حوار في حدائق الگاردينيا مع الفريق الركن الدكتور المتقاعد محمد نجم الدين النقشبندي
إعداد وحوار/ اللواء الركن المتقاعد فؤاد حسين علي
حين يكون الحوار مع شخصية تركت بصمتها في سجل الوطن، فإننا لا نقف عند حدود السؤال والجواب، بل نتوقف عند محطات حياة تفيض بالعبر والدروس. والفريق الركن الدكتور محمد نجم الدين النقشبندي واحد من تلك القامات العسكرية والفكرية التي امتزج في مسارها الانضباط الصارم بروح البحث والتأمل، فارتسمت صورة الضابط العراقي الملتزم، الذي لم يكتفِ بأداء الواجب بل سعى دائمًا لأن يضيف إليه قيمة ومعنى.
الملازم محمد نجم الدين النقشبندي- ١٤ تموز ١٩٦٢- حفلة تخرج الكلية العسكرية الدورة (٣٨) امر الكلية العسكرية العميد أحمد صالح
منذ بداياته ضابطًا ميدانيًا متميزًا، كان يُعرف بانضباطه وحرصه على إثبات حضوره، لا بالشجاعة وحدها، بل بالمعرفة والتمكن من أدوات العلم العسكري. ومع تدرجه في المواقع والمسؤوليات، انتقل ليكون ضابط ركن يضطلع بدور بارز في صياغة الدراسات وتقديم الرؤى والاستشارات الدقيقة، ولا سيما في رحاب جامعة البكر للدراسات العسكرية العليا، تلك المؤسسة التي طالما عُرفت بعمقها ورصانتها.
إلا أنّ الطموح لدى الفريق الركن لم يعرف حدودًا، فآثر أن يمدّ جناحيه إلى آفاق أوسع، فدرس الأدب الإنجليزي في الجامعة المستنصرية، مستكشفًا جماليات اللغة وآدابها، ثم واصل رحلته العلمية في جامعة الدفاع القومي الأمريكية، حيث حصل على الدبلوم، جامعًا بذلك بين الانضباط العسكري والدراسة الأكاديمية متعددة المشارب.
وعلى الصعيد الشخصي، يتفق كل من عرفه على أنّه رجل دمث الأخلاق، رحب الصدر، واسع المعرفة، يحمل ميلًا أصيلًا لنشر العلم وتبادل الرأي، وكأنّ رسالته لا تقتصر على الجندية، بل تمتد إلى بناء الإنسان وإشاعة الفهم العميق لما يحيط بنا من قضايا.
اليوم نلتقيه في هذا الحوار المميز، نفتح معه صفحات من تجربته الغنية، ونسأله أن يأخذنا بحديثه إلى العوالم التي صنعته وصاغت مسيرته.
الرائد الركن محمد نجم الدين النقشبندي في 14 تموز 1972
معلم في كلية الاركان
وهكذا بدء معنا :
("ان لا شيء أفضل في الحياة من ان يكون المرء مخلصا لوطنه وقومه، صادقا مع نفسه وغيره، وفياً للابعدين والاقربين.")
("اللواء المتقاعد فؤاد عارف" )
السؤال-١ : . سيادة الفريق، لنبدأ من البدايات: كيف تشكّل وعيكم العسكري والمهني منذ دخولكم الكلية العسكرية، وما أبرز التحديات التي صاغت شخصيتكم في تلك المرحلة المبكرة؟
الجواب -١
١ – عملياً بدأ الوعي العسكري والمهني بعد اكمال دورة الصنف( مدفعية الميدان) في مدرسة المدفعية في بغداد والتحاقي بوحدتي في كتيبة مدفعية ميدان/٣٦، حيث كانت النموذج لتطبيق المبادئ العسكرية التي تعلمتها في الكلية العسكرية وكذلك تعاليم المدفع وفنون الصنف واساليب استخدامه،إضافة الى معرفة الجوانب الإدارية ( مثل المعاملات الخاصة بالترقية والمجالس التحقيقية والمراسلات الرسمية...الخ) في وحدة فرعية. لقد كان هدفي منذ البداية هو كسب ثقة منتسبي فصيلي من خلال( الالتزام بالتوقيتات والمواعيد والقيافة النظامية واخلاقيات الجيش ...الخ) من ثم منتسبي الكتيبة. تم اشراكي بدورة حتمية للترقية الى رتبة ملازم أول( دورة الاسلحة الموحدة في مدرسة المشاة) وهكذا أصبحت ملماً باستخدام كافة أنواع الأسلحة الخفيفة في وحدتي، وزادت معرفتي بالعديد من ضباط من الصنوف الأخرى. كنت شديد الرغبة للاشتراك بالدورات على عكس زملائي، وحصلت على (دورة ضباط مخابرة الوحدات) في مديرية المخابرة، واشتركت فيها وكنت مهتما بدرجة كبيرة فيها و جلبت اهتمام الضباط المعلمين في الدورة لحد مفاتحتي برغبتهم لنقلي الى صنف المخابرة. وهكذا زاد عدد الضباط الذين كانوا بالتماس معي في الدورة ، وتعرفوا على قدراتي في المهنة العسكرية ورغبتي في التوسع والتطور لكي أكون ضابطاً كفؤاً في وحدتي.
٢- حال عودتي الى وحدتي و وصول تقرير الدورة وكوني الناجح الأول فيها، شعر الجميع بتوسع قدراتي ورفع مكانتي في البطرية والكتيبة وتنهال عليٌ الأسئلة لتوضيحها للسائلين وأصبحت مصدراً للضباط الشباب في مجالي فن المدفعية والأسلحة الخفيفة وقضايا المخابرة مع الصنوف الاخرى، وهذا أدى بآمر البطرية الى نقلي الى منصب" ضابط موضع المدافع". هنا ركزت على تدريب العاملين في الموضع من المراتب وضباط الصف لإتقان مهنتهم مما شعر الجميع بقدرتي وكفائتي في هذا المجال وتم نقلي الى بطرية آخرى لتنشيط هذه الفعاليات في تلك البطرية أيضاً. بعد نجاحي الكبير في الموقع الجديد ونتيجة اشتغالي بالمناصب المختلفة في الكتيبة زادت رغبتي وتوسعت مداركي، ولم يمض وقت طويل حتى أصبحت عنصراً فعالاً بين أقراني في وحدتي، وجلبت اهتمام زملائي وحتى الضباط الاقدمين في كتيبتي في دقة تنفيذ الأوامر والضبط العسكري إضافة الى عمق فهمي لفن المدفعية وكثرة قراءتي لمصادر الصنف. وجد آمر الكتيبة بضرورة نقلي الى منصب "مساعد الكتيبة" لنقل الحماس والنشاط للكتيبة كلها. بعد اكتسابي الخبرة والعمل كمساعد لأكثر من سنة وجدت من الضروري ان أدخل دورة المساحة لتتكامل لدي فكرة استخدام البطريات ضمن الكتيبة، والكتيبة ضمن مدفعية الفرقة، نعم شاركت بدورة المساحة في مدرسة المدفعية، ومنذ البداية لاحظ المعلم المختص بدقة وسرعة نتائج التمارين من قبلي باستخدام "المسطرة الحاسبة"، وكلما ازدادت صعوبة التمارين يزداد شعور الدورة باهتمامي ودقة وسرعة نتائجي، وفي نهاية الدورة كان تسلسلي الأول وقد اخبر امر الدورة امر مدرسة المدفعية بان نتائجي في التمارين احياناً ادق واسرع من المعلم المختص نفسه مما حدى به ان يرشحني بان أكون معلماً في المدرسة. بعد عودتي الى وحدتينا بأسبوعين وصل تقرير الدورة وقدم لي امر الكتيبة وامري البطريات التهنئة بهذه النتيجة العالية ولم يمض شهر وتم نقلي الى منصب معلم المساحة في مدرسة مدفعية الميدان. وهكذا انتشر سمعتي الجيدة بين ضباط صنف المدفعية كلهم.
٣- ابرز التحديات :
آ – التحدي الكبير كانت اللغة، فانا من القومية الكردية واكملت الدراسة الابتدائية في محافظة السليمانية وكانت باللغة الكردية، وبدأنا بالتحول الى اللغة العربية في المتوسطة والثانوية ولكن كان التحدث بالفصحى، ولاقيت العديد من المعاضل في الكلية العسكرية وكذلك في دورة الاحداث، ولكن بدأ التطور في اللغة بعد جهد كبير في الكتيبة ولا سيما بعد استلامي منصب مساعد الكتيبة.
ب. التحدي الثاني كان نتيجة نشوء الحركة التحررية الكردية المسلحة في شمال العراق. فكان موقفي صعب جداً لان الحكومة المركزية كانت برئاسة اللواء الركن عبد الكريم قاسم بعد انقلاب عسكري وكان الحزب الشيوعي منتشر في عموم العراق، وانا من اسرة دينية بعيدة عن الأحزاب السياسية، ولم انتمي الى أي حزب لغاية إحالتي على التقاعد بعد خمسين عاما من الخدمة.
العقيد الركن محمد نجم الدين النقشبندي – آمر اللواء المشاة الالي/ ٢٥
١٤ تموز ١٩٨٠
السؤال -٢ . كنتم جزءًا من كلية الأركان وجامعة البكر للدراسات العسكرية العليا، وهما صرحان عُرفتا برصانتهما. ما طبيعة إسهاماتكم هناك، وكيف انعكست خبراتكم العملية على الدراسات والبحوث التي قدمتموها؟
الجواب -٢
الجانب الأول- بطبيعة اسهاماتي ونتيجة خبراتي العملية في تطوير كلية الأركان وبمساعدة زملائي فيها ندرج بعض من منها ادناه باختصار:
١ . العودة الى كلية الاركان العراقية ولكن بمنصب معلم( 1972ـ 1976م). كنت تواقاً للالتحاق بالكلية التي طالما كنت اتمنى أن اكون معلما فيها، للعمل مع نخبة النخبة من الضباط الركن، جهابذة العلم العسكري وفن الحرب. كان عددهم قليل جدا، ولكن كانوا يتميزون بالخبرة المهنية العالية في صنوفهم في مجالات التعبية، وواجبات الاركان، وكانوا فرسان ماهرين في التدريب واعداد التمارين بانواعها. يا ترى كيف يتم انتقائهم؟ ماذا يميزهم عن بقية ضباط الركن في الجيش؟ ماهو نوع المسؤولية التي تناط بهم؟ كيف ينظر الاخرين لهم ؟ هذه سلسلة من الاسئلة التي كانت تراود افكاري قبل الالتحاق. في الحقيقة حصلت على الاجوبة كلها خلال فترة حياتي كمعلم ومعلم أقدم ثم آمراً للكلية فيها.
وعملياً ساهمت بأعداد عدد كبير من ضباط الركن خلال دورات الأركان وكما يلي:
آ . كمعلم في دورتي الأركان (٣٩و٤١) في سنوات (١٩٧٢- ١٩٧٦).
ب . كمعلم أقدم في دورة الأركان (٤٦) وبعد عودتي من دورة الأركان في كلية القيادة والاركان في باكستان عام (١٩٧٨).
ج . امرًا للكلية في دورة الأركان (٥٠)
٢ . تم ترقيتي الى رتبة مقدم ركن في 14 تموز1974() عندما كنت معلما في دورة الاركان (41) وهي ثاني دورة اشارك في تدريسها كمعلم. كان العقيد الركن نعمة فارس يشغل منصب معلما أقدما للدورة. كانت القيادة العسكرية وَجَدَتْ بالضرورة فتح دورة لامري الوية المشاة والمشاة الالي والمدرعة في كلية الاركان، لتحديث معلوماتهم وفق عقيدة العمليات البرية المشتركة الجديدة، والمنصوص عليها في سلسلة كراسات ( الحرب البرية) لعام 1973. كلفت بالقاء محاضرة في تخطيط الاسناد الناري في مستوى فرقة ضمن منهاج الدورة. اشترك امري الالوية من الذين اشتركوا بالحرب او غيرهم. كان من ابرزهم العقيد الركن وليد محمود سيرت( لواء ركن قائد فيلق الأول لاحقا) ، والعقيد الركن سليم الامامي( امر اللواء المدرع /١٢)، والعقيد كمال محمد المفتي (لاحقا فريق في قوات البيشمركة عند عمله مع قيادة الاتحاد الوطني الكردستان)" ، والعقيد الركن محمد جواد البدر(لواء ركن مدير التجنيد العام وآخرين). بعد مضي نصف ساعة على المباشرة بالدرس، حضر قاعة الدرس رئيس اركان الجيش الفريق ألاول الركن عبد الجبار شنشل بصحبة آمر الكلية العميد الركن نجيب ابتر عمر والمعلم الاقدم العقيد الركن نعمة فارس لنهاية المحاضرة. تم طرح الاسئلة من منتسبي الدورة وقمت بالاجابة عليها. اسأذنت من رئيس اركان الجيش ان رغب في تقديم توجيهاته بصدد الموضوع وفقا لسياقات الكلية، فقال " لقد أُعْجِبْتُ بالمحاضرة القَيِّمَة، وحاولت مسك هذا المعلم الشاب عدة مرات في قضايا كنت اعتقد انه اخطأ في عرضها، ولكنه يطفر مثل السمكة من بين يدي، موضحا تلك النقاط وكانما يعرف ما يدور في خلدي، ولم يسمح لي بايجاد ولو هفوة صغيرة في محاضرته، واعاد الى أذهاني عندما كنت معلما في هذه الكلية، ولا يسعني الا ان اشكر هذا الضابط الشاب الممتلىء علماً ومقدرةً ومهنية عالية، وتمسكه بالعقيدة العسكرية العراقية بقوة فيما يخص التخطيط للاسناد الناري في مستوى فرقة".
٣. في نيسان 1975 حصلت الموافقة على اشتراكي بدورة في كلية الاركان والقيادة في الباكستان. بدأت الدورة في الاسبوع الاول من كانون الثاني 1976 وانتهت في نهاية تشرين الثاني 1976. بعد انتهاء الدورة منح كل ضابط لقب الركن " اجتاز دورة الاركان ــ (PSC- Pass Staff Course ) وشهادة الماجستير في العلوم العسكرية في حفل كبير في اكبر قاعة في الكلية، وعندما جاء اسمي وتقدمت الى آمر الكلية وجه كلامه للحضور قائلا " ايتها السيدات والسادة، انتم جميعا تعرفون من هو الكولونيل النقشبندي( يطلق على حامل رتبة مقدم باللغة الانكليزية كلمة كولونيل)، انه كان في مقدمة الدورة منذ بدايتها، لم يكن طالبا بل عضوا في الهيئة التعليمية. لقد راجعنا سجلات كليتنا منذ تاسيسها عام 1905 ولحد الان، ولم نجد ضابطا من الشرق الاوسط بمقدرته العلمية ومهنيته العالية. سيكون ضابط ركن لامع، وقائداً مقتدراً في بلده، وكنا نسميه بجنرال المستقبل، ونتمنى له التوفيق." ارسلت الكلية تقريرها الى وزارة الدفاع العراقية، رفعها رئيس اركان الجيش العراقي الى الوزير مع تعليقه المشهور، والمثبت على نسخة مترجمة من التقرير( كنت اتوقع منه هذا الانجاز الكبير).بهذا العمل اعطينا مثالاً جيداً كنموذج للجيش العراقي.
٤ . واجهت الكلية منذ تأسيسها بعض التحديات نتيجة فقدان المواضيع الاتية( كيفية القيام بتحليل منطقة الحركات، و كيفية اعداد تقدير موقف الاستخبارات، وكيفية الاستخدام الافضل للاحتياط في صفحتي الدفاع والهجوم، وكيفية استخدام التشكيلات الالية والمدرعة في الحروب السيارة باسناد القوة الجوية، وأخيرا كيفية اعداد وادارة لعبة حرب بمستوى فرقة في اطار الفيلق) فعلا كانت مناهج الكلية تفتقر لمثل هذه المواضيع. وجدت من الضرورة البدء بالاستجابة لقضايا عمل الركن أولاً، ومن ثم المباشرة بإعداد محاضرات وتمارين التعبوية. نالت المحاضرات والتمارين واسلوب العرض استحسان الجميع واقترحوا الاسراع في دمجها في مناهج الدورات القادمة. بناءاً على المحاضرات والعروض قرر مجلس الكلية اعتمادها في الدورات القادمة ورفع مقترح بصددها الى دائرة التدريب والشؤون الفنية لاستحصال الموافقة على اعتبارها جزءا مكملا وتطويراً للعقيدة العسكرية في أعمال الركن وواجبات الاركان في الميدان. خلال وقت قصير حصلت الموافقة على المقترح وتم توزيعها على المؤوسسات التدريبية والمديريات والتشكيلات والوحدات كافة، واصبحت عقيدة عسكرية على الجميع تنفيذها والعمل بموجبها.
٥ . في مجال تطوير الجناح الجوي في الكلية بادرت بتطبيق تمرين خاص باستخدام القوة الجوية، وكانت الكلية وقبل اندلاع الحرب العراقية - الإيرانية قد تعاقدت مع شركة بريطانية سبق واعدت تمرينا خاص بالمعركة الجوية تم تطبيقها في كلية الأركان الجوية في المملكة المتحدة. وتم التعاون بين الكلية مع قيادة القوة الجوية في تطبيق التمرين. كان التمرين ناجحا ونال استحسان الضباط التلاميذ وقيادة القوة الجوية.
٦. تم جعل دورة الأركان "مشتركة" وذلك بعد توحيد البرامج الخاصة لدورة الأركان الجوية والمعدة وفقاً للعقيدة الجوية الباكستانية الغربية مع برنامج لدورة الأركان البرية وذلك( بتوحيد قضايا واجبات الأركان وفق الكراسة ١٦٧ وكذلك تطبيق عمليا التعاون الجوي- البري وفقا لكراسة العمليات المشتركة) ونالت هذا الاجراءات استحسان قيادة القوة الجوية ورئاسة اركان الجيش، واعتمدت في الدورات المشتركة اللاحقة.
٧. قمنا بنفس الإجراءات بصدد الجناح البحري الذي تم اعداد برامجه من قبل خبراء مصريين وفقا للعقيدة الشرقية. تم عملية التوحيد من خلال( توحيد قضايا واجبات الأركان وفق الكراسة ١٦٧ وكذلك تطبيق عمليا التعاون الجوي- البري - البحري وفقا لكراسة العمليات المشتركة) وكانت الاجراءات قد تمت بالتعاون مع قيادة القوة البحرية.
الجانب الثاني- بكلية الحرب - جامعة البكر، وعند استلامي عمادة الكلية فقمت بالتعاون مع زملائي بما يلي :
١ . إعادة النظر بأسلوب ( اعداد تقدير الموقف – في المستويات العليا). سبق وقام زملائي من ضباط الركن الذين اشتركوا بدورة في كلية الحرب الفرنسية " ايكول ديكير" باعداد أسلوب جديد لتقدير الموقف – في المستويات العليا، وكانوا يطلقون عليه ( تقدير الموقف - بطريقة الأسلوب). كان هناك بعض الاختلافات مع الأسلوب المعتمد في الجيش العراقي، ولم يكن من السهل قبول اسلوبين مختلفين في جيش واحد، لذا وخلال دراستنا الكثيرة وجدنا بان الأسلوب الفرنسي هو الاسلوب الأمريكي في تقدير الموقف مع بعض التغييرات، وتمكنا من جعل أسلوب تقدير الموقف في المستويات العليا هو نفس طريقة اعداد تقدير الموقف في المستويات التعبوية مع بعض التطوير لجعله مناسباً لمستوى العمليات او الاستراتيجية.
٢. أسلوب التخطيط في المستويات العليا. كان هناك محاضرة قديمة بأسلوب التخطيط في المستويات العليا، ولكن عند دراستنا لهذا الأسلوب في العقيدة الامريكية وجدنا بان الأسلوب الفرنسي مأخوذ من العقيدة الامريكية ولكن تم نقله بشكل غير واضح لذا تم اعداد محاضرة جديدة وفقاً للأسلوب الأمريكي الواضح، وأقرت في مجلس الكلية ،وتم نشرها داخل الجامعة ومعاونية التدريب في رئاسة اركان الجيش.
٣. تم استقبال زمرة هندية من المؤسسات التدريبية في الهند، وتم التعاون في المجالات التالية:
آ . ادخال مواضيع علمية في المناهج التدريبية( كموضوع الاحصائيات، واعتماد الرياضيات في اختيار الخيارات العسكرية، ودراسة بحوث العمليات ...الخ)
ب. أسلوب اعداد تمرين لعبة حرب في مستوى فيلق في اطار ساحة العمليات، وإدارة التمرين عمليا.
٤. جرى التركيز على " القيادة العليا" وقد ورد تعريف القائد في قاموس إكسفورد" على انه المختص بالاستراتيجية والمهارة العسكرية والإدارة المبدعة واللياقة والدبلوماسية". اما التعريف الشخصي للجنرال مونتگمري فهو " ان الجنرال هو العالم بفن وعلم القيادة ،علم لأنه يجب ان يدرس نظرياً من قبل الضباط ، وفن لان النظريات التي يحتوي عليها يجب ان تطبق وتستخدم وفوق كل شيء يحتاج العلم والفن في مجالات القيادة الى معرفة وثيقة بالطبيعة الإنسانية".
٥. دراسة الاستراتيجية كان في الدورات السابقة يركز على الدراسة التاريخية لموضوع الاستراتيجية من أستاذ مدني، ولكن وجدنا من الضروري التركيز على ما يلي:
آ . أسس الاستراتيجية العسكرية: التعريف، المفاهيم والنظريات. كان المطلوب تقديم اسلوب فكري عن " الاستراتيجية العسكرية" أي تعريفها ووصف عناصرها الأساسية ثم استنتاج نموذجاً يبين كيفية العلاقة بين هذه العناصر ثم اختتام الموضوع ببعض الترصدات عن طبيعة الاستراتيجية العسكرية.
ب . لما ذا تعتبر الاستراتيجية موضوع ضروري واساسي.
ج . أبعاد الاستراتيجية العسكرية.
د . الاستراتيجية والقيم الأخلاقية ومبادئ القيادة العسكرية.
ه . استراتيجية العمليات: ماهي الجوانب المتعلقة باستراتيجية العمليات، وما هي علاقتهابالاستراتجية العسكرية، وبالتعبية والمناورات من جهة آخرى.
الجانب الثالث -انعكاس الخبرات العملية على البحوث والدراسات
١. ادناه قائمة بالكتب التي تم اعدادها:
آ . سياقات العمل الثابتة – القسم الأول- الفرقة – رقمها ٣١٥ – عام ١٩٧٣ برتبة رائد ركن وبالاشتراك مع العقيد الركن لطفي الدباغ.
ب . سياقات العمل الثابتة – القسم الرابع- المدفعية – كتيبة مدفعية الاسناد القريب–رقمها ٣٣٥ – عام ١٩٧٥- برتبة رائد ركن بالتعاون مع النقيب حازم عبد الرزاق.
ج . كراسة رسمية -المدفعية في المعركة –رقمها ٣٤٥ – عام ١٩٧٥- برتبة مقدم ركن.
٢ . الكراسات التي دخلت ضمن دراسات جيوش اجنبية:
آ . كراسة رسمية – العمليات البرية- المجلد الثاني-العمليات غير النووية- الجزء الرابع-العبور و إجتياز الموانع- رقمها ٣٩٨ -عام١٩٧٦- مقدم ركن.
ب . كراسة رسمية – العمليات البرية -المجلد الأول -الجزء الثاني -القيادة والسيطرة-رقمها ٣٤٨- عام -١٩٧١ - مقدم ركن.
ج . عمليات لواء مشاة الي ومدرع – دراسات جيوش اجنبية – رقمها ١٤ –عام ١٩٨٣- عميد ركن
د . أنظمة خدمة الميدان ( الشؤون الإدارية) – دراسات جيوش اجنبية – بدون رقم – عام ١٩٨٤- عميد ركن.
ه . الاسناد الناري في عمليات الصنوف المشتركة- القسم الأول- دراسات جيوش اجنبية -رقمها ٣ –عام ١٩٧٧ – عميد ركن.
و . الفرقة المدرعة البريطانية في المعركة -- دراسات جيوش اجنبية – رقمها ٢٦- لواء ركن
ز . كتاب ٠ العقيدة العسكرية بين التحدي والاستجابة) – عام ٢٠٢٠- فريق ركن- منشور في مكتبة( دار آمنة للنشر والتوزيع- المملكة الأردنية(- تلفون: 00962-079967-0131
٣ . البحوث والمحاضرات:
آ . اطروحة كلية الأركان السنة الأولى – الحرب السيارة -عام ١٩٦٩- ملازم أول.
ب . اطروحة كلية الأركان السنة الثانية – العقيدة العسكرية -عام ١٩٧٠- ملازم أول.
ج . أطروحة (التحليل المقارن بين كلية الأركان العراقية وكلية الأركان والقيادة الباكستانية-عام ١٩٧٦- كانت الاولي بين اطروحات (١٨٠) طالب باكستاني – والدول الصديقة –كانت باللغة الإنكليزية.
د . اطروحة كلية الحرب – جامعة البكر- تطوير التدريب في القوات المسلحة- ١٩٧٩- عقيد ركن.
ه- . دراسة عملية انسحاب ناجحة للفرقة المدرعة السادسة في قادسية صدام- ١٩٨٢ -عميد ركن.
و . محاضرات عن السوق العسكري: مفهومه ومبادئه وعناصره.
٤ . مقالات عسكرية متنوعة – عددها (١٣٥) مقالة باللغات العربية ، والإنكليزية ، والكردية .
اللواء الركن محمد نجم الدين النقشبندي – رئيس هيئة الأركان الفيلق الثاني - ١٩٨٧
السؤال ٣-ما الذي دفعكم للتوجه إلى دراسة الأدب الإنجليزي بعد مسيرة عسكرية رفيعة؟ وكيف أثرت هذه التجربة في رؤيتكم للقيادة والمعرفة؟
الجواب ٣
١. منذ تخرجي من الكلية العسكرية بدأت رغبتي بتعلم اللغة الإنكليزية وقد شجعني على ذلك أخي الكبير واستاذي في الحياة الأستاذ قطب الدين( رحمه الله) الذي كان معلماً في المدرسة الابتدائية،وقد اكمل الدراسة الثانوية وكان الناجح الأول في المنطقة الشمالية عام (١٩٤٥) وكان يرغب الدخول الى الكلية الطبية ولم يقبل بسبب عدم نجاحه في اختبار الفحص الطبي. ولكن بعد تخرجي من الكلية العسكرية شجعني احد أقرباء والدي كان برتبة عقيد ركن ومن خريجي كلية الأركان البريطانية، وعلمني كيفية دراسة اللغة الإنكليزية باتباع قاموس عربي / إنكليزي، وذلك بتعلم (١٠)عشرة كلمات يوميا، معنى الكلمة، تهجي الكلمة، كتابة الكلمة تتعلم وهكذا (٣٦٠٠) كلمة كل سنة لحين دخولك الكلية لاحقاً. لقد استمريت بذلك وانا ضابط في الكتيبة، لا انام قبل تعلم عشرة كلمات يومياً. بعد ستةسنوات نقلت الى مدرسة المدفعية في بغداد وقد تعلمت معظم كلمات القاموس.
٢ . من حسن حظي في عام (١٩٦٩) قامت جامعة المستنصرية بفتح كلية الآداب - قسم اللغة الإنكليزية مساءً، فكنا أربعة ضباط في مدرسة المدفعية لنا الرغبة بالدراسة المسائية، اثنان في قسم اللغة الإنكليزية واثنان في كلية القانون، وقدمت الأوراق المطلوبة ، وكنت الطالب التسلسل الأول بالقبول لان معدل درجاتي في الامتحان الوزاري كان(٧٢). راجعت الكلية واكملت كافة الوثائق المطلوبة وباشرت بالدوام فيها. والغريب في الامر صدرت توجيهات وزارة الدفاع بالسماح للضباط برتبة ملازم أول مرشح للنقيب بالاشتراك بامتحان القبول في كليةالأركان. فكنت في موقف صعب، معلم في مدرسة المدفعية، وطالب في كلية الآداب- قسم اللغة الإنكليزية، وعليٌ التهيؤ لامتحان القبول لكلية الأركان.
٣ . خلال التهيؤ لامتحان القبول كان هناك امتحان في اللغة الإنكليزية، واعتقد باني حصلت على اعلى الدرجات في هذا الموضوع. وقد هيأت نفسي في جميع المواضيع وفعلاً حصلت على افضل النتائج، و حصلت على التسلسل الثاني ضمن (٢٢٥) ضابط شارك في المتحان التنافسي وقبلت في دورة الأركان (٣٦). وخلال الدورة في كلية الأركان لم أتمكن من الدوام في كلية الآداب- قسم اللغة الإنكليزية ، فكان لي صديق عزيز يقوم يوميا بنقل الدروس الى داري وكانت زوجتي تنقل لي كل الدروس، وكنت أقوم بدراستها أيام العطلة في أيام الاثنين والخميس والجمعة. وصادف أيام امتحانات نصف السنة عطلة نصف الدورة في كلية الأركان وشاركت وحققت نتائج مقبولة وهكذا نجحت في السنة الأولى. في الحقيقة عانيت الكثير لضمان النجاح في كلية الآداب وفي نفس الوقت في كلية الأركان. فقد نجحت السنة الاولي في كلية الأركان وكان تسلسلي الثاني بالدورة، وسقط العديد من الطلاب وتركوا الكلية وفقا لنظامها الصارم.
٤ . استمريت بالدراسة في كلية الآداب، وكذلك في كلية الأركان وحصلت على أعلى النتائج في كلية الأركان، حصلت على الدرجة(آ) ويعني درجة شرف وقِدَمْ سنتان مع منحي شارة الركن ودرجة الماجستير في العلوم العسكرية . وتعينت بمنصب مدير قسم التخطيط والتنظيم في مديرية المدفعية في وزارة الدفاع في بغداد. لقد فادني اللغة الانكليزية كثيرا خلال دورة الأركان، وكنت احصل على الكثير من المصادر العسكرية في مكتبة الكلية الزاخرة بأحدث المصادر من الدول الغربية. كمثال مهم في إحدى المناقشات الخاصة ب(الحرب الخاطفة) لم تتيسر المعلومات الخاصة بهذا النوع من الحرب باللغة العربية، ولكن كانت كتب قادة الالمان في الحرب الخاطفة مثل ( الجنرال گودريان) و(والجنرال مانشتاين) وآخرين متيسرة ولكن لم يكن بإمكان الضباط الإفادة منها، وبالنسبة لي كانت فرصة ممتازة للتغلب في المناقشات والسبب يعود لأنني كنت ملماً الماماً جيداً باللغة الإنكليزية، وبدون ذلك لم أستطيع تحقيق التفوق بينهم، ولم أكن مقتدراً على جلب انتباه هيئة التدريسية بالكلية الى تفوقي بين أقراني.
٥ . شاءت الظروف استقدام ضابط مدفعي مقتدر باكستاني الى مدرسة المدفعية مع وصولنا الى المديرية. لم يكن لا في المديرية ولا في مدرسة المدفعية ضباط لهم المعرفة بالجوانب الخاصة بالتعبية في صنف المدفعية ولا إلمام تام باللغة الإنكليزية، وهنا لابد من التعاون بيني وبين الخبير الباكستاني، وكان سعيدا جداً بانني أتكلم اللغة الإنكليزية بطلاقة وخبير بالجوانب التعبية في المدفعية. بدأنا بالتخطيط لإدارة دورتين مهمتين: احداها هي دورة القصف المقابل ، والاخرى دورة اركان طويلة لضباط المدفعية. لقد حققنا نجاحاً باهراً في إدارة الدورتين وتعزيزها بالتمارين والرمي الحقيقي. وفي تمرين للقصف المقابل في منطقة "جرف الصخر" قرب كربلاء ،تم تنفيذ رمية حقيقية لمدفعية فرقة نال استحسان وتعجب وزير الدفاع ورئاسة اركان الجيش ومدير المدفعية.
٦ . ترفعت الى رتبة رائد ركن في ١٤ تموز١٩٧٢، ونقلت الي كلية الأركان واقتربت من ضباط الركن المعلمين في الكلية وتغيرت اساليبهم معي بعد معرفتهم قدرتي في التكلم باللغة الإنكليزية وكفائتي بالتدريس في الكلية ومكانتي المرموقة في صنف المدفعية. كان تفوقي باللغة ونجاحي في كلية الآداب- قسم اللغة الإنكليزية زاد من مكانتي بين زملائي في الكلية، مما تم ترشيحي للاشتراك بالاختبار التنافسي لدورة خارج العراق. كانت قدرتي باللغة الانكليزية هي السبب الرئيسي في قبولي للدورة، وكان مقدرتي في اللغة الإنكليزية وراء نجاحاتي في الفصول الأربعة في دورة الاركان والقيادة في الباكستان وحصولي على شهادة معتبرة بين ضباط من (٣٢) دولة صديقة.
٧ . أكملت في شهر حزيران عام (١٩٧٨) الدراسة في جامعة المستنصرية - كلية الآداب - قسم اللغة الإنكليزية، منحت شهادة بكالوريوس في الادب الإنكليزي بدرجة جيد. وكنت سعيداً جداً بذلك، وارسلت الشهادة الى مديرية إدارة الجيش لوضعها في اضبارتي .
٨ . كلفت من قبل رئيس اركان الجيش شخصياً في عام (١٩٧٩) عندما كنت طالباً في كلية الحرب بكتابة اطروحتي في كلية الحرب بعنوان ( تطوير التدريب في القوات المسلحة) من دون بقية الطلاب. لان بقية الطلاب تم تكليفهم بعناوين البحوث من قبل إدارة الكلية. تمكنت من طرح أفكار علمية وحديثة في الاطروحة حصلت على معظمها خلال دراستي مناهج التدريب في إنكلترا وامريكا وحتى إسرائيل. حصلت على اعلـى الدرجات من لجنة المناقشة بعد أربعة ساعات من المناقشة بحضور رئيس اركان الجيش والعديد من مدراء دوائر وزارة الدفاع، ونالت الاطروحة والمناقشات استحسان رئيس اركان الجيش وعلق في نهاية المناقشة وإعلان النتيجة بان العقيد الركن محمد نجم الدين النقشبندي حقق الغاية بأفضل طريقة. وانا أقول بان الحصول على هذه النتيجة لم يكن ممكنا لو لم اتقن اللغة الإنكليزية.
في مستوى القيادة
١ . بعد اكمال الدراسة في كلية الحرب وحصولي على شهادة الدكتوراه ( ( PhDفي العلوم العسكرية والدراسات الاستراتيجية، تعينت بمنصب آمر لواء المشاة الالي/٢٥وقبل التحاقي بمنصبي بحثت عن كراسة رسمية لدينا أو لدى الدول المتقدمة خاصة بمستوى عمليات لواء في الجيش، ووجدت في مكتبة كلية الأركان كراسة أمريكية حديثة ضمن العقيدة العسكرية الامريكية بعنوان( عمليات لواء مشاة آلي ومدرع) صادر بتاريخ (١٩٧٨) باللغة الإنكليزية. اخذت الكتاب اصولياً من المكتبة ورجعت للبيت. باشرت بقراءة المحتويات وسررت للغاية وكأنما الله باركني بهذه الهدية. لم اترك الكراسة لحين اكمال قراءتها وقررت فوراً ترجمتها للاستفادة منها خلال قيادتي للواء المشاة الالي/٢٥، وبادر الى ذهني ارسال نسخة منها بعد الترجمة الى الأصدقاء المقربون لي والذين يشغلون منصب مشابه لمنصبي. حقاً كانت دليل جيد لإرشادي في قيادة اللواء المشاة الالي/٢٥ خلال السنتين (١٩٨٠ و١٩٨١) ومن ثم في قيادة اللواء المدرع/٢٦لاحقاً في عامي(١٩٨١-١٩٨٢). وعندما نقلت الي منصب عميد كلية الأركان طلبت رسمياً من دائرة التدريب الموافقة على ترجمتها، وفعلاً حصلت الموافقة وتم طبعها واصدارها في عام( ١٩٨٣).
٢ . كنت راغباً بإدامة التواصل مع كلية الأركان كمبرلي -البريطانية، لأنها ساهمت في تأسيس كليتنا، واعتادت بأرسال منشوراتها ومطبوعاتها العلمية لكليتنا، وهي بمثابة نافذة للاطلاع على التطورات العلمية والعسكرية في العالم الغربي. وطلبت قيام الملحق العسكري البريطاني بزيارتنا عن طريق مديرية الاستخبارات العسكرية. لم يمض وقت طويل وتم إخبارنا بموعد الزيارة، وتباحثنا عن الموضوع مع الملحق العسكري البريطاني وكان إيجابيا وابدى رغبته بزيارة وفد من كليتنا الى كليات الأركان البرية والجوية والبحرية البريطانية، ووعد بالقيام بهذه المهمة، ويتم إخبارنا بالنتيجة، وابدى اعجابه بمستوى لغتي الإنكليزية. خلال شهر وردتنا موافقة الجانب البريطاني لاستقبال وفد رسمي برئاسة عميد كلية الاركان وأعضاء من الهيئة التدريسية. وفعلاً تمت الزيارة وحضر معي رؤساء الاجنحة، واثبتوا خبراتهم العالية نتيجة مشاركتهم في الحرب العراقية - الإيرانية وكفاءتهم في إدارة الدورات، وتركوا أثراً جيدا في الكليات التي تم زيارتها.
٣. تم تكليفي من قبل نائب القائد العام للقوات المسلحة و وزير الدفاع الفريق الأول الطيار الركن عدنان خيرالله( رحمه الله) بالحضور في جنيف والمشاركة في ندوة في معهد الدراسات الاستراتيجية مع عدد كبير من استراتيجيين في العالم. وكان الحرب العراقية – الإيرانية هي اهم المواضيع التي تم مناقشتها، ووكلني نيابة عنه بالإجابة عن جميع الاسئلة التي تثار لثقته العالية بي. فحضرت واحضرت معي اثنان من الممثلية العراقية في الأمم المتحدة، وكان الموضوع المهم في الندوة(هو استخدام العراق للأسلحة الكيمياوية) ونحن بدورنا حاولنا اقناع الحضور بعدم الحاجة لاستخدام أسلحة غير تقليدية في حرب محدودة، لعدم وجود اهداف في الساحة تعذر معالجتها بالأسلحة التقليدية المتيسرة لدينا. واعجب الحاضرون بقدرتنا الدفاع بلغة إنكليزية قوية وبليغة.
٤. كُلِفْنا ثلاثة ضباط معروفين بالكفاءة والمقدرة الاستراتيجية بالاشتراك في مؤتمر ( استراتيجية ٨٥) في جامعة جورج تاون – في واشنطن -الولايات المتحدة الامريكية، وكنت احدهم. وكان الموضوع المهم في الندوة(هو الحرب العراقية – الإيرانية واستخدام الطرفين للأسلحة الكيمياوية). كان هناك قضايا ( الحرب النجومية) وتطور منظومات الحاسبات الالكترونية. وتمكنت من خلال السفارة العراقية المفتوحة مجددا في واشنطن نتيجة المصالحة الدولية بين الولايات المتحدة الامريكية والعراق من تحقيق مقابلة مع الضابط الأمريكي المرشح لمنصب الملحق العسكري في العراق من القوات البرية، وكلفته بجلب مجموعة من الكراسات والدراسات الاستراتيجية من كلية الحرب للقوات البرية، ووعد بذلك وكان وفيا بعهده حيث جلب لنا مجموعة من الكتب والكراسات التي كنا في كلية الحرب بأمس الحاجة لها. لم يكن بالإمكان تحقيق ذلك دون المقدرة والبلاغة في اللغة الإنكليزية.
٥. تعينت في عام (١٩٩١) بمنصب محافظ السليمانية، وكانت الظروف الأمنية في اسوء حالة، ففي ٢٤ نيسان١٩٩١وصلت الى مدينة السليمانية، وكانت خالية من ساكنها نتيجة هجرة جماعية باتجاه الجبال والحدود الدولية، واتصل معي وزير الاعلام ووعدني بإرسال بعثة من وكالات دولية ومراسلين الإذاعات الدولية ك "بي .بي. سي ، ومنتي كارلو ...الخ". وفي اليوم التالي وصل قسم منهم بحدود الساعة (١٤،٠٠) وكاد ان نفقد الصبر، وسألتهم قولوا لي انتم تنتظرون من؟ فقالو سيدي المحافظ نحن ننتظر المترجم. قلت لماذا المترجم؟ قالوا كي يترجم لكم. فضحكت بقوة وقلت لهم ( انا أتكلم اللغة الإنكليزية بطلاقة) تعالوا حتى نبدأ بالحوار، فزاد تعجبهم عندما وجدو( اللواء الركن محافظ السليمانية يتكلم بطلاقة مع مراسلي الإذاعات والصحف)، ثم قالوا لم نتوقع ان يكون جنرال عراقي يتكلم اللغة الإنكليزية.
٦ . بعد تغيير النظام، وإعادة تنظيم جيش العراقي الجديد، كنت اعمل بمنصب المستشار العسكري لمستشار الامن القومي إضافة لكوني معاون رئيس اركان الجيش للتدريب والعقيدة. تطلبت الظروف الامنية تشكيل لجنة العمل الأمني ((Security Action Committee من كل من الجنرال كيسي، قائد عام قوات التحالف، والجنرال مأكول نائب قائد قوات التحالف ، وجنرال الجو سيرجنت مساعد سكرتير اللجنة، وزير الدفاع او ممثله، وزير الداخلية او ممثله، المستشار الامن الوطني او ممثله ، المستشار العسكري الاقدم، مدير المخابرات او ممثله واعتبارها كأعلى لجنة امنية في العراق. كان اجتماع اللجنة أسبوعيا، وكنت احضر ممثلاً عن المستشار الأمن الوطني. وفي الجلسة الثانية لللجنة، طلب الجنرال كيسي تعين احد الأعضاء كسكرتير لللجنة، واقترح اسمي كسكرتير وقال" اعتقد ان الجنرال النقشبندي افضل واحد لهذه المهمة لأنه يتكلم الإنكليزية افضل من٦٧٪ من مواطني أمريكا، ويتكلم العربية مثل السنة والشيعة كما ويتكلم اللهجات كردية مثل السوراني والباديناني. وافق الجميع وجعلوا جنرال الجوسيرجنت مساعد السكرتير.
العقيد الركن محمد نجم الدين النقشبندي – آمر جحفل اللواء المدرع/٢٦
تموز ١٩٨١
السؤال ٤-من خلال دراستكم في جامعة الدفاع القومي الأمريكية، كيف وجدتم الفرق في المناهج وأساليب التفكير بين المدرسة العسكرية العراقية والعالمية؟ وما الدروس التي استخلصتموها من تلك التجربة الفريدة؟
الجواب – الرابع
١ . لم يكن هناك فرق كبير بين المناهج وأساليب التفكير بين المدرسة العسكرية العراقية والعالمية، لان المدرسة العسكرية العراقية كانت منظمة من قبل المؤسسات البريطانية منذ عام (١٩٢١)عندما تأسس الجيش العراقي، وكانت الدراسات في كلية الأركان البريطانية والغربية وحتـى المعاهد الأعلى كانت تعتمد أسلوب المناقشة كما هي الحالة في كلية الأركان وكلية الحرب العراقية ولكن هناك بعض الاختلافات، فقلما تجد الزمر اكثر من (١٥) طالب في كل زمرة، ولكن تجد الفرق في اختيار نوعية الأستاذ وكفاءته وفقاً للموضوع.
٢ . كنت الاحظ نوعية الطلاب المختارين في الكليات والمعاهد العليا كانوا بمستوى عال في اختصاصاتهم وذوي الخبرة في صنوفهم، وكان من المتعذر من تجد في الصف من هو غير مؤهل للاشتراك في هذه الدورة او الكلية.
٣ . بقدر تعلق الموضوع بالمناهج، فكان هناك تغيير سنوياً باتجاه التطور، و باتجاه مواضيع جديدة منسجمة مع اخر التطورات والاحداث في العالم.
٤ . من الملاحظ الاهتمام بالعمل الجماعي في حل المعضلات واحترام اراء الطلاب، وعدم فرض اراء دون القناعة.
٥ . كانت العدالة واضحة في تقييم الطلاب في الفعاليات كافة.
٦ . بعد عودتي الى العراق واستلامي مهمة معاونية رئاسة اركان الجيش للتدريب والعقيدة، حاولت تطبيق كافة الدروس التي تعلمناها من دراستنا في المـؤسسات العسكرية في الولايات المتحدة. من المـؤسف جداً لم يتمكن من استلم المهمة من بعدنا تطبيق هذه الدروس.
العميد الركن محمد نجم الدين النقشبندي- رئيس هيئة الأركان- الفرقة المدرعة/٦ مع العميد الركن محمود شكر شاهين – قائد الفرقة المدرعة السادسة
السؤال -٥على المستوى الشخصي، أنتم معروفون بدماثة الخلق وسعة الاطلاع، فكيف ترون دور القائد العسكري بعد التقاعد؟ هل تقتصر مهمته على الماضي أم أن لديه رسالة متجددة في نشر المعرفة وخدمة المجتمع؟
جواب السؤال الخامس
١ . من الصعب على ضابط مثلي قضى أكثر من نصف قرن في الجيش ان ينسى ماضيه، ولكن كقائد عسكري معروف في مجال المؤسسات العسكرية واشتغاله في مناصب مهمة في الدولة، وكمحافظ في مدينته ووكيل وزارة الداخلية واشرافه على الإدارة العامة لثمانية عشرة محافظة، ثم العمل كمستشار عسكري لمستشار الامن القومي، ثم المساهمة الجادة في إعادة بناء الجيش العراقي الجديد على غرار مبادئ الجيش العراقي سابقاً كمعاون رئيس اركان الجيش للتدريب والعقيدة العسكرية لخدمة الشعب وحماية الوطن، لا بد ان يكون لديه رسالة متجددة لأسرته وابناء شعبه في نشر المعرفة والاستمرار في خدمة شعبه.
٢ . كان عليٌ ترك شيء مهم لأبناء هذا الجيش العظيم والقادة السياسيين في البرلمان، وكان على شكل خبراتي المتنوعة في المناصب التي اشغلتها بصورة كتاب يدعي ( العقيدة العسكرية بين التحدي والاستجابة) وكتاب هو دليل للقادة العسكريين في المناصب القيادية وكذلك للاستراتيجيين ورجال الدولة على حد سواء " ان العقيدة ليست ما يتم تدريسها ، بل ما يتم الاعتقاد بها- البروفيسور ريتشارد هولمز". صدر الكتاب بعد احالتي على التقاعد .من الحيوي ان يكون لدى القادة العسكريين والاستراتيجيين ورجال الدولة فهم متطور للعقيدة العسكرية آثارها، والهدف من هذا الكتاب هو المساعدة على جعل هذا الفهم واضحاً وصريحاً لدى جميع من يهمهم الامر.
٣ . كان هدفي ابداء التوجيهات لاولادي ( بناتي وابنائي) لإتمام دراساتهم الجامعية، وثم الدراسات العليا، فاجتاز جميعهم مرحلة ماجستير في اختصاصاتهم( قسم منهم في الحاسبة الالكترونية، والاخرين في الطبابة والهندسة الكهربائية والعسكرية) وحصولهم لشهادة الماجستير، والبعض في حصولهم على درجة دكتوراه في الحاسبة الالكترونية. ولم اترك حتى الاحفاد، فاثنتان من هن حصلن على درجة ماجستير في الصيدلة في دولة أوروبية.
٤. والان قد تسأل أيها القارئ العزيز كيف تقضي اوقاتك؟ وأقول بمساعدة الطلاب في دراساتهم العليا عندما يطلبون مني المساعدة، وكذلك بالقراءة المستمرة في التاريخ والذكاء الصناعي وما أستجد.
(ختاما )
——-
ھـكذا نـكون قـد لامـسنا سـیرة واحـد مـن رجـال الـعراق الـذیـن صـاغـوا تجـربـتھم بـعرق الـجندیـة ونـبل الـمعرفـة، وتـركـوا أثـ ًرا یـتجاوز حـدود الـرتـبة والـوظـیفة لـیغدو شـاھـ ًدا عـلى قیمة الالتزام وحضور الفكر. مـع الـفریـق الـركـن الـدكـتور محـمد نجـم الـدیـن النقشـبندي لـم یـكن الـحوار مجـرد اسـتعادة لـذكـریـات الـماضـي، بـل كـان اسـتحضا ًرا لمسـیرة حـملت فـي طـیاتـھا صـرامـة الانـضباط الـعسكري ورحـابـة الـفكر الإنـسانـي، فـجاءت سـیرتـھ جسـ ًرا بـین سـاحـات الـتدریـب وقـاعـات الـجامـعات، وبـین الانـشغال بـالـواجـب الـوطـني والانـفتاح عـلى عـوالـم الأدب والمعرفة. لـقد وجـدنـا فـیھ الـقائـد الـذي لـم یـكت ِف بـالانـتصار فـي الـمیدان، بـل بـحث عـن انـتصارات أعـمق فـي فـضاء الـفكر، والمتحـدث الـذي لا یـنقل الـمعلومـة فحسـب بـل یـزرع مـعھا رو ًحـا مـن الـتفاؤل والـرغـبة فـي الـتعلم. ومـا بـین مـساره الأكـادیـمي فـي الـداخـل، وخـبرتـھ الـدولـیة فـي الـخارج، وتجـربـتھ الإنـسانـیة الـواسـعة، أدركـنا أن الـشخصیة الـكبیرة لا تـُقاس بـالـرتـبة وحدھا، بل بما تتركھ من إرث معرفي وأخلاقي یضيء الطریق لمن یأتي بعدھا.
نـشكره عـلى مـا أتـحفنا بـھ مـن حـدیـ ٍث مـمتع وذخـیرة مـن الـرؤى، ونـأمـل أن یـكون ھـذا الـلقاء قـد فـتح نـافـذة أوسـع لـلتأمـل فـي ِسـیَر الـرجـال الـذیـن حـملوا عـلى عـاتـقھم شـرف الخدمة وبذلوا جھدھم لیكونوا أوفیاء للعراق وللعلم وللإنسانیة
913 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع