رسالة مريم رجوي إلى غوتيريش: من الإدانة إلى المساءلة الدولية

سعاد عزيز

رسالة مريم رجوي إلى غوتيريش: من الإدانة إلى المساءلة الدولية

لم تكن رسالة مريم رجوي إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026، مجرد نداء لوقف الإعدامات في إيران، بل حملت قراءة سياسية واضحة لطبيعة المرحلة التي يمر بها النظام الإيراني، ومحاولة لنقل ملف القمع من دائرة الإدانات الحقوقية إلى دائرة المساءلة الدولية.

جاءت الرسالة في توقيت بالغ الحساسية، في ظل ما تصفه رجوي بتصعيد غير مسبوق في الإعدامات والاعتقالات والتعذيب والاختفاء القسري، ولا سيما بحق المعارضين والمشاركين في الاحتجاجات. ووفق الأرقام الواردة في الرسالة، بلغ عدد الإعدامات المسجلة خلال الفترة من 20 مارس/آذار 2025 إلى 19 مارس/آذار 2026 نحو 2657 حالة، بزيادة كبيرة مقارنة بالسنوات السابقة. كما تشير إلى إعدام 46 سجينا سياسيا منذ مارس 2026.
لكن أهمية الرسالة لا تكمن في الأرقام وحدها، وإنما في التفسير السياسي الذي تقدمه لها. فرجوي ترى أن الإعدام لم يعد مجرد عقوبة جنائية، بل تحول إلى أداة تستخدمها السلطة لردع المجتمع ومنع تجدد الاحتجاجات. وتربط بين تصاعد الإعدامات وبين ما تعتبره خشية النظام من موجات احتجاج جديدة تهدد استقراره.
من الإدانة إلى المحاسبة
المحور الأبرز في الرسالة هو دعوتها إلى تجاوز مرحلة البيانات والإدانات نحو بناء آلية دولية للتحقيق والمساءلة. فهي تطالب الأمم المتحدة بإنشاء آلية مستقلة لجمع الأدلة وتحديد المسؤولين، وإنهاء الإفلات من العقاب، إلى جانب إحالة ملفات الجرائم الخطيرة إلى الجهات الدولية المختصة، وممارسة الولاية القضائية العالمية حيثما أمكن.
وهذا التحول مهم سياسيا؛ لأن الإدانات الدولية، مهما كانت قوية، لا تعني بالضرورة أن المسؤولين عن الانتهاكات سيواجهون تبعات قانونية. أما جمع الأدلة وتحديد المسؤوليات فينقل القضية من مجرد التوثيق إلى بناء ملفات يمكن استخدامها في إجراءات قضائية مستقبلية.
ومن هنا يمكن فهم اختيار غوتيريش تحديدا. فالرسالة تطلب منه قيادة مبادرة بالتعاون مع الجمعية العامة ومجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان والدول الأعضاء. أي أنها لا تتعامل مع الإعدامات كملف حقوقي منفصل، وإنما كقضية تستدعي تحركا دوليا متعدد المستويات.
استدعاء عام 1988
أحد أهم أبعاد الرسالة هو الربط بين القمع الحالي ومجزرة السجناء السياسيين عام 1988. ففرجوي تعتبر أن عدم محاسبة المسؤولين عن الجرائم السابقة ساهم في استمرار نمط الإفلات من العقاب، وتستند في ذلك إلى تقارير وآليات أممية دعت إلى التحقيق والمساءلة.
سياسيا، يحمل هذا الربط رسالة واضحة: الماضي، في نظر رجوي، ليس ملفامغلقا، لأن غياب العدالة عن الجرائم السابقة يمكن أن يجعل تكرار الانتهاكات أكثر احتمالا. ولذلك فإن المطالبة بالتحقيق في أحداث 1988 تتداخل في الرسالة مع المطالبة بحماية السجناء والمتظاهرين في الحاضر.
الحرب لا تبرر القمع
تتوقف الرسالة كذلك عند استغلال ظروف الحرب لتسريع الإجراءات الأمنية والقضائية بحق من تصفهم السلطات بأنهم متعاونون مع العدو. وتورد تصريحات لمسؤولين إيرانيين تحدثوا عن إجراءات استثنائية وسريعة في التعامل مع هذه الملفات.
وهذه النقطة تكتسب أهمية خاصة، لأن تحويل حالة الحرب إلى مبرر لتقليص ضمانات المحاكمة أو توسيع نطاق الاتهامات الأمنية قد يجعل المعارضة السياسية نفسها جزءا من مفهوم "العدو". وهنا تحاول الرسالة أن تضع المجتمع الدولي أمام سؤال أساسي: هل يمكن أن تصبح الحرب الخارجية غطاء لتوسيع القمع الداخلي؟
تغيير كلفة القمع
الأكثر وضوحا في المطالب السبعة هو الدعوة إلى ربط العلاقات الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية مع إيران بوقف الإعدامات وقتل المتظاهرين.
وهذا يعني الانتقال من سياسة تقوم على الإدانة إلى محاولة جعل الانتهاكات ذات كلفة سياسية ودبلوماسية. فالمسألة، وفق منطق الرسالة، لا تتعلق فقط بإنقاذ سجناء مهددين بالإعدام، وإنما بتغيير البيئة التي تسمح باستمرار الانتهاكات من دون تبعات دولية ملموسة.
الرسالة والشارع الإيراني
تضع رجوي الإعدامات ضمن سياق أوسع من الاحتجاجات والقمع. فهي تشير إلى سقوط أعداد كبيرة من القتلى واعتقال عشرات الآلاف خلال موجات احتجاج سابقة، وتربط بين القتل والاعتقالات والمحاكمات والإعدامات بوصفها حلقات متتابعة في مسار واحد.
ومن هذه الزاوية، فإن الرسالة لا تطلب فقط وقف تنفيذ أحكام الإعدام، بل تسعى إلى كسر دورة كاملة تبدأ بالاحتجاج وتنتهي بالمحاكمة والإعدام، بينما يبقى المسؤولون عن الانتهاكات بمنأى عن المساءلة.
ماذا تريد الرسالة أن تحقق؟
يمكن قراءة رسالة رجوي على ثلاثة مستويات: أولا، الضغط العاجل لمنع إعدام السجناء السياسيين والمحتجين؛ وثانيا، تدويل ملف المساءلة عبر آلية مستقلة للتحقيق وجمع الأدلة؛ وثالثا، دفع الحكومات إلى إعادة النظر في طبيعة علاقاتها مع طهران بحيث تصبح حقوق الإنسان والإعدامات جزءا من الحسابات السياسية والدبلوماسية.
وفي هذا السياق، فإن الرسالة تطرح على الأمم المتحدة سؤالا يتجاوز حالة إيران نفسها: ماذا يمكن أن تفعل المؤسسات الدولية عندما تصبح الإدانات المتكررة عاجزة عن وقف الانتهاكات؟
الخلاصة
تكمن أهمية رسالة مريم رجوي إلى غوتيريش في أنها تحاول إعادة صياغة النقاش الدولي حول إيران من سؤال "هل تقع انتهاكات؟" إلى سؤال "من المسؤول، وكيف يمكن محاسبته؟".
وهذا هو جوهر الرسالة السياسي. فهي تطالب بالانتقال من التوثيق إلى المساءلة، ومن الإدانة إلى إجراءات يمكن أن تؤثر في حسابات السلطة.
ومهما كانت المواقف السياسية المختلفة من رجوي ومنظمة مجاهدي خلق الإيرانية، فإن القضية التي تضعها الرسالة أمام المجتمع الدولي واضحة: إذا استمرت الإعدامات والقمع من دون آليات فعالة للتحقيق والمحاسبة، فإن خطر تكرار الانتهاكات سيظل قائما. ولذلك فإن اختبار الرسالة الحقيقي لن يكون في مضمونها وحده، وإنما في مدى قدرة المؤسسات الدولية والدول الأعضاء على تحويل مطالبها المتعلقة بحماية السجناء والتحقيق والمساءلة إلى إجراءات عملية.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

908 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع