من كرمانشاه إلى طهران ... تاريخ يؤكد أن التغيير في إيران لم يتوقف

نزار جاف

من كرمانشاه إلى طهران ... تاريخ يؤكد أن التغيير في إيران لم يتوقف

على الرغم من مرور ثمانية وثلاثين عاما على عملية الضياء الخالد، التي تمكن خلالها جيش التحرير الوطني الإيراني من تحرير مساحات واسعة داخل إيران والوصول إلى مشارف مدينة كرمانشاه، حتى بات على مقربة من تحريرها، فإن النظام الإيراني ما زال يستحضر هذه العملية في خطاباته وبياناته، ولا سيما في المراحل التي يواجه فيها أزمات داخلية أو تحديات مصيرية. وهذا الاستحضار المتكرر يؤكد أن العملية لم تكن حدثا عسكريا عابرا، بل شكلت في نظر النظام تهديدا وجوديا ترك أثرا عميقا في ذاكرته السياسية والأمنية.

لقد كان إعلان خميني آنذاك حالة النفير العام اعترافا عمليا بحجم الخطر الذي واجهه النظام. فقد أدرك أن نجاح العملية كان من شأنه أن يقلب موازين الصراع ويضع بقاء النظام على المحك. وبعد أن تمكنت السلطة من احتواء تلك المواجهة، ساد الاعتقاد لدى قادتها بأنهم تجاوزوا أخطر تهديد يمكن أن يواجههم، وأن مشروع إسقاط النظام قد انتهى إلى غير رجعة.
غير أن ما اعتبره النظام نهاية للصراع لم يكن سوى بداية مرحلة جديدة منه. فقد تجاهل السبب الحقيقي لاستمرار الأزمة، والمتمثل في طبيعة النظام القائمة على الاستبداد والقمع وافتقاده للشرعية الشعبية. ولهذا بقي الصدام بين السلطة والمجتمع قائما، وتعاقبت الانتفاضات والأزمات السياسية والاجتماعية، لتؤكد أن جذوة التغيير لم تنطفئ، وأن عملية الضياء الخالد لم تكن مجرد محطة عسكرية، بل شكلت علامة فارقة في مسار المواجهة بين النظام ومعارضيه.
ولعل أبرز ما أخفق النظام في استيعابه هو أن عملية الضياء الخالد لم تقتصر على بعدها العسكري، بل جسدت إرادة سياسية وشعبية رافضة لسلطة ولاية الفقيه، وعكست وجود استعداد داخلي واسع للتغيير. ولم يكن ما أثار ذعر خميني آنذاك تقدم القوات فحسب، بل أيضا أصداء العملية داخل المجتمع الإيراني وما ولدته من أمل بإمكانية إنهاء حكم النظام، الأمر الذي دفعه إلى حشد كل إمكاناته العسكرية والأمنية لمنع تحول ذلك الأمل إلى واقع.
وتؤكد التطورات الأخيرة أن هذا الهاجس لم يغادر مؤسسات النظام. فقد كشف البيان الرسمي الصادر عن حرس النظام الإيراني بمناسبة الذكرى الثامنة والثلاثين لعملية مرصاد ــ التي يطلقها النظام على المواجهة العسكرية مع عملية الضياء الخالد عام 1988 ــ عن حالة قلق سياسي وأمني واضحة، إذ لم يقتصر البيان على استذكار أحداث الماضي، بل ربطها مباشرة بانتفاضة يناير/كانون الثاني 2026، معترفا بالدور الذي تؤديه شبكات منظمة مجاهدي خلق الإيرانية في الحراك الاحتجاجي داخل البلاد.
ويطرح هذا الربط سؤالا بالغ الدلالة: لماذا تعود أجهزة النظام، بعد مرور ثمانية وثلاثين عاما، إلى التحذير من معركة عسكرية انتهت منذ عقود؟ ولماذا يتحول بيان يفترض أنه للاحتفاء بما يعده النظام "انتصارا" إلى وثيقة أمنية مليئة بالتحذيرات من الاختراق الداخلي والتغلغل والتنظيم؟ إن لغة البيان الصادر في 26 يوليو/تموز 2026، كما تداولته وسائل الإعلام الرسمية، تعكس حجم القلق الذي يسيطر على دوائر الحكم أكثر مما تعكس الثقة أو الشعور بالانتصار.
واللافت أن بيان الحرس الثوري ركز بصورة خاصة على ما وصفه بالنشاط المتنامي لمنظمة مجاهدي خلق داخل إيران، وهو ما ينسجم مع اعترافات رسمية سابقة ربطت بين المنظمة وسلسلة الانتفاضات التي شهدتها البلاد، وآخرها انتفاضة يناير/كانون الثاني 2026. ومن هنا، فإن استدعاء عملية الضياء الخالد في هذا التوقيت لا يبدو مجرد استذكار تاريخي، بل يعكس إدراكا لدى النظام بأن الصراع الذي بدأ قبل عقود ما زال مستمرا، وإن تغيرت أدواته وأساليبه.
ففي عام 1988 واجه النظام جيش التحرير الوطني الإيراني وهو يتقدم عبر الحدود الغربية نحو كرمانشاه، أما اليوم فقد تبدلت طبيعة المواجهة وجغرافيتها. فلم يعد التحدي يتمثل في قوة عسكرية تتحرك على الحدود، بل في شبكات مقاومة منتشرة داخل العمق الإيراني، تعمل في قلب المدن وتستند إلى حالة متنامية من الرفض الشعبي. ومن هنا، فإن انتقال مركز الصراع من كرمانشاه إلى طهران لا يعبر عن تغير جغرافي فحسب، بل عن تحول استراتيجي يؤكد أن قضية التغيير في إيران لم تعد مرتبطة بذكرى من الماضي، وإنما أصبحت جزءا من واقع سياسي يفرض نفسه يوما بعد آخر.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1295 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع