‏حين يصبح السؤال أهم من الجواب...

بقلم إبراهيم المحجوب

‏حين يصبح السؤال أهم من الجواب...

في حياتنا أسئلة كثيرة نبحث لها عن أجوبة، ونظن أن الوصول إلى الإجابة هو نهاية الطريق، لكننا نكتشف مع مرور الزمن أن بعض الأسئلة لا تنتهي بإجابة، بل تبدأ منها رحلة جديدة نحو الفهم والمعرفة. فالسؤال الحقيقي ليس مجرد كلمات نضعها في نهاية جملة، وإنما هو نافذة يطل منها الإنسان على ذاته وعلى العالم من حوله.

قد يكون الجواب سهلا ومتاحا، وقد نجده في كتاب أو تجربة أو حديث عابر، لكن السؤال العميق يحتاج إلى عقل يتأمل وقلب لا يخشى الحقيقة. ولهذا فإن السؤال أحيانا يكون أهم من الجواب، لأن الجواب قد يمنحنا نتيجة مؤقتة، بينما السؤال الجيد يمنحنا طريقا طويلا من البحث والتفكير.

وأحيانا نسأل الحاضر عن المستقبل من خلال ذكرياتنا وتجاربنا السابقة، فنحاول أن نستشرف ما سيأتي اعتمادا على ما عشناه بالأمس. لكن إجابات الذاكرة ليست دائما عادلة بحقنا، فكثير من تصرفات الإنسان في مراحل عمره الأولى تكون وليدة العفوية أو الاندفاع أو ما يمكن تسميته بمرحلة اللاوعي، حيث يتصرف الإنسان دون أن يمتلك الإدراك الكامل لعواقب أفعاله. ثم يأتي اليوم الذي يقف فيه أمام تلك الذكريات وهو أكثر وعيا ونضجا، فيعيد طرح الأسئلة نفسها، لكنه هذه المرة يسأل بعقل مختلف وإدراك أكثر اكتمالا. لذلك قد تكون بعض الإجابات التي نستخرجها من الماضي سلبية أو قاسية، لا لأنها تعبر عن حقيقتنا الحالية، وإنما لأنها تنتمي إلى إنسان كنا عليه ولم نعد كما كنا. فالإنسان لا يبقى نسخة واحدة من نفسه، بل يتغير مع العمر والتجربة والألم والمعرفة، ولهذا لا ينبغي أن نحاكم وعينا الحالي دائما بأخطاء وعي قديم لم يكن قد اكتمل بعد.

كم من إنسان عاش سنوات طويلة وهو يردد أجوبة ورثها عن الآخرين دون أن يسأل نفسه: هل هذه الأجوبة تناسب حياتي وتجربتي؟ وكم من فكرة ظلت ثابتة في عقول أصحابها لأن أحدا لم يجرؤ على طرح السؤال حولها؟ إن بداية الوعي لا تكون دائما عندما نعرف، بل قد تكون عندما نشك فيما نعرف ونسأل من جديد.

السؤال هو الذي يدفع الطفل إلى اكتشاف العالم، وهو الذي يدفع الباحث إلى المختبر، والكاتب إلى الورقة، والمفكر إلى التأمل، والإنسان إلى مراجعة نفسه. ولولا السؤال لما تطورت المعرفة، ولما تغيرت كثير من المفاهيم التي ظلت أجيالا طويلة حبيسة العادة والتكرار.

وأحيانا لا يكون السؤال موجها إلى الآخرين، بل يكون موجها إلينا نحن. من أنا؟ ماذا فعلت في حياتي؟ ماذا تركت خلفي؟ هل كنت عادلا مع من أحببت؟ هل قلت كلمة طيبة في الوقت الذي كان فيه الآخر بحاجة إليها؟ هل ظلمت إنسانا دون أن أشعر؟ وهل كانت الأشياء التي ركضت خلفها تستحق كل ذلك التعب؟

هذه الأسئلة قد تكون أقسى من أي جواب، لأنها تضع الإنسان أمام نفسه دون أقنعة. فالآخرون قد يصدقون الصورة التي نقدمها عن أنفسنا، أما الإنسان فلا يستطيع أن يهرب طويلا من الحقيقة التي يعرفها في داخله.

وفي المجتمعات أيضا، قد يكون السؤال أهم من الإجابة. عندما يسأل الناس عن سبب تراجع التعليم، أو عن غياب الثقافة، أو عن اتساع الفقر، أو عن ضياع بعض القيم، فإن السؤال الصادق قد يكون بداية الإصلاح. أما تقديم إجابات جاهزة لتسكين القلق، دون البحث عن الأسباب الحقيقية، فإنه لا يغير شيئا.

ولعل أجمل ما في الأسئلة أنها تجعلنا نعيد قراءة حياتنا من جديد. فقد نكتشف أن بعض القرارات التي كنا نظنها أخطاء لم تكن سوى دروس، وأن بعض الخسارات كانت بداية لنضج لم نكن نمتلكه في ذلك الوقت، وأن الإنسان كثيرا ما يحتاج إلى سنوات طويلة حتى يفهم نفسه ويقرأ ماضيه بعين الحاضر. ولهذا فإن الوعي لا يلغي الماضي، لكنه يمنحنا القدرة على تفسيره بصورة مختلفة..

ليس المطلوب أن نملك جوابا لكل شيء. فالحياة أكبر من أن تختصر في مجموعة من الإجابات النهائية. هناك أشياء نفهمها مع العمر، وأشياء لا نفهمها إلا بعد أن نخسرها، وأشياء تبقى معلقة في ذاكرتنا حتى آخر العمر.

وربما أجمل ما في السؤال أنه يبقي الإنسان حيا من الداخل. فحين يتوقف الإنسان عن السؤال، يبدأ بالتوقف عن البحث، وحين يتوقف عن البحث، قد تتحول حياته إلى مجرد تكرار لما عاشه الآخرون قبله.

لذلك لا أخاف من السؤال الذي لا أملك له جوابا، بقدر ما أخاف من جواب جاهز يمنعني من طرح السؤال مرة أخرى. فبعض الأجوبة تغلق الأبواب، بينما بعض الأسئلة تفتح لنا أبوابا لم نكن نعرف أنها موجودة.

وفي نهاية الطريق، قد لا يكون أهم ما جمعناه من الحياة هو عدد الأجوبة التي عرفناها، بل عدد الأسئلة التي جعلتنا أكثر وعيا بأنفسنا، وأكثر فهما للآخرين، وأكثر قدرة على رؤية الأشياء خارج حدود ما تعودنا عليه.

‏فحين يصبح السؤال أهم من الجواب، لا يعني ذلك أننا نرفض الإجابة، بل يعني أننا تعلمنا أن المعرفة ليست محطة أخيرة، وإنما رحلة لا تنتهي، وأن الإنسان الحقيقي هو من يملك شجاعة السؤال، ونزاهة البحث، وتواضع الاعتراف بأنه مهما عرف، ما زال هناك الكثير مما يجهله.

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

916 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع