عبد السلام محمد عارف.. كما رأيته (الحلقة الثانية عشرة)

    

عبد السلام محمد عارف .. كما رأيته (الحلقة الثانية عشرة)

         

          

                 

                           

حضور سعيد صلييي

مع مغيب شمس يوم الاربعاء، الخامس عشر من ايلول (سبتمبر) ـ يقول الرائد إحسان عارف المرافق الشخصي للعميد عارف عبد الرزاق ـ اتصل الأخير هاتفياً بصديقه الحميم العميد سعيد صليبي قائد موقع بغداد وآمر الانضباط العسكري واستدعاه الي مكتبه الرسمي، وعلي غير عادته في مرات عديدة سابقة، فقد حضر العميد صليبي هذه المرة وهو محاط بحضيرتين من جنود الانضباط العسكري ذوي القبعات الحمر المدججين بالسلاح، وبصحبته العقيد حميد قادر مدير الشرطة العام (صديق الاثنين).

                  

لم أعرف إلاّ بعد تطوّر الموقف سراعاً، أن عارف عبد الرازق قد فاتح سعيد صليبي حول انقلاب أزمع علي القيام به دون سفك قطرة دم واحدة، موضحاً له أن كل شيء جاهز لإقصاء عبد السلام عارف من سدّة الحكم بسهولة ويسر، إلا أن سعيد صليبي أبي ان يشترك فيه بشكل مطلق، معتبراً ذلك خيانة لزميلهم وصديقهم عبد السلام عارف، الذي ترك العراق معتمداً عليهم، وواضعاً كل اُمور البلاد بين أيديهم مدة سفره، وأن ضميره لا يمكن ان يسمح بإقصاء عبد السلام من الحكم بهذا الأسلوب.
وعلي الرغم من محاولات وتشبّثات جدية لإقناعه، دامت ساعات طويلة، وطالت حتي بعد منتصف الليل إلاّ أن سعيد صليبي ظل مصراّ علي رأيه ولم يتراجع.

                                                                   

الاتصالات الهاتفية ليلة التنفيذ

وفي خضم تلك الساعات، كان آمر القاعدة الجوية في كركوك المقدم الطيار نعمة الدليمي وآمر القاعدة الجوية في الحبانية وكالة الرائد الطيار الركن ممتاز السعدون، وكذلك السفير المصري في بغداد السيد أمين هويدي (أبو هشام) يتصلون بي هاتفياً للاستفسار عما آلت اليه المفاوضات الجارية مع سعيد صليبي، ويستغربون من استغراقها كل تلك الساعات الطويلة، وقد علمت ايضاً خلال تلك الليلة، ان مقر الفرقة المدرعة الثالثة في معسكر الحبانية قد تمّت محاصرته بقوة مسلحة تابعة للقاعدة الجوية في الحبانية نفسها، وذلك نظراً لرفض قيادة تلك الفرقة المشاركة في الانقلاب .

                     

                    العقيد الركن / هادي خماس

محاولة لتصفية سعيد صليبي

وعندما وصل خبر رفض سعيد صليبي المشاركة في الحركة الانقلابية هذه الي أسماع اولئك الضباط المتجمّعين في (قبو) مبني المجلس، ابتغي العديد منهم الاندفاع نحوه لتصفيته جسدياً، قبل أن يغادر المبني، الا ان العقيد حميد قادر، ومعه العقيد الركن هادي خماس، استطاعا تهدئة حماسهم، خصوصاً بعد أن اضطر عارف عبد الرزاق الي سحب مسدسه الشخصي مهدداً كل من يتقرّب من شخص سعيد صليبي بالقتل.. ولكن ذلك لم يخفّف الغليان الذي انتاب نفوس أولئك الشباب، حتي عزم البعض منهم علي الاندفاع لقتل عارف عبد الرزاق كذلك، ولولا وقفة هادي خماس الحازمة لحصل في مبني مجلس الوزراء مذبحة كان من نتائجها سفك دماء عشرات الضباط (القوميين) أنفسهم.

الانتقال الي دار السكن

ويضيف الرائد احسان قائلا:

لما هدأ الموقف بعد ذلك التوتر الشديد، قرر عارف عبد الرزاق ترك مبني مجلس الوزراء والانتقال الي منزله الواقع في شارع الربيعي في مدينة الضباط (زيونة) وبصحبته سعيد صليبي لوحدهما، واستمرت جلستهما ومناقشاتهما الهادئة نسبياً حتي قبيل الفجر دون جدوي، حيث كنتُ اشرف علي تقديم الطعام والشاي والقهوة اليهما، حينها قرر سعيد صليبي مغادرة الدار بحماية مراتب الانضباط العسكري في سيارتين عسكريتين.
ومع الصباح، كان عارف عبد الرزاق غارقاً في التفكير ومهموماً، وقد أحاط به هادي خماس ورشيد محسن، عندها أوضح لهما بأن القناعة قد حصلت لديه أنه وصل الي أبواب موصدة بشأن المحاولة الانقلابية، وقد قرر العدول عنها، وطلب إبلاغ القائمين بها هاتفياً، وتحدث شخصياً مع العديد منهم موضحاً لهم بأنه في حالة تنفيذها بهذا الاسلوب، فإن معارك دامية لا موجب لها ستقع في شوارع بغداد مع اولئك الذين سيُسندون سعيد صليبي وجماعته، لذلك عزم علي ترك العراق مع جميع أفراد عائلته، ودعا كل من يرغب في مصاحبته إلي السفر معه الي القاهرة، إذ ردّد لمرات عديدة وبعبارات ندم وأسي، أنه يخشي كثيراً بل ويشعر بالخجل من أن يتواجه مرة أخري مع الرئيس عبد السلام عارف الذي سيعلم بما اقترفه من عمل غير لائق تجاه صديق عمره وزميل كفاحه ونضاله، سواءً قبل أو عند عودته الي العراق.

   

التوجه الي مصر

لم يتأخر عارف عبد الرزاق كثيراً في تنفيذ القرار الذي اتخذه، فقد أوصي زوجته بحمل ما خفّ حمله وغلا ثمنه، وتوجّه ظهيرة يوم الخميس السادس عشر من ايلول (سبتمبر) 1965 مع جميع أفراد عائلته الي مطار الرشيد العسكري حيث حضر الي هناك العديد من كبار المشتركين معه في تلك المحاولة الانقلابية، وكان من بينهم هادي خماس، رشيد محسن، عرفان عبد القادر وجدي، والمقدم الركن فاروق صبري عبد القادر معاون مدير الاستخبارات، والرائد عبد الامير الربيعي أحد ضباط مدرسة الدورة، ولكن بشخوصهم دون أفراد عوائلهم.

          

وفي مطار الرشيد العسكري،كان باستقباله العقيد عزيز أمين آمر المطار وكالة باعتباره الضابط الاقدم فيه، حيث شاهدنا طائرة نقل عسكرية من طراز (آنتونوف 12 ـ أوكرايينا) وقد وقف بقربها قائدها الرائد الطيار طه أحمد، تلك الطائرة التي كانت مهّيأة من حيث الاساس لنقل عشرات من قناني غاز الاوكسجين كمساعدات من العراق الي الجزائر، وبعد ان استقر الجميع علي مقاعدها المصممة لجنود المظلات، أقلعت الطائرة ظهراً متبعة خط الطيران الدولي، وصولاً الي مطار القاهرة الدولي.
ونسيتُ ان أذكر ـ والكلام لا يزال للنقيب إحسان عارف ـ أن عارف عبد الرزاق طلب مني العودة قبيل صعوده الي الطائرة، ولكني أبيتُ ذلك، وفاء مني للقائد الذي راعاني كثيراً وتعامل معي كأخ أصغر، والذي عينني مرافقاً شخصياً له مدة قاربت سنتين كاملتين.

مرافق الرئيس عبد الناصر في المطار

وفي مطار القاهرة الدولي كان في استقبال عارف عبد الرزاق قرب باب الطائرة ضابط مصري برتبة مقدم، كنُت قد تعرّفت عليه سابقاً، اذ كان أحد مرافقي الرئيس جمال عبد الناصر، وكان بادياً علي وجهه مشاعر التعجب من وصول رئيس وزراء العراق ورفاقه الي مصر بطائرة نقل عسكرية متواضعة دون إعلام مسبق.. ولكنه من ناحية اخري، كان قد أحضر معه ثلاث سيارات مدنية، أقّلت عارف عبد الرزاق وعائلته وزملاءه الي حيث لا أعلم.
ويقول المرافق الخاص للعميد عارف عبد الرزاق:

أخذت قسطاً من الراحة في قاعة الترانزيت في المطار نفسه، حوالي ثلاث ساعات، تم خلالها اتخاذ اجراءات معينة وتزويد الطائرة بالوقود وبعض المستلزمات، قبل ان أعود الي بغداد مساء اليوم نفسه مع الطيارين والفنيين الي مطار الرشيد العسكري.
وفي بغداد كانت هيئة خاصة قد تشكّلت للتحقيق في المحاولة الانقلابية خلال تلك الايام، حيث تم حجزي حوالي ثلاثة أشهر علي ذمة التحقيق، ولكن من دون اتخاذ إية إجراءات حيال آمر مطار الرشيد العسكري وكالة، أو بحق قائد الطائرة، وبعد اطلاق سراحي، نقلتُ الي قاعدة كركوك الجوية لأعمل فيها ثلاث سنوات، ثم نقلتُ الي صنف المشاة حتي تسنّمت منصب معاون آمر فوج في المنطقة الشمالية، واُحلت علي التقاعد برتبة رائد عام 1971 (انتهي حديث السيد احسان عارف).

                 

حديث السيد صبحي عبد الحميد

علي الرغم من تلك المعلومات المشوقة وغير المسبوقة ـ حسب علمي ـ التي زوّدني بها الرائد المتقاعد إحسان عارف، إلا أنه وبحكم منصبه المتواضع من جهة، وكونه غير ذي علاقة بالكتلة القومية ومحاولتها الانقلابية للإطاحة بالرئيس عبد السلام عارف من جهة اخري، فإنه ـ مع جلّ احترامي لشخصه ـ لا يعدو اكثر من شاهد عيان للحدث وفي ساعاته الاخيرة، ومن دون ان يكون من صُنّاعه ومخطّطيه ومنفّذيه، لذلك فقد أرغمني حديثه ـ لكوني أبحث ببعض العمق في بعض تاريخ فترة حكم الرئيس عبد السلام عارف وشخصه ـ الي التفكير جدياً لإجراء مقابلات مع بعض صانعي الحدث، والخلاف الأكبر الذي فرض أوزاره إبان عهده، فكان الحديث الأهم مع السيد صبحي عبد الحميد، الذي زوّدني مشكوراً بـعشر صفحات كتبها بخط يده عن تلك الحركة الانقلابية وفيما يأتي ملخصها:

  

الصورة بعد حركة 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 1963

لم يكن قد مضي اكثر من شهرين علي نجاح حركة 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 1963 والتي جعلت من عبد السلام عارف رئيساً حقيقياً للجمهورية العراقية، وليس رئيساً صورياً كما كان عليه حاله في فترة 8 شباط (فبراير) 1963 التي دامت تسعة أشهر متعاقبة، حتي التأم شمله مع الرئيس جمال عبد الناصر في القاهرة التي عقدا معاً فيها جلسات عديدة علي هامش اجتماعات مؤتمر القمة العربي الاول المنعقد أواسط كانون الثاني (يناير) 1964، والتي حضرتُها بصفتي وزيراً للخارجية. وكان الرئيس عبد الناصر يتحدث مع الرئيس عبد السلام عن تجربته التي دامت في الحكم: ثلاثة عشر عاما، ناصحاً إياه بضرورة التوصل الي حل جميع مشاكل العراق بالطرق السلمية وبحكمة مؤكداً علي المحافظة علي وحدة العراق وأرضه وشعبه، بقومياته وطوائفه ومذاهبه المختلفة، ومعاملة الجميع كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات. وحل المشكلة الكردية المستعصية سلميا وذاتيا، وتشكيل تنظيم سياسي يستند عليه الحكم ويُسنده، وتأسيس تنظيم عسكري سري يُعتمد عليه بمستوي القوات المسلحة كما هو الحال في مصر. ويضيف السيد صبحي عبد الحميد ان الرئيس عبد السلام استمع الي تلك النصائح باهتمام واقتنع بها، لذلك حال عودتنا الي بغداد كلّفني بتشكيل ذلك التنظيم السري، علي الرغم من كوني وزيراً للخارجية، وعلي غير تماس مباشر مع القوات المسلحة وضباطها، واضطراري للسفر خارج العراق بحكم منصبي، وربّما لعدة مرات خلال الشهر الواحد، وعلي الرغم من تكرار اعتذاري له، إلا أن إصراره جعلني أضطر لمفاتحة زملائي السابقين الذين شكلنا معاً في عهد عبد الكريم قاسم تنظيماً سرياً شارك في القضاء علي حكمه من خلال مشاركتنا الفعالة في ثورة 14 رمضان 1963، قبل أن نقرر حلّه بعيد نجاحها.

تعدد التكتلات السياسية

لم يمض سوي شهر واحد، حتي اكتشفتُ أن أنباء تنظيمنا العسكري السري قد تسرّبت الي كبار ضباط القوات المسلحة، فتطوع المشاغبون ـ وما أكثرهم ـ بالدسّ ضدنا لدي رئيس الجمهورية، مصوّرين له أننا نعيد تنظيماً من الضباط سراً للإطاحة به.
والغريب في الأمر، أن الرئيس قد استمع لهذا الشغب وصدّقه، دون أن يواجه المشاغبين ويدافع عنا، ويُسكتهم بالقول بأنه هو الذي أمرني بإعادة تأسيس هذا التنظيم، وإنه يفترض أن يعتبر نفسه شخصياً علي رأس هرمه، وعلي اتصال مباشر به.

                           

كان في مقدمة أولئك، أخوه الذي نصبه رئيساً لأركان الجيش وكالة اللواء عبد الرحمن، الذي كان يردد دوماً أننا جميعاً أعضاء في حزب يسمي (حركة القوميين العرب)، وذلك إفك وافتراء وبُطلان لا صحة له مطلقاً، وبدلاً من أن يلتزم الرئيس بتنظيمنا المخلص، فإنه أهمله وتجاهله، وأوعز سراً من ناحيته الي العميد سعيد صليبي قائد موقع بغداد بتشكيل منظمة ضباط من أقرانه، كما طلب لاحقاً من العقيد الركن بشير الطالب آمر لواء الحرس الجمهوري إقامة تنظيم مشابه آخر، والي أخيه اللواء عبد الرحمن عارف بتهيئة تنظيم ثالث.
وهكذا تكوّنت في القوات المسلحة العراقية اربع كتل من كبار الضباط المتنفذين، إضافة الي كتلة خامسة يقودها العميد عبد الهادي الراوي، وأمست جميعاً تتنافس في استمالة الضباط الي صفوفها بطريقة أو بأخري.
ويمضي السيد عبد الحميد في حديثه قائلا: ليت الرئيس عبد السلام طلب إليّ الكفّ عن الاستمرار في تنظيم كتلتنا وصرف النظر عنها، وأن يتولّي هو قيادتها بشخصه بدلاً من تلك الفوضي التي باتت تعّم وحدات ومؤسسات الجيش، ولما اضطررتُ الي مصارحته بذلك، أنكر علمه بوجود مثل هذه التنظيمات.

الكتلة القومية

في شهر آذار (مارس) 1964، وبعد أن اكتشفنا شكوك عبد السلام عارف حيال نوايا كتلتنا، قررنا ـ والكلام للسيد عبد الحميد ـ العمل بصورة مستقلة عن رئيس الجمهورية، دون أن تكون لدينا أية نية للعمل ضده، أو الانقلاب عليه، أو الاستحواذ علي السلطة، بل كانت غايتنا تحصين القوات المسلحة وصون البلد من احتمالات أن يجازف بعض المغامرين ويقفزوا الي السلطة فجأة، وذلك باستثمار واحد أو أكثر من تلك التنظيمات .
ولما كنتُ ـ ومعي العميد الركن عبد الكريم فرحان ـ معارضاً لفكرة أن يقود شخص واحد تنظيمنا، لإيماني بـ)القيادة الجماعية(، فقد عقدت قيادة التنظيم خلال الشهر الاخير من عام 1964 اجتماعا ـ دون استدعائنا ـ وقرر أعضاؤها انتخاب عميد الجو الركن عارف عبد الرزاق رئيساً لقيادة الكتلة.

عبد السلام عارف وعارف عبد الرزاق

ويري السيد صبحي عبد الحميد ان الرئيس عبد السلام خطّط للتخلص من الكتلة، قبل مدة من ذلك الخلاف الذي أدي الي تقديم عبد الكريم فرحان لاستقالته في أواخر حزيران (يونيو) 1965، وتفاقم الي مستوي (أزمة تموز) الوزارية وذلك بتمزيقنا من الداخل، متقرّباً الي عارف عبد الرزاق رئيس الكتلة وذي المنصب الخطير (قائد القوة الجوية) محاولاً بشتي الطرق والاساليب كسبه الي جانبه وإبعاده عن صفوف (الكتلة) موعزاً الي صديقي عارف عبد الرزاق الحميمين سعيد صليبي وحميد قادر للتأثير عليه.
ولما استنتج عارف عبد الرزاق ذلك، صمّم من جانبه ان يكشف خطة عبد السلام عارف ونواياه ومناوراته وأخذ يتردد عليه دوماً، مُبدياً له الود والاخلاص، محاولاً نصحه وإعادته الي النهج السليم في بادئ الامر، ومؤكداً له ان الجميع يحبّونه ويقدّرونه ويحترمونه، وأن معارضتهم لبعض قراراته ليست إلا من قبيل دافع الحرص علي المصلحة العامة.

مشكلة نقل الضباط

ويستطرد السيد صبحي عبد الحميد في حديثه ويقول: في اليوم الأول من شهر ايلول (سبتمبر) 1965 استدعي عبد السلام عارف، اللواء الركن محسن حسين الحبيب وزير الدفاع وسلّمه ورقة تحوي اسماء عشرة ضباط، طالباً نقلهم الي خارج بغداد، وكان علي رأس القائمة العميد الركن محمد مجيد معاون رئيس اركان الجيش، والعقداء الركن عرفان عبد القادر وجدي آمر الكلية العسكرية، وهادي خماس مدير الاستخبارات العسكرية، ومحمد يوسف طه مدير الحركات العسكرية، وجميعهم من قياديي الكتلة، غير ان وزير الدفاع لم يقتنع بتنفيذ الامر، وبعد أن شاور زميله اللواء الركن ناجي طالب وزير الخارجية بالأمر، قرّر كلاهما تقديم استقالتيهما من منصبيهما، رافضين أن يتحوّلا الي (معول) بيد عبد السلام عارف للتخلص من ضباط هم زملاء للوزراء الذين استقالوا من مناصبهم أوائل شهر تموز (يوليو) من العام نفسه.

         

عارف عبد الرزاق رئيساً للوزراء

وبخروج وزيرين مهمين من وزارة الفريق طاهر يحيي الثالثة، وبدلاً من إجراء تعديل آخر عليها، فقد قرر عبد السلام عارف تكليف عارف عبد الرزاق قائد القوة الجوية بتشكيل وزارة جديدة، بعد إقالة وزارة الفريق يحيي دون إعلان مسبق.
ولكن قبل ذلك بأشهر، ومنذ انتخاب الكتلة القومية لـعارف عبد الرزاق رئيساً لها، فقد عقد قادتها اجتماعات عديدة خلال النصف الاول من عام 1965، استعرضوا خلالها مواقف عبد السلام عارف من كتلتهم، ودرسوا دوافعها دراسة مستفيضة، فقد توصّلوا الي نتائج منها:

أن عبد السلام عارف أخذ يتجه للانفراد بالسلطة، وقد جمّد بشكل شبه نهائي أعمال المجلس الوطني لقيادة الثورة، وأنه عاد يعتمد علي القوي الرجعية ويغازلها، ويتهكّم أمامها علي الوحدة والاشتراكية والاتحاد الاشتراكي، وأن كرسي الحكم قد أغراه، وحوله الي عنصر لتعويق الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة، وأنه بات يشجّع تأسيس كتل سياسية متعددة، بل ويخلق البعض منها، محرّضاً الواحدة ضد الاخري، ومستهدفاً في المقام الاول تحريض الضباط من ذوي الرتب الكبيرة ضد كتلتنا التي تُعتبر أول كتلة مساندة له، وهو الذي أمرني شخصياً بإعادة تشكليها، كما توصلت الكتلة الي إن الانسجام لدي السلطة العليا للدولة قد اهتزت أواصره، ولا بد من بذل كل الطرق والوسائل لإعادة الثقة بين رئيس الجمهورية وقادة كتلتنا، والضغط عليه لتغيير نهجه الفردي، وإعادة إيمانه بالوحدة والاشتراكية، والاعتماد عليهم سنداً قوياً ليحموه من المؤامرات والانقلابات، وأن لا هدف لـ الكتلة سوي حماية النظام وترصينه والمحافظة عليه، وإذا لم تفد كل تلك المحاولات مع عبد السلام عارف، وأصّر علي الاستمرار في نهجه، فلا بد من التفكير بتغييره.

حكومة ضعيفة

وهكذا.. فعندما رفض عبد السلام عارف حل الكتل السياسية في عموم القوات المسلحة، واكتشف عارف عبد الرزاق نواياه في التخلص من قادة الكتلة القومية بالتدريج، فقد تبلورت فكرة تنحيته عن الحكم بشكل جدي منذ مطلع شهر حزيران (يونيو) 1965.
وعندما شكل عارف عبد الرزاق حكومته أوائل ايلول (سبتمبر) وطرح أسماء وزراء انتخبهم هو، رفضها عبد السلام عارف دون مبرر، فتشكلت الوزارة من عناصر غير معروفة، وبدت ضعيفة، وهاجمتها القوي القومية بشدة ولم يسلم عارف عبد الرزاق نفسه ـ وهو المعروف بتوجهاته القومية والوحدوية ـ من النقد اللاذع، واُتّهم بقبوله ترؤس الوزارة هذه طمعاً منه في تسنم هذا المنصب الرفيع.
ونظراً للصداقة الحميمة التي كانت تربط عارف عبد الرزاق بالعميد سعيد صليبي، فإنه كان يشكو له في جلساتهما الشخصية من فردية عبد السلام وابتعاده عن الخط الوحدوي، وميله للاعتماد علي القوي الرجعية، ولكن سعيد صليبي كان يناور ثلاثة اتجاهات، أولها عبد السلام عارف وثانيها أحمد حسن البكر وعناصر من حزب البعث، وثالثها مع عارف عبد الرزاق ومحاولاته الكثيرة لإبعاده عن كتلتنا.
وعندما شكّل عارف وزارته، كان رأي سعيد صليبي أنه ما دام قد بات قريباً من عبد السلام أكثر من أي وقت مضي، فإن عليهما أن يمنحاه فرصة ثلاثة اشهر ويحاولا خلالها إقناعه بمبدأ الحكم الجماعي وتحقيق الوحدة المنشودة، فإن لم يقتنع ولم يعمل بهذا المنحي، فإن (سعيد) مستعد للمشاركة في إزاحته.
ومن ناحيته فإن عبد السلام عارف اعتقد انه استطاع كسب عارف عبد الرزاق الي جانبه تماماً حين جعله رئيساً للوزراء ووزيراً للدفاع في وقت واحد، وأن الاخير غدا مستعداً لتنفيذ جميع رغباته، وأنه ابتعد عن كتلته القومية، ولغرض جعله أكثر بعداً، فلا بد أن يطلب منه نقل أولئك الضباط الذين رفض وزير الدفاع السابق محسن حسين الحبيب نقلهم قبل أن يقدّم استقالته بسبب ذلك، ولكن عارف عبد الرزاق نفذ أمراً واحداً ضمن باكورة أعماله، حين أصدر أمر نقل العميد الركن محمد مجيد وكان يومها في لندن لغرض المعالجة، من منصب معاون رئيس أركان الجيش الي منصب آمر كلية الاركان، تحت ذريعة أنه ينبغي ان يحوز علي ثقة عبد السلام عارف تمهيداً لتنفيذ ما اتّفقت عليه (الكتلة( حالما يحين الوقت المناسب.

نقل الضباط مرة اُخري

ولدي سفر عبد السلام الي المغرب في الثاني عشر من ايلول (سبتمبر) 1965 لم ينس أن يسلّم عارف في المطار بغداد، ورقة تحوي اسمي العقيد الركن عرفان عبد القادر وجدي آمر الكلية العسكرية، والعقيد الركن محمد يوسف طه مدير الحركات العسكرية، طالباً ضرورة نقلهما من منصبيهما الي آمر لواء ضمن تشكيلات الجيش المنتشرة خارج بغداد، وبذلك يمكن فصل عارف عبد الرزاق عن كتلته بشكل نهائي، وخصوصاً اذا ما صدر أمر النقل وهو في المغرب، إذ يمكنه ان يدّعي مستقبلاً أنه لا علم له بذلك، لأن مثل هذه الصلاحية مخولة لشخص وزير الدفاع.
اتصل عارف عبد الرزاق بي هاتفياً ـ والكلام لا يزال للسيد صبحي عبد الحميد ـ وأخبرني بالامر وطلب رأيي فقلت له:
لا تنفّذ الامر، بل صارحه عند عودته بأنك لست علي استعداد لأن تنفذ أمراً رفض وزير الدفاع السابق إصداره، وأن لا داعي لإجراء مثل هذه التنقّلات، بل الافضل العمل علي حلّ جميع الكتل تمهيداً لإبعاد الجيش عن السياسة.
ولتلافي الإحراج الذي وقع فيه عارف، فقد استدعي في تلك الليلة الضابطين عرفان ومحمد يوسف بغية إقناعهما بالموافقة علي النقل قبل إصدار أمره، ولكنهما قالا له:

ليكن في علمك، إننا سنكون أول الغيث لأن رئيس الجمهورية عندما يعود فإنه سيطلب منك المزيد، ولكن علي أية حال، فإنك إن أصدرت الامر فإننا مضطران الي تنفيذه وفق التقاليد العسكرية، وعليك موازنة النتائج المترتبة علي ذلك، لكوننا نشغل منصبين مهمين ستخسرهما إذا ما قرّرت القيام بحركة في المستقبل.
وعندما خرج العقيدان من مكتبه، ظل عارف عبد الرزاق في حيرة من أمره، علي الرغم من صلابته وشجاعته وقدرته المشهودة علي تحّمل المسؤوليات مهما كانت خطورتها، وبالاخص عندما واجهه ضباط آخرون باعتراضاتهم عندما سمعوا بالخبر، مذكرين إياه بأن الدور سيأتي علي الباقين، وأن عبد السلام لا يستهدف سوي تشتيت الكتلة القومية ليستفرد بـعارف عبد الرزاق تمهيداً لإقالته من جميع مناصبه في المستقبل القريب، حينئذ يخسر سمعته السياسية، لأن وزارته التي شكّلها قبل أيام غير مقبولة من حيث الاساس في الشارع العراقي، إضافة الي فقدانه سمعته العسكرية والاجتماعية، كونه نقل أعواناً وأصدقاء حميمين طالما اعتمد عليهم، وهم سرّ قوته أمام عبد السلام عارف، لذلك فإن الوقت قد حان فعلاً للتخلص من نظام حكمه، وأن وجوده في الدار البيضاء فرصة ذهبية للإطاحة به.
بات عارف عبد الرزاق ليلته تلك في دوامة لا يستقر علي قرار، فمن جهة فقد وعد سعيد صليبي بمنح عبد السلام عارف فرصة ثلاثة أشهر لتصحيح أخطائه، فليس من المعقول القيام بانقلاب في حين لم يمض علي ذلك الوعد وعلي تشكيل وزارته سوي أيام عديدة، ومن جهة اخري، فأن الرأي العام لا يمكن ان يستوعب ان عارف أطاح برئيس الجمهورية لأنه طلب منه نقل عدد من الضباط، لذلك غدا في موقف حرج للغاية ويا ليته أخذ بنصيحتي.

صبحي عبد الحميد في مواجهة عارف عبد الرزاق

زرتُه صباح يوم الثالث عشر من ايلول (سبتمبر) ـ والكلام للسيد صبحي ـ فروي لي عارف عبد الرزاق ما عاناه في الليلة الماضية، وقص عليّ الضغط الكبير الذي يمارسه ضباط الكتلة للإطاحة بـعبد السلام عارف، فأعدتُ عليه ما اقترحته في الليلة السابقة وقلت له: إن موقفك في الشارع وفي أوساط الجيش قد أصبح سيئاً، إذاً لا بدّ من الإقدام علي خطوة تسترجع بها شعبيتك، لذلك فإن أمامك حلّين لا ثالث لهما:
الاول: أن تستثمر فرصة غياب عبد السلام وتنحّيه عن السلطة نزولاً عند رغبة ضباط الكتلة، والثاني: أن ترفض تنفيذ طلب النقل وتنتظر عودة عبد السلام لتواجهه بصراحة تامة، مُلوّحاً بقوة الجيش والقوة الجوية اللتين أنت مستند عليهما، وتطلب منه الكفّ عن اتباع سياسة )فرّق.. تسُد) وتفرض عليه ضرورة إجراء تعديل وزاري لتدخل في وزارتك عناصر قومية بارزة تختارهم أنت، وبذلك تنال رضا الشارع العراقي الذي خاب ظنّه من وزارتك الحالية، وإني علي يقين أن عبد السلام سيرضخ لكل مطالبك، لأنه غير قادر ـ في هذه المرحلة ـ علي إقالتك ما دامت الوزارة جديدة، والجيش يقفان وراء ظهرك، والشارع يشدّ أزرك، ولقد تركُته متصوراً أنه قد اقتنع بالحل الثاني.

خطة تنحية عبد السلام عارف

ويضيف السيد صبحي عبد الحميد: وفي مساء اليوم نفسه حضر الي مسكني المقدم الركن رشيد محسن مدير الامن العام، موضحاً أن ضغط الضباط علي عارف عبد الرزاق قد ازداد هذا اليوم، وأنه اقتنع بضرورة إجراء حركة ينحي بها عبد السلام، وأنه بعثني إليك لاستبيان تصوراتك عن خطة يمكن أن تنفذ. أوضحتُ للاخ رشيد أنه علي الرغم من تفضيلي الحل المقترح الثاني، فإنني ـ نزولاً لمشيئة عارف عبد الرزاق وضباط الكتلة القومية ـ أقترح تنفيذ الحركة وفق ما يأتي: أولاً: أن يستدعي كلاً من العميد سعيد صليبي والعقيد الركن بشير الطالب آمر لواء الحرس الجمهوري والمقدم الركن ابراهيم الداود آمر فوج الحرس الجمهوري الثاني الي مكتبه في رئاسة مجلس الوزراء، تحت ذريعة مناقشة خطة أمن بغداد، وذلك عند انتصاف نهار الخامس عشر من ايلول (سبتمبر) 1965 وحال حضورهم يتم حجزهم في مبني المجلس،حيث يوضعون تحت حراسة ضباط من الكتلة القومية يهيّأون لهذا الغرض.
ثانياً: ينُذر جميع القطعات العسكرية المتواجدة في بغداد تحسباً لأي طارئ.
ثالثاً: يذهب عارف عبد الرزاق بكل هدوء الي دار الإذاعة والتلفزيون، حيث يذيع بياناً بتنحية عبد السلام عارف من جميع مناصبه، وتشكيل مجلس قيادة الثورة مجدداً، وإعادة تشكيل وزارة جديدة.

للراغبين الأطلاع على الحلقة السابقة:

http://www.algardenia.com/2014-04-04-19-52-20/fereboaliraq/10710-2014-05-31-21-14-16.html
 

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

380 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع