
طارق الهاشمي
بغداد .. متى تعود؟ وكيف تعود؟
قرأت مقال الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري عن بغداد بعين البغدادي؛ أصلاً وثقافةً وتاريخاً وذاكرةً. قرأته وفي نفسي تقدير خاص للدكتور الكواري وهو من بين زحمة الأخبار والأحداث والأزمات يلفت انتباهنا إلى بغداد، وبغداد لم تعد بغداد التي نعرف، ما يثير اللوعة والشجنُ …
والدكتور الكواري ليس كاتباً عابراً في المشهد الثقافي العربي؛ فهو وزير دولة، ورئيس مكتبة قطر الوطنية، وكان وزيرا للثقافة وهو دبلوماسي محترف ومثقف مخضرم، راكم تجربة طويلة في ميادين الثقافة والدبلوماسية والعمل العام، وكان مرشح دولة قطر لمنصب المدير العام لمنظمة اليونسكو. ولذلك فإن حديثه عن بغداد، بتاريخها ومكانتها ومستقبلها، له وقع خاص ودلالة تستحق التوقف عندها.
أحسن الدكتور الكواري حين سجّل مآثر بغداد، واستعاد شيئاً من ألقها ومكانتها، وشخّص المخاطر والتحديات التي تحاصر حاضرها، وعبّر بصدق عن أمله في أن تستعيد عافيتها ودورها. وقد وجدت في كلماته محبة لبغداد وحرصاً عليها يتجاوز حدود الجغرافيا، وكأن السؤال الذي اختاره عنواناً لمقاله: «بغداد… متى تعود بغداد؟» سؤال عربي قبل أن يكون عراقياً.
بغداد التي نتذكرها،
وعندما نقول بغداد، فإننا لا نتحدث عن مدينة نمطية، بل عن ذاكرة أمة وحاضرة … حضارة.
نتذكر تأسيسها على يد الخليفة أبو جعفر المنصور سنة 762م، و«المدينة المدورة»، ثم بغداد هارون الرشيد والمأمون، حين أصبحت إحدى أعظم حواضر العالم ومركزاً للسياسة والتجارة والعلم والترجمة.
نتذكر بيت الحكمة والمدرسة المستنصرية؛ والمدرسة النظامية، وحركة الترجمة الكبرى؛ والخوارزمي والرياضيات والجبر، والكندي والفلسفة، وحنين بن إسحاق والترجمة والطب، والرازي وبن سينا والعلوم الطبية. كانت بغداد في مراحل من تاريخها مكاناً تلتقي فيه علوم اليونان والفرس والهند بالعقل العربي الإسلامي، ثم يعاد إنتاجها وإثراؤها، يوم كانت بغداد قبلة للعلماء والفقهاء والأطباء والفلاسفة والمترجمين، ومركزاً من مراكز إنتاج المعرفة في العالم.
ونتذكر بغداد الإيمان والفقه والتصوف؛ ففي ثراها يرقد الإمام موسى الكاظم وحفيده الإمام محمد الجواد، وفيها الإمام أبو حنيفة النعمان، والإمام أحمد بن حنبل، والشيخ عبد القادر الجيلاني، والجنيد البغدادي. رضي الله عنهم وأرضاهم، رموز ومدارس ومذاهب متعددة احتضنتها مدينة واحدة، وكأن تاريخ بغداد نفسه يقول لنا إن التنوع كان يوماً مصدر ثرائها وقوتها، لا سبباً لانقسام مجتمعها وصراع أبنائها.
حين نقول بغداد نتذكر الشعر والأدب …أبا نواس، وأبا تمام، والبحتري، والمتنبي وصلته ببغداد والعراق، ثم في العصر الحديث: معروف الرصافي، وجميل صدقي الزهاوي، والجواهري، ونازك الملائكة، وعبد الوهاب البياتي، وبلند الحيدري. إنها مدينة كان الشعر فيها جزءاً من هويتها، لا مجرد نشاط أدبي.
نتذكر فنونها التشكيلية وابداع الفنانين، جواد سليم ومحمد غني حكمت والناصري والعزاوي …وهاشم الخطاط، وبغداد الكتاب وشارع المتنبي وسوق السراي ومكتبة المثنى، وبغداد المقام العراقي، ومقهى الشابندر، والقشلة وشارع الرشيد، والكرخ والرصافة والأعظمية والكاظمية … باب المعظم والباب الشرقي والشورجة وساحة الميدان والطوب وسوق الهرج …ودجلة، ذلك الشاهد الأبدي الذي ظل يجري في قلب المدينة، حاملاً أفراحها وأحزانها وانتصاراتها وانكساراتها.
بغداد يوم ولدت من جديد عام 1921, ونتذكر الملك الحكيم فيصل الأول، كما نتذكر مأساة قصر الرحاب عام 1958 ومجزرة العائلة المالكة…
هذه بغداد التي نتحدث عنها؛ مدينة لم يكن مجدها عراقياً فحسب، بل كان عربياً وإسلامياً وإنسانياً.
متى تعود… أم كيف تعود؟
لكن المقال، بعد أن سجّل المآثر، وحدد المخاطر، وعبّر عن الأمل بعودة بغداد، ترك في ذهني سؤالاً محيراً، لكنه مكملاً ولا يقل أهمية:
كيف تعود بغداد؟
فبغداد لا تعود باستحضار تاريخها، والتغني بأمجادها، لا … ولا بالحنين إلى ماضيها، بل ولا حتى بالأمنيات …. العودة الحقيقية تبدأ، عندما نجازف ونغشى حقل الألغام الذي تجنبه الدكتور الكواري، ننزع الألغام ونزيل العوائق ونعالج الأسباب التي أفضت إلى تراجعها، ولازالت تحول بينها وبين نهوضها وتعافيها.
تعود بغداد عندما تستعيد الدولة سيادتها وهيبتها وقرارها الوطني؛ عندما يسود القانون على الجميع، والمواطنة على الطائفة، والتعايش على الاختلاف والفرقة، والكفاءة على المحاصصة، والنزاهة على الفساد، والعلم والثقافة على التجهيل والتخلف والتفاهة.
تعود عندما يشعر العراقي، أياً كان مذهبه وقوميته وثقافته، أن بغداد مدينته وأن العراق وطنه، وأن الدولة تحميه ولا تميّز بين مواطن وآخر.
وتعود عندما يستعيد الإنسان العراقي ثقته بنفسه وبوطنه وبالمستقبل.
لكن بغداد أمام عظم التحديات والخطوب قد تعجز لوحدها ان تنهض بمهمة تنوء منها الجبال … وهنا يأتي دور القريب والبعيد … في الدعم والمؤازرة …
وللعراق عتب على إخوته
وهنا لا بد من كلمة قد تكون مؤلمة، لكنها ضرورية.
العراق لم يقصّر يوماً في النهوض بواجباته تجاه أشقائه العرب. كان حاضراً حين احتاجوا إليه؛ قدّم المال حين لزم المال، وفتح ابواب العلم حين طلبوه، وبذل الأرواح رخيصة ودون مقابل، وحمل قضايا أمته وهمومها بوصفها قضاياه وهمومه.
لكن للعراق اليوم عتباً… ولبغداد حزناً.
ففي سنوات محنته القاسية، ترك العراق ليواجه قدره لوحده إلا من البعض القليل وهو كان يحتاج إلى حضور عربي أكبر؛ حضور يسنده، يعزز صموده، ويحفظ استقراره وأمنه، ويساعده على تجاوز محنته واستعادة عافيته، لقد شعر العراقيون في ساعة الشدة وهم يتلفتون يمنة ويسرة بحثاً عن ناصر ومعين …. انهم قد خذلوا !!
وهذه حقيقة ينبغي ألا نتحرج في قولها، ليس لاستدعاء اللوم ولا لفتح دفاتر الماضي، وإنما لاستخلاص الدرس للمستقبل.
فما زال الوقت متاحاً، والحلم قائماً، والأمل لم ينطفئ.
وبغداد التي أعطت محيطها العربي والإسلامي الكثير، لا تطلب اليوم ردَّ جميلٍ مضى، وإنما تتطلع إلى شراكة عربية حقيقية في صناعة مستقبلها؛ استثماراً وثقافةً وتعليماً وإعماراً وتواصلاً وانفتاحاً، بما يعيد العراق إلى عمقه الطبيعي، ويعيد العرب إلى بغداد.
بغداد ستعود
على مدى تأريخها، سقطت بغداد، واحترقت، وغُزيت، ونُكبت أكثر من مرة … لكنها كانت تنهض بشموخ من بين الرماد … في كل مرة.
قال فيها الشاعر المبدع مصطفى جمال الدين:
بغدادُ ! مــا اشتبكتْ عليكِ الأعصرُ...
إلّا ذوتْ ووريقُ عمــرِكِ أخضـرُ
مـرّتْ بكِ الدنيـــا وصبـحُكِ مشمِــسٌ...
ودجتْ عليـكِ ووجــهُ ليلِكِ مُقمِرُ
وقســـتْ عليــكِ الحــادثـاتُ فــراعَها...
أنّ احتمــالَكِ مـــن أذاهـــــا أكــــبرُ
ولهذا فإنني أشارك الدكتور حمد الكواري أمله بأن بغداد ستعود.
غير أن السؤال لم يعد فقط:
متى تعود بغداد؟
بل:
كيف نعيد بغداد؟
وفي تقديري، تبدأ الإجابة من أربعة استحقاقات كبرى: استعادة الدولة، واستعادة الإنسان، واستعادة الهوية الوطنية الجامعة، واستعادة العمق العربي للعراق.
وحين ينهض العراقيون بهذه المهمة، ويجدون إخوتهم العرب إلى جانبهم، لن نحتاج إلى أن نسأل طويلاً: متى تعود بغداد؟
لأن بغداد ستكون قد بدأت بالفعل رحلة العودة.
شكرا لكم د. حمد الكواري على مقالكم الرائع، أما مقالكم التالي فارجو ان تسعفنا به حالما يتحقق حلمك وتكون بغداد قد استعادت القها ومجدها …. وما ذاك على الله بعزيز.

660 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع