
روبيرت ملحم / كاتب وصحفي
عراقجي على طاولة ويتكوف.. وأصوات الاعتراض ترتفع في طهران
لم يكن اللقاء الذي جمع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بالمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف في نيويورك مجرد محطة جديدة في مسار الاتصالات بين طهران وواشنطن، بل تحول سريعاً إلى اختبار داخلي لطريقة إدارة النظام الإيراني لعلاقته مع الولايات المتحدة، وكشف عن حجم التباين داخل دوائر القرار الإيرانية بشأن حدود التفاوض وما يمكن أن تقدمه الدبلوماسية الإيرانية في هذه المرحلة.
فاللقاء، الذي جرى على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، حمل دلالة سياسية كبيرة بحد ذاته، إذ إن مجرد جلوس وزير الخارجية الإيراني إلى طاولة واحدة مع مسؤول أميركي بهذا المستوى يؤكد أن قناة الاتصال بين الطرفين لا تزال مفتوحة، رغم التصعيد والتوتر والضغوط المتبادلة. لكن ردود الفعل التي صدرت من داخل إيران بعد اللقاء أظهرت أن المشكلة بالنسبة إلى طهران لا تتعلق فقط بما إذا كانت ستتفاوض مع واشنطن، وإنما أيضاً بمن يملك حق تحديد شروط التفاوض، وما هي حدود التفويض الممنوح لوزير الخارجية.
وقد تعرض عراقجي لانتقادات من شخصيات ووسائل إعلام محسوبة على التيار المتشدد، بسبب اللقاء المباشر مع ويتكوف، مع طرح تساؤلات حول طبيعة التفويض الذي حصل عليه لإجراء مثل هذه المحادثات. وهذه الانتقادات تكشف أن السياسة الإيرانية تجاه واشنطن ليست قراراً دبلوماسياً خالصاً، وإنما تخضع لتوازنات معقدة بين الحكومة ووزارة الخارجية والمؤسسات الأمنية والعسكرية ومراكز القوة السياسية داخل النظام.
وتزداد أهمية هذه الخلافات في ظل الظروف الإقليمية المتوترة، خصوصاً مع تحول مضيق هرمز إلى إحدى أهم أوراق الضغط في المواجهة بين طهران وواشنطن. فإيران تربط أي خطوة باتجاه إعادة فتح المضيق أو تخفيف القيود المفروضة على حركة الملاحة بمجموعة من الشروط السياسية والعسكرية والاقتصادية، بينما تحاول الولايات المتحدة استخدام الضغوط لإجبار طهران على تقديم تنازلات في ملفات عدة.
وفي هذا السياق، يجد عراقجي نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد. فمن جهة، يحتاج النظام الإيراني إلى قناة تفاوضية مع واشنطن لتخفيف الضغوط وفتح المجال أمام حلول سياسية واقتصادية. ومن جهة أخرى، فإن أي تنازل يمكن أن يفسر داخل إيران على أنه تراجع أمام الولايات المتحدة قد يتحول إلى أزمة سياسية داخلية ويضع الحكومة ووزير الخارجية في مواجهة القوى الأكثر تشدداً.
وهنا تكمن أهمية لقاء نيويورك. فالرسالة التي خرجت من اللقاء لم تكن موجهة إلى واشنطن وحدها، وإنما إلى الداخل الإيراني أيضاً. عراقجي يحاول أن يقول إن الدبلوماسية لا تزال قادرة على فتح الأبواب المغلقة، بينما تحاول القوى المتشددة التأكيد أن أي تفاوض يجب أن يبقى محكوماً بسقف سياسي وأمني صارم، وأن وزارة الخارجية لا تستطيع وحدها تحديد اتجاه السياسة الإيرانية تجاه الولايات المتحدة.
ومن ثم، فإن الخلاف الظاهر حول لقاء عراقجي وويتكوف يمكن قراءته باعتباره انعكاساً لصراع أوسع حول إدارة الأزمة مع واشنطن. فهناك من يرى في التفاوض أداة لتخفيف الضغوط وتحقيق مصالح إيرانية، في حين تخشى قوى أخرى من أن يتحول التفاوض إلى مسار يقدم تنازلات لا تتناسب مع حسابات النظام الأمنية والاستراتيجية.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن النظام الإيراني منقسم بالكامل أو أن هناك صراعاً حاسماً بين مؤسساته، لكن المؤشرات المتاحة تظهر بوضوح وجود تباين في تقدير كيفية التعامل مع الولايات المتحدة، وفي مستوى الصلاحيات التي ينبغي منحها للقيادة الدبلوماسية. وهذه التباينات تصبح أكثر وضوحاً عندما تنتقل المفاوضات من الاتصالات السرية إلى لقاءات مباشرة يمكن أن تثير ردود فعل سياسية وإعلامية داخل إيران.
لقاء عراقجي وويتكوف في نيويورك، قد يكون أكثر أهمية بالنسبة إلى السياسة الداخلية الإيرانية مما يبدو للوهلة الأولى. فالاختبار الحقيقي لن يكون في قدرة الطرفين على الجلوس إلى طاولة واحدة، وإنما في قدرة عراقجي والحكومة الإيرانية على الحصول على مساحة سياسية كافية للاستمرار في التفاوض، وفي الوقت نفسه إقناع مراكز القوة داخل النظام بأن الحوار مع واشنطن لا يعني التخلي عن الثوابت التي يصر النظام على التمسك بها.
وهكذا يكشف لقاء نيويورك مفارقة السياسة الإيرانية الحالية: طهران تحتاج إلى التفاوض، لكنها تخشى من تبعاته السياسية الداخلية؛ تريد تخفيف الضغوط، لكنها لا تريد الظهور بمظهر الطرف المتراجع؛ وتحتاج إلى الدبلوماسية، لكنها لا تمنح الدبلوماسيين مساحة مفتوحة للتحرك. وبين هذه التناقضات يتحرك عباس عراقجي، حاملاً رسائل إلى واشنطن، لكنه في الوقت نفسه مطالب بتفسير كل خطوة أمام مراكز القوة داخل طهران. وهذه المعادلة قد تكون العامل الأكثر تأثيراً في تحديد مستقبل أي مفاوضات إيرانية ـ أميركية قادمة.

882 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع