الحياء الوطني ... الوجع الذي غاب

د.سعد العبيدي

الحياء الوطني... الوجع الذي غاب


في عراقنا الحالي، لم تعد أخبار السرقات الكبرى تثير الدهشة. مليارات تختفي، وعقود تُنهب، ومشاريع تتعثر، ومال عام يُعامل كأنه مجهول المالك. تتكرر الفضائح حتى تكاد تفقد صفتها كفضائح، ويصبح السؤال عن الجهة السياسية التي حظيت بنصيبها من السرقة أقل حضورًا من السؤال عن حجمها. حال مؤلم، والأشد إيلامًا أن هذه الفضائح لا يقابلها غضب اجتماعي يوازي حجمها. يسمع الناس الخبر، يتداولونه قليلًا، يطلقون نكتة مريرة، ثم تمضي الحياة من دون احتجاج واسع، ولا شعور يومي بالمهانة أمام النفس والعالم. كأن ما يجري صار جزءًا من المشهد، أو قدرًا يدفع إلى التكيّف لا إلى الرفض. وهنا تكمن المشكلة؛ مشكلةٌ لا تقتصر على الفاسد، وإنما تمتد إلى خلل يصيب شعور المجتمع بذاته. فعندما يضعف إحساس الإنسان بأن وطنه جزءٌ من كرامته وهويته، يصبح تدهور سمعته خبرًا لا جرحًا، وتتكرر الإهانات العامة من دون أن توقظ شعورًا بالخجل أو الرفض. عندئذ نكون أمام مشكلة أو حالة يمكن تسميتها فقدان الحياء الوطني.
والحياء الوطني ليس خجلًا فرديًا، ولا انكماشًا أو صمتًا أمام الآخرين، وإنما حسٌ أخلاقيٌ جمعي يجعل الإنسان يرى كرامة وطنه جزءًا من كرامته الشخصية، ويشعر بالإساءة إليه كما يشعر بالإساءة إلى بيته وأسرته. لذلك، حين يشيع أن بلده غارق في الفساد، وأن مسؤوليه ينهبون المال العام، يشعر من بقي محتفظًا بالحياء الوطني بأن شيئًا من كرامته قد مُسّ أيضًا.
أما حين يتآكل هذا الشعور، فإن الفساد يغدو علامة على ضمور العلاقة النفسية بين الإنسان ووطنه، ويتحول الوطن من بيت تُصان كرامته إلى مساحة للعيش أو مورد للرزق. عندئذ يتغير السؤال من: لماذا يسرق المسؤول؟ إلى: لماذا لا يخجل المجتمع من أن تكون السرقة عنوانًا لبلده؟ وتكون المشكلة ليس في كثرة السراق، وإنما في قلة الخجل من السرقة، وفي أن يكف أبناء الوطن عن الشعور بأن سمعته جزء من كرامتهم... حالة إذا شاعت في السلوك العام، كما هو حاصل الآن، فإن شيوعها دليلٌ على أن الوعي بدأ يتعفن. والتعفن، بهذا المعنى المجازي، فسادٌ في خزين الوعي المعرفي؛ لا يظهر في قبول الخطأ وحده، وإنما في فقدان الإحساس بأن الخطأ خطأ. ولا في انتشار الفساد فحسب، وإنما في اعتياده، واستبدال الغضب بالنكتة، والرفض بالتبرير، والاحتجاج بالصمت، حتى يتخدر الضمير الوطني شيئًا فشيئًا، ويغدو الانحدار أمرًا مألوفًا.
إن الحياء الوطني، ذلك الوجع النبيل الذي نشعر به حين يُهان وطننا، وتُسرق ثروتنا، وتُكسر كرامة فقرائنا، وتُحوَّل مؤسساتنا إلى أسواق للغنائم، قد غاب. وبغيابه لم نعد أمام أزمة إدارة أو سياسة فحسب، وإنما أمام حالة من تعفن الوعي الجمعي؛ حالة جعلتنا نرى الخراب ولا نرتجف، ونسمع الإهانة ولا نخجل، ونعتاد ما كان ينبغي أن نرفضه، حتى غدا الانحدار أمرًا مألوفًا، وأصبح الدفاع عن الوطن موقفًا تتبناه قلة، بعد أن كان شعورًا فطريًا تتقاسمه الأغلبية.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

2610 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع