عذرا أيها المعلم

د. وَائِلْ اَلْقَيْسِي

عذرا أيها المعلم

ذات يوم شكى معلم في هذا الزمان _العراقي بامتياز _ أرهقه عسر الحياة وضنك العيش من سوء معاملة الناس له بسبب نظرة المجتمع المعاصرة له.

شكى الفقر وانعدام الحيلة لأن راتبه لا يكفي سداد تكاليف المعيشة، في بلد أمسى رهين المَحْبَسَين: محبس العلوج الغزاة الأمريكان ومحبس أحفاد سابور ذي الأكتاف الذي تم تتويجه ملكا وهو في بطن أمه بعد وفاة أبيه وهي حامل به، وعندما كَبُرَ وقاد الجيوش شنّ حملات بربرية ضد القبائل العربية في أطراف شبه الجزيرة العربية والعراق، التي أغارت على فارس في صغره.

وكانت طريقة العقاب التي اتبعها غيرمألوفة، حيث تُشير الروايات التاريخية إلى أنه كان يخلع أكتاف من قاومه أو يثقبها بطرق وحشية، فسمّاه العرب "ذا الأكتاف".

واليوم عندما صار العراق رهين محبس أحفاد سابور ذي الأكتاف، عمَّ القتل والهرج والمرج وانتشر الفساد في البلاد بكل صنوفه وأنواعه كالنار في الهشيم، فصار السارق شريفاً والقحبة مصونة والمتمتعة محصنة والقاتل بطلاً والمتآمر وجيها والخائن مجاهداً.

أما المعلم الذي تغنى به أحمد شوق قبل قرن من الزمان :

قُم لِلمُعَلِّمِ وَفِّه التَبجيلا

كادَ المُعَلِّمُ أَن يَكونَ رَسولا

فقد تحول إما إلى انتهازي مُبْتَز للطلبة بحجة دورات التقوية التي يُجْبَر الطالب على دخولها ليدفع مبالغ ماديةضخمة، وربما يقوم بعضهم ببيع الأسئلة الإمتحانية خصوصاً لمراحل الباكالوريا للمرحلتين المتوسطة والثانوية، وهؤلاء يمثلون الكثرة الكارثة الكاثرة. والقليل المتبقي منهم ممن يحملون صفة المعلم والمربي والأستاذ الحقيقي، فهم يعيشون في بؤس وعوز وحرمان وغالباً مايفتقدون الإحترام والتقدير المطلوب من قبل الطلبة وحتى أهلهم، وهؤلاء ربما هم مَنْ كان يقصدهم الشاعر الكبير إبراهيم طوقان بقوله رداً على قصيدة شوقي:

يا من يريد الانتحار وجدته..
إن المعلم لا يعيش طويلاً .

فهل أدركت أيها المعلم الشاكي نبوءة إبراهيم طوقان أم يؤلمك الجرح الذي أصاب أشرف وأقدس مهنة لبني آدم فتلوذ بالصمت الرهيب ؟!!

جميع المعلمين الذين درسونا في المدارس الإبتدائية والإعدادية والثانوية وحتى الجامعة ومن جلست بين أيديهم في المساجد من علماء ومشايخ وقضاة ، جميعهم لا أستطيع النظر إلى وجوههم حين لقائهم ويتلعثم لساني حين أبادلهم الحديث ، سبحان مبدل الأحوال لقد هبط مستوى التعليم إلى الحضيض في الآونة الأخيرة وهبطت معه هيبة ومهابة المعلم مهما كان شأنه وكم تناهت لمسامعي قصصاً عن طلابٍ قاموا بالتعدي بالضرب على أساتذتهم وعندما أحيل الموضوع إلى القضاء أو مديرية التربية والتعليم كان القضاء في مصلحة التلميذ ، فأي سخفٍ هذا وأي مهزلة وصلت بنا الحال أن ترخص قيمة المعلم الذي تغنى بجهوده أعظم الأدباء حتى أنه فاق الآباء والأمهات في التربية والتعليم ..
أما عن القيم والمفاهيم والمثل العليا فقد انقلبت رأساً على عَقِب ليس في العراق فحسب بل في كافة الأمصار والأقطار العربية منها والأجنبية وقد بدأت أمارات الإستبدال الإلهي تلوح في الأفق المنظور والله أعلم وأحكم ..

لقد بلغت من العمر ستين عاماً ونيفاً وحصلت على شهادات عليا، ولازلت عندما يُذْكَر إسم أحد أساتذتي أشعر أني بحاجة لأن أجلس تلميذا صغيراً على المقعد أمامهم بكل رهبة وتبجيل.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1364 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع