في شبه جزيرة غواناكابيبس. وكان هناك مكان للمؤمنين والمثليين والمعجبين بموسيقى الروك أند رول.
والجدير بالذكر أن المعسكر المذكور كان شبيهاً بمنظومة معسكرات الاعتقال السوفيتية. وكانوا يرسلون إلى هناك كل من وقعت عليه أدنى الشكوك في انتقاده للنظام الشيوعي بكوبا. وكانوا يجبرون المعتقلين على القيام بأشياء غريبة للغاية مثل جز العشب بالأسنان أوالجلوس في حفرة براز حتى الرقبة طيلة النهار.
الوزير
قام جيفارا بتأميم الممتلكات والشركات الأمريكية وقطع العلاقات الاقتصادية مع واشنطن. وحاول تطبيق اقتصاد موجه وممركز بالكامل قائم على نموذج التخطيط الاشتراكي. وفي مقالته الشهيرة "الاشتراكية والإنسان في كوبا" طرح جيفارا رؤية أيديولوجية صارمة. ومنها تحويل الحوافز المادية (الأجور والربح) إلى جوافز معنوية (الواجب والأخلاق الثورية). وتأسيس معسكرات "العمل التطوعي" للارتقاء بالوعي، والتي تحولت لاحقاً إلى معسكرات إعادة تأهيل قسري للمخالفين فكرياً ولغير المنضبطين سلوكياً.
وبصفته رئيساً للبنك الوطني ووزيراً الصناعة في كوبا (1959-1961)، انتهج جيفارا سياسة تأميم جذري وتصنيع قسري، مما أدى إلى أزمة حادة ونقص في السلع وتدمير القطاع الزراعي التقليدي.

الشيوعي
كانت المبادئ الستالينية لبناء الشيوعية بمثابة نموذج مثالي لتشي جيفارا. وقد كتب في مذكراته: "أقسمت أمام صورة الرفيق ستالين، الذي مات وأحزنني، أنني لن أستريح حتى أرى انهيار الأخطبوط الرأسمالي". وفي عام 1960 قام تشي جيفارا ، كمبعوث لجزيرة الحرية، بجولة في بلدان المعسكر الاشتراكي. وزار بعد ذلك بعامين الاتحاد السوفيتي ، للمرة الثانية، بصفته وزيراً للصناعة في كوبا ، حيث أجرى مباحثات حول التعاون بين البلدين في مجال التسلح. وعلى الرغم من العلاقات الودية مع القيادة السوفيتية، أدلى جيفارا لاحقاً بتصريحات انتقادية عنها. فقد اتهم سلطات الاتحاد السوفيتي، على نحو خاص، "بفرض شروط تجارية على أفقر البلدان شبيهة بتلك، التي تمليها الإمبريالية في السوق العالمية".
"الإفريقي"
في أبريل 1965 ، قرر القومندان الانضمام وخلال وقت قصير، تم تشكيل مفرزة من 150 شخصاً من الكوبيين ذوي البشرة الداكنة، وألقيت هذه المفرزة في المعركة فور وصولهم. وفي المعركة الأولى، سقط أربعة كوبيين. لكن المشكلة الرئيسية لـ "تشي" كانت تكمن في الكونغوليين أنفسهم، إذ من بين 160 من المناصرين، هرب 60 قبل بدء العملية، ولم يطلق الكثير منهم رصاصة واحدة. ولم يكن الأمر أسهل بعد ذلك. فإن حالة المدربين الكوبيين كانت معقدة نظراً لأن القادة المحليين كانوا في حالة فرار، وأصبح الفلاحون يعادونهم أكثر فأكثر كل يوم. وفي 1 تشرين2/نوفمبر 1965، استلم جيفارا أُمراً بمغادرة الكونغو والعودة إلى كوبا. وقد لخص الملحمة الكونغولية بقوله: "الفوز مصدر مهم للتجربة الإيجابية، لكن الأمر نفسه ينطبق على الهزيمة". وقد انتهت التجربة بالفشل الذريع، ووصفها في مذكراته بـ "قصة فشل"، معيداً ذلك لغياب الوعي الثوري لدى القواعد المحلية والانقسامات في أوساط القيادة. إلى متمردي الكونغو دعما لحركة باتريس لومومبا.

الضحية
أصبحت بوليفيا الدولة التالية، التي كان تشي جيفارا سيصدر الثورة إليها. لكن فصيل الأنصار، الذي أنشأه حوصر من قبل القوات الحكومية، ولاذ بالفرار. وقد تم أسر "تشي" نفسه. وسرعان ما صدرت الأوامر بتصفية "السنيور جيفارا". وأعلن عميل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، فيليكس رودريغيز، عن الأمر للسجين، مضيفاً: "أيها الكومندان، أنا آسف". قُتل جيفارا برصاص رقيب الجيش البوليفي ماريو تيران، الذي كان يرغب في الانتقام من الثائر لمقتل ثلاثة من رفاقه في معارك مع المتمردين. وفي البداية، أطلق النار على ساقيه وذراعيه، وعندها فقط أصيب القومندان بجروح قاتلة في صدره. ووفقًا للرواية الرسمية، قُتل جيفارا في المعركة.
"القديس"
بذلت الدعاية الكوبية أقصى ما في وسعها لترقية تشي جيفارا إلى مرتبة الأبطال الوطنيين بعد موته. ويبدو أن ذلك كان مبالغاً فيه. وصار الكثيرون من الأمريكيين اللاتينيين ينظرون إلى "تشي" كقديس، ويلتفتون إليه في صلاة "سان إرنستو دي لا هيغيرا". ولعبت ذكريات البوليفيين الذين رأوا الثوري المقتول دورًا في ذلك أيضاً. فقد قالوا إنه لا يوجد شخص ميت يشبه المسيح مثل "تشي". ولم تتلاشى شعبية تشي جيفارا على مر السنين. ففي موطنه بمدينة روزاريو الأرجنتينية ، نُصب له عام 2008 تمثال من البرونز يبلغ ارتفاعه 4 أمتار، وافتتح العديد من المتاحف، التي سميت باسمه في جميع أنحاء البلاد. وقررت السلطات الكوبية تخليد الثوري من خلال تصويره على عملة البيزو المحلية، ولا تبدأ مدارس جزيرة الحرية دروسها بدون أداء أغنية "سنكون مثل تشي".
ويصفه المؤرخ البريطاني هيو توماس بأنه "شجاع وصريح وحازم، ولكنه عنيد، ضيق الأفق، ومتعصب"، و"تشبع في نهاية حياته بقناعة أن العنف فضيلة بحد ذاته". ويشاركه هذا الرأي العديد من المنفيين الكوبيين، الذين يصف بعضهم الثوري الأرجنتيني صراحةً بالجلاد.
يعتقد الباحث في معهد هوفر، ويليام راتليف، أن تشي جيفارا هو، إلى حد كبير، نتاج عصره، حيث ثقافة أمريكا اللاتينية التي كانت مولعة بالاستشهاد، والتي "تدفع الناس إلى البحث عن صانعي المعجزات ذوي النزعة الأبوية واتباعهم".
أصبح العدد الدقيق للإعدامات التي نُفّذت تحت قيادته موضع جدل. ويشير الباحثون إلى أرقام تتراوح بين 500 و700 شخص. وقد سجّل العديد من كُتّاب سيرته الذاتية مشاركة تشي الشخصية في عمليات الإعدام. وقد كانت المحاكمات مبسطة للغاية وتُجرى من قِبل محاكم ثورية. وغالباً ما كانت تستغرق بضع ساعات فقط، ولم يُمنح المتهمين الحق في الدفاع، وكانت الأدلة تستند، بصورة رئيسية، إلى الوشايات.
وفي معرض تبريره الأيديولوجي لهذه المحاكمات صرّح غيفارا علناً بأن الثورة لا يُمكن أن تكون إنسانية مع أعدائها. وفي إحدى رسائله، أشار إلى أن الإعدامات ضرورية لمصلحة الشعب، وأن الأدلة القضائية "تفصيل برجوازي عتيق". ويتفق المؤرخون على أن تشي غيفارا تميّز بتفانٍ مُتعصّب لأفكاره ولا يقبل المساومة، ما جعله شديد القسوة مع أي مُعارض.
لعب جيفارا دوراً ملحوظاً في تحالف كوبا مع التحاد السوفيتي، بل وساعد في جلب الصواريخ السوفيتية إلى كوبا، الأمر الذي أدى في نهاية المطاف إلى أزمة الكاريبي بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة. وكان جيفارا صريحاً جداً في تأكيده على ضرورة قيام كوبا بالهجوم على الولايات المتحدة، وهي فكرة رفضها كاسترو في نهاية المطاف.
وبالنسبة للكثيرين، كان تشي بطلاً شعبياً. ففي كتابه "حرب العصابات"، يصف بوضوح أهمية أن يُنظر إليه على أنه "مقاتل من أجل الحرية" وليس "إرهابياً". ولكن، من جهة أخرى، كان له دورٌ كبير في رفع مستوى التعليم في كوبا ودعم بناء الجامعات.

يقول المؤرخ الفرنسي باسكال فونتين عن تشي غيفارا:
كان تشي غيفارا في هافانا الثورية على غرار لويس أنطوان دو سان جوست في باريس اليعقوبية، ونسخة لاتينية من نيتشاييف الروسي الإرهابي العدمي من القرن التاسع عشر الذي ألهم دوستويفسكي لكتابة روايته "الشياطين". وكما كتب جيفارا إلى صديق له عام 1957: "إنّ تدريبي الأيديولوجي يعني أنني من أولئك، الذين يؤمنون بأنّ حلّ مشاكل العالم يكمن خلف الستار الحديدي"... لقد كان معجباً كبيراً بالثورة الثقافية في الصين. ووفقاً للفيلسوف الفرنسي ريجيس دوبريه، "فهو، وليس فيدل، مَنْ ابتكر عام 1960 أول معسكر عمل قسري في كوبا"، أو ما يسميه الأمريكيون معسكر عمل عبودي، ويسميه السوفيت معسكر غولاغ".
إنّ هذا الاستقطاب تحديداً هو ما يُسبّب هذه الآراء المتباينة حول تشي جيفارا. فإنه لم يكن مجرد مؤيد، بل كان "فرقة موت"، أي في جوهره اغتيالات حكومية. كما ساهم في إنشاء معسكرات العمل القسري، وكانت له علاقات وثيقة بالاتحاد السوفيتي. ومع ذلك، في كل صراع تمردي، يُعتبر إرهابياً في نظر بعض الباحثين ومناضلاً من أجل الحرية في نظر آخرين.
يبدو أن جندي الثورة المتعصب، الذي لا يرحم، والجلاد المسؤول عن عمليات الإعدام بإجراءات شكلية، شأنه شأن البلاشفة سابقاً، لم يدرك أن تجاهل القانون ومحاولة خلق إنسان جديد بطريقة متسارعة هما، في واقع الأمر، المبرر الرئيسي للاستبداد والإرهاب. ومع ذلك فإن غيفارا ليس مجرد شخص، بل نتاج لبيئة القرن العشرين الملتهبة بالحروب الباردة والصراعات الأيديولوجية. إنه يتجاوز الاختزال إلى ثنائية "الخير والشر المطلق"؛ فهو نموذج للثائر، الذي يحمل نبل الغايات وقسوة الوسائل في آن واحد.

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1040 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع