الحرب الامريكية / الاسرائيلية / الايرانية والمأزق الاستراتيجي من المنتصر

د. ناحي خليفه الدهان
15/ 6 / 2026


الحرب الامريكية / الاسرائيلية / الايرانية والمأزق الاستراتيجي
من المنتصر

ماذا حققت الحرب الامريكية الاسرائيلية على ايران ومتى تتوقف وهل هناك موعد محدد متفق عليه لإنهائها ، تتواصل التحليلات السياسية والدبلوماسية لتشير إلى حالة من (الاستنزاف) المستمر. وتدور مساعي إنهاء الصراع بخيارات محددة ، هذه المساعي التي تشهدها الساحة الدولية ، منها ألجولات السياسية التي جرت في باكستان للتوصل إلى هدنة مستدامة وحل أزمة مضيق هرمز، وبنفس الوقت يمارس البيت الأبيض ضغوطاً سياسية لضبط إيقاع العمليات العسكرية واستقرار المنطقة. يرجح خبراء النزاعات الدولية أن الحرب قد تتجه نحو التجميد أو التصعيد المحدود والمتقطع نظراً لتكلفتها الباهظة على اطراف النزاع ، ولا بد الاجابة على ما يلي :

لماذا تتزايد احتمالات إخفاق هذه الحرب وتتراجع نتائج نجاحها؟
ما الذي أوصل الحرب إلى هذا المأزق؟
وما الذي يعنيه هذا الوضع على افق نهايتها؟؟
الصعوبات في الحرب على ايران والمأزق الاستراتيجي
حسب التحاليل الإخبارية، فإن الرئيس ترمب استنادا للمقاييس الرئيسية للنجاح التي وضعها في معركته مع ايران وبعد انقضاء المهلة التي حددها لنفسه لم يحصل على حدود النصر في تحقيق تلك الأهداف.
وقد أوضح الصحفي في صحيفة نيويورك تايمز (ديفيد سانغر) (1) في مقاله أن الرئيس ترامب وضع نفسه في مأزق استراتيجي لا يبدو أن له مخرجا سهلا منه"، خاصة مع استمرار إيران في إظهار قدرة على الصمود، رغم الخسائر الكبيرة التي تكبدتها . و أن طهران لا تزال قادرة على توجيه ضربات صاروخية نحو إسرائيل ودول الخليج العربي ، وهو ما حدث حتى في أثناء إلقاء ترمب خطابه المتلفز للأمة الأمريكية من داخل البيت الأبيض فجر الخميس 11/6 ، الذي استمر 19 دقيقة- كان يهدف إلى طمأنت الداخل الأمريكي بأن الحرب قصيرة الأمد وأن الاقتصاد سيعود سريعا إلى طبيعته، غير أن رد فعل الأسواق جاء معاكسا للواقع الامريكي المتردي .فقد ارتفعت أسعار النفط بنسبة 8% بعد الخطاب مباشرة، في مؤشر على "شكوك عميقة" تساور المستثمرين، خصوصا مع غياب أي خطة واضحة لمعالجة أزمة الملاحة في مضيق هرمز. وتواجه الولايات المتحدة في صراعها مع إيران معضلات استراتيجية وعسكرية معقدة ، تشمل التحديات التالية:
1. الملاحة وأمن الطاقة العالمي: تسبب الرد الإيراني في إغلاق مضيق هرمز وتهديد حركة الشحن، مما أدى إلى أزمة طاقة عالمية وتباطؤ النمو الاقتصادي، وهو ما دفع البنك الدولي للتحذير من تداعيات اقتصادية حادة.
2.ضعف التأييد الشعبي: تواجه الإدارة الأمريكية ضغوطاً داخلية جراء الرفض الشعبي الواسع النطاق واستطلاعات الرأي التي تعارض استمرار وتوسع الصراع، مما يحد من هوامش المناورة السياسية لواشنطن.
3. القدرة الصاروخية وشبكة التحالفات: تمتلك طهران ترسانة ضخمة من الصواريخ الباليستية وقدرات الطائرات المسيرة التي أظهرت قدرتها على استهداف القواعد الأمريكية في دول الخليج والأردن، فضلاً عن استنزاف الدفاعات الجوية الأمريكية باهظة التكلفة.
4. تعقيد المسار الدبلوماسي: الرغم من إعلان الرئيس الأمريكي عن اقتراب التوصل إلى تسوية أو (اتفاق سلام)، إلا أن طهران تبدي حذراً شديداً، وتؤكد أن النصوص النهائية للاتفاق لم تُحسم بعد، مما يعكس هوة كبيرة في الثقة ومطالب الطرفين. وأن قرار ضرب إيران جاء رغم اقتراب الحل السياسي عقد الموضوع .
5 - تراجع الدعم لإسرائيل (2) واشار ماكغفرن إلى أن الدعم الأمريكي لإسرائيل (انخفض كثيرا)، مؤكدا أن "الأمريكيين طيبون، لا يحبون الإبادة ولا يحبون التجويع"، وهو ما يقلّص هامش المناورة السياسية للإدارة الأمريكية في تبرير الحرب
6- صناعة العداء عبر الإسلاموفوبيا لم تعد فعالة (3) تطرق المحلل الأمريكي إلى ما وصفه بصناعة (الإسلاموفوبيا) بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول، واعتبر أنها لم تعد تقنع الرأي العام الأمريكي، واستشهد بتقرير صادر عن وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) عام 2004 أكد أن ( المسلمين لا يكرهون حريتنا ولكنهم يكرهون سياساتنا)، مؤكدا أن الرأي العام الأمريكي تغيّر بشكل واضح منذ ذلك الحين.
7- مخاطر توحيد الخصوم بدلا من عزلهم (4) حذّر راي ماكغفرن من أن استهداف شخصيات كبرى، من بينها المرشد الأعلى علي خامنئي، من شأنه توحيد الناس ليس فقط داخل إيران، بل بين الشيعة وحتى بعض المسلمين السنة، معتبرا أن ذلك يوسع دائرة المواجهة بدلا من احتوائها.
المسارات المتناقضة
يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب نفسه اليوم أمام معادلة معقدة تجمع بين ضغوط الميدان العسكري، وتقلبات الأسواق العالمية، وتزايد الشكوك السياسية بشأن وضوح أهدافه وقدرته على إنهاء الصراع ضمن الإطار الزمني الذي حدده بنفسه ، ومنذ اندلاع العمليات في 28 فبراير/شباط الماضي، تواجه الولايات المتحدة مأزقا استراتيجيا ناتجا عن وعوده المتضاربة وأهدافه التي لم تتحقق حتى الآن ويتضح ذلك من خلال المسارات التالية :
ويؤكد معظم التحاليل أن ترمب عرض "مسارات متناقضة للحرب ، ففي حين تحدث عن انسحاب قريب، واشاره في مواقف أخرى إلى عمليات قد تمتد لأشهر أو حتى سنوات، بما في ذلك فكرة السيطرة على جزيرة خارك الإيرانية، التي تمثل مركزا حيويا لصادرات النفط الإيراني.
وفي تناقض آخر، تراجع ترمب عن دعوات سابقة لتغيير النظام في إيران، مؤكدا -في خطابه أن "تغيير النظام ليس هدفنا"، رغم أنه كان قد دعا الإيرانيين في بداية الحرب إلى الانتفاض ، كما أشار إلى أن (تغييرا قد حدث بالفعل) بسبب مقتل قادة إيرانيين .
تراجع ترمب عن دعوات سابقة لتغيير النظام في إيران، مؤكدا في خطابه أن (تغيير النظام ليس هدفنا) الأكثر إثارة للجدل - بحسب التحليل- كان تراجع الرئيس عن أحد مبررات الحرب الأساسية، إذ صرح لوكالة رويترز بأنه "لا يهتم" بمخزون اليورانيوم الإيراني، لأنه "مدفون في باطن الأرض"، وهو ما يتناقض مع خطابه المستمر منذ سنوات عن ضرورة منع إيران من امتلاك قدرات نووية ، ويطرح هذا التصريح تساؤلات حول إذا ما كان التهديد النووي قد جرى تضخيمه لتبرير الحرب ؟
المهلة الزمنية التي يكررها ترمب -"أسبوعان أو 3 أسابيع"- ليست جديدة، بل تمثل نمطا متكررا في خطابه السياسي ، فقد استخدم الرئيس الأمريكي هذا الإطار الزمني مرارا في قضايا مختلفة، من الحرب ، من دون أن يتحقق كثير منها ضمن تلك المدة، طبقا للتقرير
هل الحرب حققت اهدفها
تتضافر الأدلة، بعد مضي (شهران ونصفاي اعتبار من 28 شباط ) على بدء الحرب الأمريكية / الإسرائيلية على إيران، على أن الحرب أخفقت في تحقيق أهدافها، الرئيسة منها بصورة كلية، والأدنى أهمية بصورة نسبية.
لا يزال نظام الحكم الإيراني، نظام الجمهورية الإسلامية، في مكانه، بل ويبدو أحيانًا أقدر على فرض سيادته وسلطته منذ اندلعت العمليات في 28 فبراير/شباط الماضي، ليس ذلك وحسب، بل إن تصميم إيران وبعض حلفائها على الرد، سواء بقصف إسرائيل أو استهداف مواقع التواجد الأمريكي ومصادر الطاقة في دول الجوار، لا يبدو أنه يشهد تراجعًا ملموسًا، على الرغم من الهجمات الجوية الهائلة، عددًا وفاعلية، التي تعرضت لها معظم المواقع الرئيسية الايرانية واخراج القوات الجوية ا والبحرية الايرانية من الخدمة وتقليص القدرة الصاروخية الى نسبة 30 % .
من أول أسباب إخفاق الحرب، أنها خطط لها تحقيق أهداف عصيَّة على التحقق. في المستوى الأعلى من الأهداف، لكن بدأت الحرب هذه بتباين واضح بين الموقفين الأمريكي والإسرائيلي.
كان الهدف الكلي الذي أراد الرئيس ترامب تحقيقه من الحرب هو تغيير النظام من داخله، سواء بإيقاع هزيمة معنوية أو فعلية بقيادة النظام ودفعها إلى الاستسلام، أو بتشجيع معارضة ثقيلة التأثير داخل النظام على الانقلاب ثم القبض على مقاليد الحكم والدولة، في عملية شبيهة بعمليته في فنزويلا .
في الحالتين، أراد الرئيس ترمب أن تنتهي الحرب بتحول في وجهة إيران الاستراتيجية ، سواء على مستوى الإقليم أو العالم. ولكن الذي اراده نتنياهو تحقيقه إلأطاحة بنظام الجمهورية الإسلامية واقتلاعه ه من جذوره، وفتح الطريق أمام قوة سياسية وثيقة الصلة بإسرائيل لتسلم زمام الأمور، أو حتى دفع إيران إلى هوة من الفوضى الدموية والانقسام والتدافع الأهلي.
ولكن هذا لا يعني ان خلافا (مهماً) قد وقع بين الولايات المتحدة واسرائيل حول الأهداف ذات الاهمية البسيطة من الحرب. كلتا الحليفتين اتفقتا على أن هناك أهدافًا لابد من تحقيقها من أجل الوصول إلى الهدف الكلي الرئيس والنهائي المتمثل : قطع رأس القيادة الإيرانية العليا، واغتيال أكبر عدد ممكن من القيادات العسكرية والسياسية؛ وتدمير القدرات العسكرية الإيرانية، سيما المنظومة الصاروخية التي تعطي إيران القدرة على الرد والردع في الوقت نفسه؛ وتدمير مراكز القيادة والسيطرة ، سيما تلك الخاصة بأجهزة الأمن والاستخبارات وقوات الحرس الثوري ؛ وتدمير ما تبقى من المنشآت النووية، ومراكز البحث النووي، ومحاولة الاستيلاء على، أو التخلص من، أربعمئة وأربعين كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب إلى مستوى 60 بالمئة أو يزيد .
اسلوب النظام في ايران جرى توزيع قوة الدولة على عدد كبير من المؤسسات التمثيلية والمرجعية ، أنتجت خلال العقود الخمسة الماضية عددًا هائلًا من الكوادر السياسية والعسكرية، فإن هدف قطع رأس النظام يكاد أن يكون هدفًا وهميًّا، لا يؤدي بالضرورة إلى إسقاط النظام. حيث نظرت الطبقة الحاكمة إلى الحرب من البداية بوصفها حربًا وجودية، ولذا، كان طبيعيًّا أن يفضي اندلاع نيران الحرب إلى مزيد من تماسك النظام لا تشظيه.
كما لم يأخذوا في الحسبان أن ثمة حدودًا للقصف الجوي، مهما بلغت آلة الحرب الجوية من قوة تدميرية. وربما كانت البيانات الأمريكية/الإسرائيلية المتعلقة بحجم ما أُنجز في أسبوعي الحرب الأولين صحيحة. ولكن الصحيح أيضًا أن منظومة الصواريخ الإيرانية، وقدرة إيران على التصنيع في ظل القصف، تبدو أكبر بكثير من التقديرات الأمريكية/الإسرائيلية. وهذا ما ينطبق أيضًا على مقدرات حزب الله، وربما حتى الفصائل الشيعية العراقية المسلحة، وثيقة الصلة واللصيقة بالساحة الإيرانية.
أن الإيرانيين لم يُظهروا، ولا في أي لحظة من لحظات الحرب طوال أسبوعيها الأوليْن، أية درجة من الارتباك. هذا، في الوقت الذي حسب الرئيس الأمريكي أن مجرد حشد القوة الأمريكية الهائلة في الجوار، أو قطع رأس النظام في أيام الحرب الأولى، سيدفع الإيرانيين إلى الاستسلام، أو طلب التفاوض من جديد حسب شروطه.
لم تستطع إدارة ترمب تقديم رواية مقنعة للحرب لحلفائها في الغرب الأطلسي، ولا في الجوار العربي-الإسلامي. وربما كان فشل واشنطن في توسيع نطاق تحالف الحرب المناهض لإيران غير مسبوق في تاريخ الحروب الأمريكية الرئيسة منذ الحرب العالمية الثانية ، فحتى في الحرب على العراق، التي لم تحضى بقاعدة قانونية دولية، لم تلبث عدة دول غربية أن التحقت بجهد إدارة بوش الابن العسكري. بدأت هذه الحرب أمريكية/إسرائيلية، والأرجح أنها ستنتهي في جهدها المركزي أمريكية/إسرائيلية. وكافة الدول الأوروبية في النهاية لم تستطع تجاوز حقيقة افتقاد الحرب للأسس القانونية الدولية والأخلاقية، ونظرت إليها بوصفها خطوة غير ضرورية ولا مبرَّرَة استراتيجيًّا.
اما دول جوار إيران العربية والإسلامية، فما كان لها أن تشارك في الحرب بأية صورة من الصور. نظرت دول الجوار إلى الحرب بوصفها شأنًا إسرائيليًّا في جوهرها وأنْ لا مصلحة لها في الالتحاق بحرب على دولة جارة مسلمة مهما كانت سياسات هذه الدولة الإقليمية مدعاة للخلاف والرفض في العقود القليلة الماضية.
تبرر طهران هجماتها بأن بعض هذه الدول سمحت للقوات الأمريكية باستخدام أراضيها في الهجمات ضد إيران، أو كمواقع استخباراتية متقدمة. لكن دول الجوار ترفض هذه التبريرات وتَعُدُّ هجمات إيران انتهاكًا لسيادتها.
واجهت الحرب منذ أيامها الأولى معارضة من الرأي العام الأمريكي ومن الرأي العام في معظم الدول الغربية الحليفة للولايات المتحدة والدول العربية والاسلامية. ولا شك أن اقتصار تحالف الحرب على الولايات المتحدة وإسرائيل يعزز من الاعتقاد ، بأن الحرب هي في الحقيقة حرب إسرائيلية، وُضعت فيها المقدرات الأمريكية الهائلة لخدمة أهداف إسرائيلية.
الخاتمة
انتهت المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران فعلياً دون انتصار حاسم لأي من الطرفين في ساحة المعركة، حيث تداخلت العمليات العسكرية مع وساطات دبلوماسية أدت للتوصل إلى تسويات. يُصنف المشهد النهائي كالتالي:
1. الولايات المتحدة وحلفاؤها: تمكنوا من تحجيم القدرات العسكرية الإيرانية بشكل كبير وإجبار إيران على طاولة المفاوضات، لكنهم لم يتمكنوا من تحقيق تغيير شامل في النظام الإيراني أو تفكيك برنامجه الصاروخي بشكل كامل .
.2. الجانب الإيراني: يعتبر البعض صمود طهران أمام تحالف امريكي اسرائيلي ونجاحها في الوصول إلى تسوية مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نصراً يحفظ ماء الوجه، إلا أنها تكبدت خسائر عسكرية وبحرية واقتصادية هائلة.
أن إدارة ترمب تقف عند مفترق طرق حاسم: فإما أن تنجح في تحويل خطابها المتفائل إلى إنجاز ملموس خلال المهلة التي حددتها، أو أن تجد نفسها أمام حرب طويلة الأمد تضاف إلى سجل الحروب المفتوحة التي طالما انتقدها.

المراجع
1. ترمب في مأزق استراتيجي.. هل تنتهي الحرب كما وعد؟ ( الجزيرة نيت )
ديفيد إي. سانغر (David E. Sanger): صحفي ومؤلف أمريكي بارز، وهو كبير مراسلي صحيفة نيويورك تايمز في واشنطن في شؤون الأمن القومي والسياسة الخارجية، وله عدة كتب سياسية، وسبق له الفوز بجائزة بوليتزر المرموقة.
https://www.aljazeera.net/politics/2026/4/3

2. ماكغفرن . محلل استخباري: لهذه الأسباب لن تنتصر أمريكا على إيران 2/3/2026
وفي مقابلة مع الجزيرة مباشر، أوضح ماكغفرن أن توقعه بعدم انتصار الولايات المتحدة يستند إلى جملة من المعطيات، https://www.aljazeera.net/news/2026/3/2/%D8%AA%D8%B1%D9%85%D8%A8-2

3. نفس المصدر
4. نفس المصدر اعلاه

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

936 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع