عبير، النخلة التي أزعجت اليمين المتطرف

د.سعد العبيدي

عبير، النخلة التي أزعجت اليمين المتطرف

في عالم تتكاثر فيه الأسوار أكثر مما تتكاثر الجسور، وتعلو فيه أصوات الإقصاء على أصوات العقل، تبرز قضية أساسية لا ينبغي أن تكون موضع جدل: حق الإنسان في أن يعيش آمنًا، وحقه في أن يُعامل بكرامة بغض النظر عن أصله أو لغته أو المكان الذي جاء منه.
من هذا المنطلق يمكن النظر إلى مواقف عضو البرلمان الأوروبي عبير السهلاني، التي اختارت أن تستخدم موقعها للدفاع عن قضايا إنسانية تتجاوز الحدود والجنسيات. فقد رفعت صوتها احتجاجًا على ما تعرض له المدنيون في غزة من مآسٍ إنسانية، وسعت إلى لفت الانتباه إلى معاناة الأبرياء الذين يجدون أنفسهم دائمًا أول ضحايا الحروب والصراعات. كما أبدت اعتراضها على بعض التوجهات السياسية التي تدعو إلى تشديد إجراءات إعادة المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية، انطلاقًا من قناعة مفادها أن الإنسان، كائن له ظروفه وقصته ومخاوفه وآماله، وليس رقمًا في سجلات الهجرة. وقد قوبلت هذه المواقف بردود فعل حادة من اليمين المتطرف في البرلمان الأوربي، وصلت إلى المطالبة بعودتها إلى البلد الذي جاءت منه، في مشهد يعكس كيف يمكن للاختلاف السياسي أن ينزلق إلى خطاب يمس الإنسان ذاته بدل أن يناقش أفكاره.
ولعل المشكلة الكبرى لا تكمن في الخلاف السياسي، فهو حق مشروع في المجتمعات الديمقراطية، وإنما في تحوّل الخلاف إلى نزعة إقصائية ترى في الأصل أو الهوية سببًا للانتقاص من الآخر. فحين يُطلب من شخص أن "يعود إلى بلد مولده" لأنه عبّر عن رأي مخالف، فإن القضية تصبح اختبارًا لقيم المساواة، والاحترام التي قامت عليها المجتمعات الحديثة.
إن مواجهة التطرف في الواقع لا تقتصر على محاربة العنف والإرهاب بصورهما المادية، بل وتشمل أيضًا مقاومة كل أشكال الإرهاب الفكري الذي يسعى إلى إسكات الأصوات المختلفة أو حرمان الإنسان من حقه في التعبير والمشاركة. فالمجتمعات الحرة، تُقاس في وقتنا الراهن بقدرتها على حماية حق المختلف في أن يتكلم دون خوف أو إهانة. وقد تختلف الآراء حول مواقف عبير السهلاني أو غيرها من السياسيين، وهذا أمر طبيعي، لكن الإنصاف يقتضي التمييز بين نقد الرأي واحترام صاحبه. فالديمقراطية تزدهر بالنقاش، أما العنصرية والإقصاء فلا تنتجان سوى مزيد من الانقسام والكراهية.
وفي زمنٍ تتعرض فيه جذورٌ كثيرة للاقتلاع، وتشتد فيه رياح التطرف والعنصرية، يبقى الدفاع عن كرامة الإنسان وحقه في الأمان والاختلاف هو الجذر الأعمق الذي ينبغي أن يبقى ثابتًا في الأرض. وعبير السهلاني ليست سوى نخلة عراقية أصيلة امتدت جذورها من أرض الرافدين إلى قلب أوروبا، تحمل معها قيم الإنسان وحقه في الحياة الكريمة. وحين تتعرض هذه النخلة لمحاولات الاقتلاع أو الإهانة بسبب أصلها أو مواقفها، فإن القضية لا تعود قضية امرأة أو سياسية بعينها، وإنما قضية كل من يؤمن بأن الإنسان يُحترم لفكره وكرامته لا لأصله ولونه ومكان ولادته. عند هذه الحافة الفاصلة بين الاختلاف والعداء، تتضح ملامح الأحرار؛ فهم لا يحتاجون إلى نداء عالٍ كي يعرفوا أين يقفون، إذ تكفيهم إهانة الإنسان ليميزوا الجهة التي تستحق الانحياز.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

677 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع