الجمعية العامة ٨١ منصة لرقصات الحرب والابادة الجماعية

صباح البغدادي

الجمعية العامة ٨١ منصة لرقصات الحرب والابادة الجماعية

الإعلام، بكل أطيافه واتجاهاته " الحكومي، الحزبي، التجاري" ، وحتى ذلك الذي يدّعي الحياد ؟ ما يزال عاجزاً عن قول الحقيقة كما هي، خائفاً من كشفها للناس بلا رتوش، وكأن الحقيقة قنبلة محرّمٌ الاقتراب منها . لكننا في هذا المقال، وضمن هذا السياق تحديداً، سنجرؤ على ما لم يجرؤ عليه أحد وسنقرأ خطاب رؤساء الدول من على منصة الأمم المتحدة عكس التيار، وخارج السردية المصقولة التي يحاول هذا الإعلام أن يرسّخها في العقل الجمعي، سردية تُصاغ بعناية لتخدير الجمهور وايهامه بأن ما يُقال هناك هو ذروة الحكمة السياسية وعمق الدبلوماسية العالمية. فالمنصة التي يُفترض أنها منبر الإنسانية، تحوّلت تدريجياً إلى مسرحٍ ضخم لتقديم مهرجانات استعراضية، وعروض فلكلورية عسكرية، ورقصات حربٍ وإبادة جماعية تُقدَّم بلباقة دبلوماسية، وكأن العالم يشاهد احتفالاً لا اعترافاً بالدماء. تُرفع الشعارات، تُلوّح الأعلام، تُطلق الوعود، بينما الحقيقة تُدفن تحت طبقات من الخطاب المنمّق الذي لا يجرؤ الإعلام على خلخلته أو مساءلته. ولأن الإعلام اختار الصمت أو التجميل، سنختار نحن أن نكسر هذا القالب، أن نقرأ ما وراء الكلمات، أن نكشف ما يُقال وما لا يُقال، وأن نعيد للمنصة معناها الحقيقي: مكاناً لمساءلة عنجهية واستكبار السلطة، لا للاحتفال بها.

على منصةٍ يُفترض أنها منبر الإنسانية، حيث تجتمع دول العالم لمداواة جراح الفقر والمناخ والحروب، تحوّل بعض القادة الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى خشبة مسرح لتقديم رقصات الحرب بدل أن تكون ساحةً للسلام. ما كان يفترض أن يكون خطابًا عن التنمية والعدالة، انقلب إلى استعراض صاخب للقوة والتهديد والإبادة. فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بدل أن يقدّم رؤية لإنهاء الصراع، وقف أمام العالم ملوّحًا بـ «إبادة إيران» إذا لم تُوقّع اتفاقًا، وكأن الأمم المتحدة أصبحت منصةً لإعلان خيارات الإبادة الجماعية لا منصةً لحماية الشعوب. خطابٌ يخلط بين الدبلوماسية والتهديد النووي، ويحوّل لغة السياسة إلى قاموسٍ من النار والبارود. أما الرئيس الإيراني بزشكيان، فلم يتأخر في الردّ، معلنًا أن بلاده لن تركع، وأنها مستعدة لتوجيه ضربات «أشد قسوة ولا يمكن التنبؤ بها» وهكذا، بدل أن تُطفئ الأمم المتحدة حرائق المنطقة، تحوّل خطابها إلى مبارزة كلامية بين زعيمين يتبادلان رسائل الحرب على مرأى العالم.

إنّ ما شهدناه ليس نقاشًا دوليًا، بل مسرحية تهديدات تُعرض على منصةٍ كان يجب أن تكون ملاذًا للسلام. منبر الأمم المتحدة، الذي وُلد ليكون صوتًا للضعفاء، أصبح في هذه اللحظة ساحةً لتبادل الوعيد، واستعراض العضلات، وتقديم عروض سياسية أشبه برقصةٍ على حافة الهاوية.
في الدورة الـ81 لأعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة ـــ بدأت المناقشة العامة يوم الثلاثاء 22 أيلول، وتستمر حتى يوم الســـبت 26 أيلول وتتم يوم الاثنين 28 أيلول ـــ التي يفترض أنها تناقش أبرز الأزمات الدولية والتحديات السياسية والاقتصادية والإنسانية، يواصل الإعلام—بمختلف توجهاته، وبمختلف مصالحه، وبمختلف الجهات التي تمسك بخيوط لعبته الخفية والعلنية —ترويج رواية براقة عن “جهود المجتمع الدولي” و”الاجتماعات المصيرية”، بينما الحقيقة التي يحاولون إخفاءها، والتي تُدفن عمداً تحت طبقات من الخطاب الدبلوماسي المعلّب، هي أن هذه الاجتماعات أشبه بمهرجانات فلكلورية تُرفع فيها الشعارات والأعلام وتُلتقط فيها الصور أكثر مما تُصاغ فيها حلول، وأنها تتحول إلى مسرح ضخم تُعرض فيه القوة لا المسؤولية، والهيمنة لا العدالة، والرمزية لا الفعل، وتُعزف فيها موسيقى البروتوكول أكثر مما يُستمع لصوت الشعوب , بل إن هذه الاجتماعات، التي يُفترض أنها منصّة لإنقاذ العالم من أزماته، تتضمن عروضاً عسكرية للرقصات الحرب والإبادة، تُقدَّم بلباسٍ دبلوماسي أنيق، وكأنّ العالم يشاهد استعراضاً احتفالياً لا علاقة له بالدمار الحقيقي الذي يعيشه المواطن في حياته اليومية. تُعرض فيها “رقصات الحرب” على شكل بيانات نارية، و“الإبادة” على شكل صمت دولي متواطئ، وكل ذلك يجري على حساب التنمية الاجتماعية والاقتصادية للمواطن، الذي يُطلب منه أن يصفّق للخطابات بينما تُنهب موارده، وأن يثق بالوعود بينما تتآكل حقوقه، وأن ينتظر “حلول المجتمع الدولي” بينما تُدار أزماته كأنها جزء من مسرحية عالمية طويلة لا تنتهي.
إنها دورة جديدة من دورات الأمم المتحدة، لكنها تشبه دورات سابقة: الكثير من الكلام، الكثير من الاستعراض، الكثير من التظاهر بالمسؤولية، والقليل جداً من الفعل الحقيقي الذي يغيّر حياة البشر خارج القاعات المكيّفة و وتقديم مهرجانات الفلكلورية العسكرية حيث تتبدّل الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى خشبة عرضٍ يقف عليها الرئيس الأميركي دونالد ترمب كما يقف قائدٌ فوق منصة عسكرية، لا منصة دبلوماسية. هنا، في هذا الفضاء الأممي الذي يُفترض أن يكون بيتًا للحلول، يرفع الرئيس "ترمب" خطابًا مشبعًا بلغة الجبروت، يلوّح فيه بالقوة الأميركية كما لو أنها العصا السحرية التي تُعيد تشكيل العالم، ويقدّم رسائل تهديدية لإيران، معلنًا أنها “الراعي الأول للإرهاب”، وأنه قادر على “إنهاء الحرب في أوكرانيا أسرع مما يتوقع الجميع”، وأن اقتصاد بلاده “موضع حسد العالم” هكذا تتحوّل الجمعية العامة، في لحظة واحدة، من منصة أممية إلى مسرح استعراض للقوة، تُرفع فيه الشعارات العسكرية فوق رؤوس الدبلوماسيين، وتُطلق فيه التصريحات النارية كما تُطلق القذائف، ويُعاد رسم خرائط العالم بخطابات لا تُسمن ولا تُغني من جوع. ترمب لا يخاطب العالم فحسب؛ بل يخاطب الداخل الأميركي أيضًا، ليقدّم نفسه بصورة “القائد الذي لا يهاب”، القائد الذي يملك جيشًا، وصواريخ، ومصانع ذخيرة جديدة ويملك القدرة على فرض إرادته على خصومه وحلفائه على حدّ سواء , ولكن وسط هذا الضجيج العسكري المغلّف بربطات العنق والبدلات الرسمية، يبرز السؤال الأكثر وجعًا، السؤال الذي لا يُطرح على المنصة، ولا يرد في أي بيان، ولا يُذكر في أي خطاب: " خطاب الرئيس ترمب من على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة، تؤكد أنه يركّز — كما يفعل عادة في مثل هذه المحافل — على إبراز جبروت الإمبراطورية العسكرية الأميركية وتقديمه باعتباره الركيزة التي يقف عليها نفوذ الولايات المتحدة في العالم، بوصفه القائد العام للقوات المسلحة " .
في الأسبوع السياسي الساخن لمهرجانات الفلكلورية العسكرية، تتبدّل الجمعية العامة للأمم المتحدة من فضاءٍ يُفترض أن يكون منصة لحلّ الأزمات إلى مسرحٍ ضخم تُعرض فيه القوة كما تُعرض البضائع في الأسواق، وتُرفع فيه الرايات كما تُرفع الستائر في عروض السيرك السياسي العالمي. هنا، في هذا الفضاء الأممي الذي يُفترض أن يكون بيتًا للسلام، تتقدّم لغة الجبروت العسكري على لغة الدبلوماسية، وتعلو نبرة التهديد فوق نبرة الحوار، وتتحوّل المنصة إلى ساحة استعراض للقوة، لا ساحة بحث عن حلول.
القادة يتوافدون واحدًا تلو الآخر، وكلٌّ منهم يحمل خطابه كما يحمل المقاتل سلاحه، يلوّح به، يهدّد، يرفع سقف الكلام، ويُسقط سقف الأمل. تُطلق التصريحات النارية كما تُطلق القذائف، وتُقدّم “الرسائل الواضحة” كما لو أنها أوامر عسكرية، ويُعاد رسم خرائط العالم بخطابات لا تُسمن ولا تُغني من جوع.
وفي خضم هذا الضجيج العسكري المغلّف بربطات العنق والبدلات الرسمية، يبرز السؤال الأكثر وجعًا، السؤال الذي لا يطرحه أحد على المنصة، ولا يرد في أي بيان، ولا يُذكر في أي خطاب: أين المواطن من كل هذا؟ و أين يقف المواطن — ذاك الإنسان الذي يعيش تحت وطأة الأزمات، يدفع ثمن الحروب، يتحمّل تبعات القرارات، ويُطلب منه أن يصفّق بينما تُنهب موارده؟ أين يقف المواطن الذي لا يملك منصة يخطب منها، ولا جيشًا يستعرضه، ولا كاميرات تلاحقه، ولا وفودًا تصفق له؟ أين يقف المواطن الذي يريد فقط حياةً بلا قصف، بلا تهجير، بلا جوع، بلا خوف، بلا استعراضات قوة تُقام فوق رأسه؟ .
في هذا الأسبوع السياسي الساخن، يبدو أن العالم كلّه منشغل بعروض القوة، بينما المواطن — في غزة، في السودان، في الضفة، في أوكرانيا، في كل مكان من بقاع الأرض — يقف خارج القاعة، ينتظر أن يتذكّره أحد، ينتظر أن يتوقف هذا الاستعراض ولو للحظة، ينتظر أن يُسمع صوته وسط هدير الخطابات ولكن هدير القوة أعلى وصوت المواطن أخفض و منبر الأمم المتحدة ما يزال طوال عقوده الماضية تبدو أقرب إلى مسرح استعراض منها إلى منصة حلول.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

723 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع