
المحارب
قحطان حسن التميمي
رئيس جمعية المحاربين العراقية
الولايات المتحدة الامريكية والحضارة - الجزء الاول
الولايات المتحدة والعالم قيادة أم هيمنة
1. القيادة تفاعل ايجابي بين الذي يقود والمقاد اي انها تبادل منفعة حسية ومادية ومعنوية. اما الهيمنة فهي سيطرة اجبارية تجعل الذي يقاد ليس له الخيار في تلك المنافع لأن المهيمن يمتلكها او يسيطر عليها. لذا هل ان الولايات المتحدة قائدة ام مهيمنة؟ واذا كانت قائدة. متى قادت؟ وماذا استفادت من القيادة؟ و اذا كانت مهيمنة. متى هيمنت وماهي الاستفادة من ذلك؟ وبالمقابل ماذا استفاد العالم من قيادتها؟ وماهي أضرار هيمنتها عليه؟
الولايات المتحدة والعالم
2. لقد عملت الولايات المتحدة بسياسة دون الحد المطلوب في زمن الرئيس (تافت) ثم عملت ضمن الحد المطلوب في زمن الرئيس (ولسن) ومابعده ثم عملت تلك الدولة الصاعدة بسرعة للقوة في زمن الرئيس (روزفلت وترمان) ولحد الان فوق الحد المطلوب. ولما كانت تعمل بسياسة دون الحد فأنها كانت متفاعلة ومنشغلة مع داخلها و تركت خارجها يسبح في المتناقضات اي ان همومها الداخلية اكبر واخطر من الهموم الخارجية. لكنها تحركت في بداية القرن العشرين ضمن الحد وبالتحديد في زمن الرئيس (ولسن) عندما طرح نقاطه الاربعة عشر. لماذا؟ لأن داخلها بدأ يستقر والحروب الاهلية خمدت وخطط القضاء على نفوذ السكان الاصلين (الهنود الحمر) قد نجحت وتبعيتها الى بريطانيا انتهت لذا فأنها نظرت الى داخلها بعين مطمئنة و بدأت بالتحرك الى خارجها. ولم يكن استقرار وضعها الداخلي هو السبب الرئيسي انما كانت الطفرة العلمية الصناعية والاقتصادية قد بدأت تتسارع وتحتاج الى ركنين اساسيين: الاول اسواق خارجية والثاني مصادر للمواد الاولية ولو ان الولايات المتحدة كانت مكتفية من معظم المواد الاولية لكن هذه المواد اصبحت كلف انتاجها ترتفع بشكل متسارع وعليه يجب مد اليد الشابة القوية الساعد الى الخارج صاحب الركنين المذكورين اعلاه. وكانت الحرب العالمية الاولى هي المفتاح العملي لولوج الولايات المتحدة ابواب العالم الخارجي حيث تعامات مع الاحداث بنوع من الانحياز الحذر لصالح اوربا والحيادية المبطنة مع بقية العالم لتتمكن من كسب ثلاث جهات بالرضا او بالاكراه (1) المانيا المهزومة (2) اوربا المنتصرة (3) شعوب العالم الاخرى وخاصة المستعمرة. لذا كانت الولايات المتحدة تقوم بالدور القيادي بصورة حذرة ومتأنية تحاول ان تتلمس خطواتها في هذا المسلك الجديد عليها لكن بمخاوف ان لاتقع بأخطاء الدول الاوربية عندما تقاسمت قيادة العالم ومن ثم تناوبت على الهيمنة عليه. فماذا تعمل الولايات المتحدة؟ واي طريق تسلك؟
3. اول عمل قامت به لأختبار قيادتها هو ادارتها لمفاوضات إستسلام المانيا وفرض التعويضات عليها لصالح اوربا المنتصرة وثاني عمل لذلك الاختبار هو قيادتها للمنظمة الدولية الناشئة بعد الحرب العالمية الاولى (عصبة الامم) ومن خلال تلك المنظمة سلكت الولايات المتحدة مسلكين: الاول تقوية نفوذها الفتي في اوربا والثاني السعي المبطن والمنفعي لتحقيق العدالة في الدول الخاضعة للاستعمار الاوربي وخاصة في منطقة الخليج العربي وهذان المسلكان عملت بهما الولايات المتحدة كما يأتي:
أ. في اوربا غازلت وتعاونت مع بريطانيا لوضع موطيء قدم شرعي وحقيقي لها في تلك القارة. لماذا اختارت بريطانيا بالذات الجواب
اولا. ان بريطانيا تملك اكبر ممتلكات استعمارية في العالم انذاك.
ثانيا. انها الصديق اللدود لفرنسا ذات المشاعر القومية التحررية التي لاتقبل كرامتها ان تقودها أو تهيمن عليها دولة من خارج القارة.
ثالثا. ان لبريطانيا مصالح وجذور عرقية وتكوينية كبيرة منذ الهجرة الاولى الى القارة الجديدة واستعمارها.
رابعا. ان بريطانيا ليست لها مصالح احتكاكية مباشرة مع اوربا اي بمعنى انها جزيرة منعزلة في المحيط الاطلسي تستطيع ان تكون اوربية وتستطيع ان تهمل اوربا وتدير وجهها الى القارة الامريكية.
ب. في افريقيا تبنت مشروع تأهيل واعادة السود بهجرة عكسية الى افريقيا مشبعين بالثقافة والنمط والمفاهيم الامريكية فتم انشاء دولة ليبيريا لتكون اطلالة الولايات المتحدة على القارة الافريقية.
ج. في اسيا وضعت عينها على منطقتين الاولى جزر ودول المحيط الهادي الشمالي التي تقابل الساحل الغربي للولايات المتحدة والثاني الخليج العربي.
الولايات المتحدة والخليج العربي
4. لماذا تأخرت الولايات المتحدة عن الخليج العربي؟ لم يكن للولايات المتحدة وجود كمفهوم استعماري في العالم عامة والخليج العربي خاصة ماعدا المشاركة التجارية والنشاطات التبشيرية والتربوية والثقافية والصحية الى عام 1939 حيث بدأت بالدخول الى العالم وخاصة المنطقة العربية بأسلوب الهيمنة وليس القيادة وذلك عندما تمتعت بحق المناصفة من الامتياز المقدم من الكويت وبأمتيازات خاصة في البحرين والسعودية. والحقيقة ان الشركات الامريكية هي التي اجبرت الحكومة الامريكية على ان يكون توجهها استعماري وبأسلوب الهيمنة وليس القيادة لمنطقة الخليج العربي. حتى الربع الاول من القرن العشرين لم تكن منطقة الخليج العربي منطقة سوقية للولايات المتحدة للاسباب الأتية:
أ. لم يكن العالم في تلك الحقبة يعتمد اعتمادا كاملا على النفط حيث كان الفحم يلعب دورا مهما في استهلاك الطاقة وان معظم انتاجه في اوربا وامريكا الشمالية.
ب. كان انتاج الخليج العربي في الثلاثينات من القرن الماضي لايتجاوز 8% من الانتاج العالمي.
ج. كانت الولايات المتحدة مكتفية ذاتيا من الطاقة وخاصة النفط.
د. ان الخليج العربي منطقة نفوذ بريطاني وبريطانيا حليف وفي واستراتيجي للولايات المتحدة.
ه. لم يكن لأسرائيل وجود في الربع الاول من القرن العشرين.
تطور السياسة والمصالح الامريكية
5. دخلت الولايات المتحدة الى العالم بأسلوب القيادة ومن خلال هذا الاسلوب كانت تتبادل المنفعة الحسية والمادية والمعنوية مع المحيط العالمي لذا بدأ العالم بطريقة او بأخرى تتولد لديه قناعة ان هناك دولة تسمى الولايات المتحدة الامريكية من الممكن الالتجاء اليها في حل المشكلات التي تنشأ في بؤر الخلافات والنزاعات وكانت قوتها الاقتصادية واستقرارها السياسي يساعدانها على قيادة العالم. فهل من الممكن ان تبقى الولايات المتحدة ضمن الحد المطلوب عندما بدأت بقيادة العالم؟ الجواب : كلا لأنه من الطبيعي ان تتطور المصالح وتتعقد وبالتالي تتصادم الارادات وتظهر سياسة جديدة وسوق جديد بدل الذي كان منشغلا بالداخل الوطني والقاري ومرت العقيدة السياسة الامريكية بأطوار مختلفة تبعا لتطور المصالح الامريكية الداخلية والقارية والعالمية وكما يأتي:
أ. الى حد مطلع القرن العشرين الاهتمام الداخلي.
ب. الى نهاية الربع الاول من ذلك القرن اهتمام جزئي وضبابي داخلي وخارجي.
ج. الى بداية الحرب العالمية الثانية اصبح الاهتمام فعال وبرزت اهداف واضحة للمصالح الامريكية في الخارج.
د. ظهرت مصالح امريكية مكتوبة ومعلنة بعد الحرب العالمية الثانية من خلال افكار اطلقها الرؤساء الامريكان سميت فيما بعد بالعقائد الرئاسية واول مصالح امريكية علنية ورسمية ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية وهي :
اولا. احتواء نفوذ الاتحاد السوفيتي المتنامي بعد الحرب.
ثانيا. المحافظة على الانظمة الموالية للغرب.
6. تطلب من السياسة الامريكية ان تنشغل بمساحة اكبر واهم من الداخل الوطني والداخل القاري فوضعت النخبة السياسية خطة احتوائية ودفاعية تكبح جماح نفوذ الاتحاد السوفيتي وتحافظ على الانظمة الموالية للغرب فتم الاهتمام ببؤر محاددة او قريبة من الاتحاد السوفيتي لتشكل حزام وقائي ضد هذا البلد وعقيدته الشيوعية لذا تركز الاهتمام على اليابان / كوريا / الفلبين / باكستان / ايران / العراق / تركيا / اليونان / ايطاليا / المانيا ومغازلة الدول الاسكندنافية وخاصة فلندا ومن اجل احكام الاحتواء وجعل الامر يكتسب شرعية ما لتتحرك السياسة الامريكية بحرية واسعة أقامت الولايات المتحدة عن طريق بريطانيا حزام امني يحيط بكل الجنوب السوفيتي فكان حلف شمال الاطلسي (الناتو) وحلف المعاهدة المركزية (حلف بغداد) (السنتو) وحلف جنوب شرق اسيا (السيتو) وبعد ذلك اوكلت السياسة الامريكية الى السوق العسكري الامريكي المهمات الاتية. لأكمال نجاح خطة احتواء نفوذ الاتحاد السوفيتي:
أ. تأسيس قواعد او وجود عسكري امريكي في معظم الدول المنتمية لتلك الاحلاف.
ب. وضع خطط أمنية وعسكرية مشتركة مع الدول المذكورة.
ج. إنشاء تكتلات ومشاريع اقتصادية مع تلك الدول ذات مضمون امني.
7. بقيت هذه الاهداف المعلنة للمصالح الامريكية الى نهاية السبعينات من القرن الماضي ثم صيغت تلك الاهداف بصيغة اخرى ثم اعلنت بشكل واضح لا لبس فيه من قبل وزير الدفاع الامريكي (هارولد براون) في عام 1980 وكما يأتي.
أ. ضمان وصول تجهيزات كافية من النفط.
ب. مقاومة التوسع السوفيتي.
ج. تعزيز الاستقرار في العالم على الطريقة الامريكية وخاصة في المنطقة العربية.
د. دفع عملية السلام في الشرق الاوسط الى امام بما يضمن حماية أمن اسرائيل.
المصالح الامريكية واساليب السيطرة
8. لتنفيذ تلك الاهداف وتحقيق المصالح الامريكية اعلاه تطلب من السياسة الامريكية ان تعمل بأربعة اساليب للسيطرة:
أ. اسلوب القيادة في اوربا وكندا.
ب. اسلوب الهيمنة في امريكا اللاتينية ومنطقة الخليج العربي واليابان.
ج. اسلوب الترهيب الترغيبي لأوربا الشرقية من خلال مالايقل عن (75) اذاعة موجهة لها وعشرات المجلات ومئات الجرائد.
د. اسلوب الانهاك الاقتصادي مع الاتحاد السوفيتي ومثال ذلك ان الاتحاد السوفيتي عندما كان يطلق قمرا صناعيا واحدا كانت الولايات المتحدة تطلق ثلاثة اقمار صناعية.
9. كانت القيادة في اوربا عن طريق مشروع مارشال وفي كندا تحويل الصناعات الثقيلة الى الاراضي الكندية اما الهيمنة في امريكا اللاتنية كانت عن طريق شركات التلغراف وشركات البن والفحم والنحاس اما في منطقة الخليج العربي فكان مهماز تلك الهيمنة هو السيطرة على منابع النفط وان الاسلوب الامثل لحماية المصالح الامريكية يتمثل في اسناد الدول في المنطقة وخصوصا ايران الشاه لحماية امن الخليج كي لاتحتاج السياسة الامريكية ان تتدخل بصورة مباشرة في الخليج الى ان حدث حدثان هز امريكا واوربا هي الثورة على الشاه في بداية 1979 وغزو الاتحاد السوفيتي لأفغانستان في نهاية عام 1979 مما حدى بالرئيس الامريكي (جيمي كارتر) ان يطلق مبدأ (التدخل السريع المباشر) واستخدام مجال الولايات المتحدة الحيوي الى اقصى مداه. لماذا هذا الاستخدام الاقصى للمجال الحيوي الامريكي؟ الجواب لأن الارض الحيوية (الخليج العربي) مهددة بالاحتلال وبالتالي ان النفط عصب الحياة الحاضرة والمستقبلية الى مدى غير منظور مهدد بالضياع لماذا؟ لأن؟
أ. في عام 1950 وصل استهلاك الولايات المتحدة من النفط الى 30% من انتاجها.
ب. في عام 1955 اصبح استهلاكها للنفط (53%) من انتاجها.
ج. في عام 1960 بدأت الولايات المتحدة تستورد 16% من استهلاكها.
د. رابعاً. في عام 1973 وصل استيرادها للنفط الى 53%.
ه. قبل الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين ستستورد 80% من احتياجاتها النفطية.
عقائد الرؤساء قيادة ام هيمنة؟
10. مال الرؤساء الامريكان الى اطلاق مبادئ محددة او مفاهيم ذات ابعاد سياسية او اقتصادية او اجتماعية او عسكرية سميت فيما بعد بالعقائد او المبادئ الرئاسية مثل عقيدة روزفلت او ايزنهاور. وتنشأ هذه العقيدة نتيجة رد فعل داخلي وطني او داخلي قاري او خارجي عالمي له اهمية بالغة للولايات المتحدة وان المحفز الرئيسي لأطلاق هذه العقائد هي المصالح الامريكية سواء المهدَدة (بفتح الدال) او المهدِدة (بكسر الدال) وتأتي اهمية هذه العقائد من كونها لها تأثير كبير على السلوك السوقي العام للولايات المتحدة. اي انها هل ستقود العالم ام تهيمن عليه؟ ولها تأثير اخر على السوق العسكري الامريكي اي انه بفعل الحفاظ على المصالح الامريكية او مكافحة مصالح الاخرين التي تؤثر على الولايات المتحدة يجب استخدام السوق العسكري الامريكي بمصداقية تأثيرية كبيرة. وتتميز العقائد الرئاسية بمايأتي:
أ. انها ردة فعل لخطر خارجي قاري او عالمي.
ب. انها احيانا تحوي على لغة القيادة واحيانا على لغة الهيمنة.
ج. انها تؤثر بسرعة وبجدية على السوق العسكري الامريكي.
د. انها متدرجة نحو الاعلى والاخطروالأشمل اي انها متحولة من القيادة الى الهيمنة.
ه. ان لاحقتها لم تلغي سابقتها فأما تبنتها او طورتها.
و. انها تراعي مصالح النخبة احد مرتكزات المجال الحيوي الامريكي.
ز. ان من يريد ان يعرف متى قادت الولايات المتحدة ومتى هيمنت عليه ان يتابع عقائد الرؤساء الامريكان منذ ان عملت تلك الدولة دون الحد وضمن الحد وفوق الحد وسنأخذ امثلة لبعض العقائد الرئاسية ضمن كل مرحلة لتبيان مانريد ان نعرفه عنها:
ح. في عام 1823 اطلق الرئيس الامريكي (جميس مونرو) مبدأ مونرو الذي يقول (ان امريكا اللاتينية يجب ان تخضع لمنطقة نفوذ الولايات المتحدة وحمايتها من سيطرة اوربا) وهذا يدل على ان امريكا اللاتينة هي شأن داخلي امريكي لذا على الدول الاخرى ان تخرج من هذه القارة ولم تستخدم الولايات المتحدة هذا المبدأ بأسلوب الهيمنة اولا انما بأسلوب القيادة حيث قدمت المساعدات الانسانية وساعدتها على الاستقلال من الاستعمار الاوربي (البريطاني الاسباني البرتغالي).. اذن امريكا كانت قائدة.
ط. استمرت الولايات النتحدة بالقيادة في عهد الرئيس (ولسن) عندما اطلق عقيدته (تقرير المصير لكل الشعوب) من خلال نقاطه الاربعة عشر. لذا تعمق خط القيادة للولايات المتحدة وخرج من الحد القاري الى الاتساع العالمي.
ي. اخذ خط القيادة بتطور في عهد الرئيس (ستمس) عندما اطلق مبدئه من خلال رفض ضم الاراضي بالحرب او بالقوة حين قال (لن تعترف الولايات المتحدة بأي موقف او معاهدة او اتفاقية تتم بوسائل مخالفة للعهود والالتزامات التي ينص عليها ميثاق باريس) رداً على الاحتلال اليابان لمنشوريا لأن المادة الاولى من ميثاق باريس حضرت الحرب كأداة للسياسة القومية والزمت الاطراف المتعاقدة بتسوية جميع منازعتها بالطرق السلمية) وكانت فترة الثلاثينات هي فترة انهاء العمل ضمن الحد.
ك. اثناء الحرب العالمية الثانية كان هناك خيط رفيع يفصل بين القيادة والهيمنة الامريكية حيث اطلق الرئيس روزفلت اثناء الحرب مبدأه (ان الدفاع عن السعودية لهو أمر حيوي للدفاع عن الولايات المتحدة) حيث بدأت مرحلة الانتاج الاقتصادي العالمي للنفط في الخليج العربي وظهرت اهمية دول الخليج للولايات النتحدة الامريكية.
ل. اما عقيدة ترومان فقط قطعت الخيط الرفيع بين القيادة والهيمنة وركبت مركب الهيمنة بسبب ظهور قطب جديد ينافس الولايات المتحدة على المصالح العالمية وهو الاتحاد السوفيتي ومده الفكري الشيوعي الذي تفاعل بأضطراد في العالم وخاصة في اوربا الشرقية لذا فأن ترومان اطلق عقيدته التي تقول (محاربة الشيوعية في اليونان والشرق الاوسط).
م. ولما شاخت بريطانيا العظمى وقررت الرحيل عن مستعمراتها وخاصة في المنطقة العربية ظهرت عقيدة الرئيس (ايزنهاور) وهي (مليء الفراغ) ومن اجل تقبل هذا المبدأ في العالم العربي واظهار امريكا بأنها ترعى الحق والعدالة قام (ايزنهاور) بخطوة غير مسبوقة في العالم الغربي وهي ادانة العدوان الثلاثي على مصر ومطالبة بريطانيا وفرنسا واسرائيل بسحب قواتها من منطقة القتال وبور سعيد في حرب السويس عام 1956 وعندما عبرت الشيوعية المحيط الاطلسي وحطت في البحر الكاريبي ظهر مبدأ الرئيس (لندن جونسون) وهو الحيلولة دون ظهور كوبا ثانية في نصف الكرة الغربي.
ن. في بداية السبعينات هدأت نوعا ما الحرب الباردة وظهر الوفاق الدولي لذا اصبح من غير الممكن الدفاع المباشر عن المصالح الامريكية فظهرت عقيدة الرئيس (ينكسون) الذي يقول فيها (الاستعانة بأيران والسعودية للحفاظ على امن منطقة الخليج) من اجل عدم استفزاز الطرف الاخر ومن اجل التوقيع على اتفاقيات سالت (1) وسالت (2) وتحميل الدول الموالية لأمريكا بعض المسؤولية الحمايوية لأمنها لذا قال الرئيس (نيكسن) (ستحترم الولايات المتحدة التزامها بجميع معاهداتها وستؤمن حاجز من القوة النووية عندما تتهدد دولة متحالفة معنا او دولة نعتبر امر بقاءها حيوي لأمننا. وفي حالة تعرضها لأنواع اخرى من العدوان سنقدم المساعدة العسكرية والاقتصادية عند طلبها وكما هو مناسب. لكننا نتوقع من الدولة التي تتعرض للتهديد المباشر ان تتسلم مسؤولياتها). وحددت عقيدة نيكسن ثلاثة مواقف يجب على السياسة الامريكية ان تأخذها بنظر الاعتبار كما ان اسلوب الهيمنة يجب ان يراوح في مكانه بالوقت الحاضر دون ان يتقدم اسلوب القيادة الى الامام وهذه المواقف هي:
اولا. ان الولايات المتحدة لن تحل محل بريطانيا بعد انسحابها من مستعمراتها وقواعدها.
ثانياً. ان الوجود العسكري الامريكي الرمزي الممثل بقوة قيادة الشرق الاوسط الامريكية والمؤلفة من خمسة سفن سيجري الابقاء عليها كما هو.
ثالثا. تشجيع السعودية وايران على تسلم مسؤولية الامن الاقليمي اي انتهاج سياسة العمودين (ايران والسعودية).
أ. حدث حدثان هز المصالح الامريكية في عهد الرئيس كارتر هما الثورة في ايران والغزو السوفيتي لافغانستان لذا ظهرت عقيدة كارتر التي تؤمن بـ (التدخل السريع المباشر) وان أي تقرب للأتحاد السوفيتي من المياه الدافئة سيجابه برد فعل قوي جداً ومباشر.
ب.تبنى الرئيس ريغان عقيدة الرئيس كارتر ثم طورها من التدخل السريع الى التهديد بالاحتلال لمناطق تعتبر حيوية لأقتصاد وأمن الولايات المتحدة.
ج.ثم تطورت هذه العقيدة في عهد الرئيسين بوش الاب والابن الى مدى أوسع (من ليس معنا فهو ضدنا) ومحور هذه العقيدة هو مكافحة الارهاب حيث اخذت هذه العقيدة مداها الاوسع بأستخدام مجال الولايات المتحدة الحيوي بكل مداه جراء عاملين:
اولا. انهيار القطب الاخر الاتحاد السوفيتي.
ثانيا. ضرب الولايات المتحدة في عقر دارها.
ز.من خلال استعراض هذه العقائد نلاحظ ان السياسة الامريكية بعد الحرب العالمية الثانية بدأت تضع خططها لمكافحة التغلغل السوفيتي في مناطق حيوية في العالم والمحافظة على الانظمة الموالية للغرب وخاصة في الخليج العربي ومن ثم ربط امن الخليج بحل النزاع العربي الصهيوني ثم اتخذت السياسة الامريكية منحاً جديد حيث انها بانهيار الاتحاد السوفيتي كسبت الولايات المتحدة موقفين: الاول. لا حاجة لمكافحة نفوذ دولة إنهارات وثانيا. لاخوف على الانظمة الموالية للولايات المتحدة لكن ظهر عامل جديد شغلها عن متابعة حل النزاع العربي الصهيوني وهو مكافحة الارهاب والصراع مع الانظمة الاكثر عداءً للولايات المتحدة.
ح.من الملاحظ ان معظم العقائد الرئاسية كانت تركز اهتمامها على منطقة الخليج العربي كمنطقة سوقية اقتصادية ذات اهمية بالغة. لذا أشار (جوزيف سيسكو) وكيل وزارة الخارجية لشؤون الشرق الادنى وجنوب اسيا الاسبق الى التحول المثير للخليج العربي من موقع ذو اهمية دولية ابنداءاً كجزء من (عصب الحياة) البريطاني نحو الهند الى موقع ذو اهمية سوقية اقتصادية للعديد من الدول الصناعية وفي عام (1980) وصف (هارولد ساندرز) في ادارة كارتر المصالح الامريكية في الخليج بأنها (واسعة النطاق وذات علاقة مترابطة) وهذه العلاقة متأثرة بالعوامل التالية التي كانت احد اسباب تحول سياسة الولايات المتحدة من القيادة الى الهيمنة:
أ. موقع المنطقة السوقي .
ب. اهمية استقرار المنطقة لأمن واقتصاد الولايات المتحدة.
ج. الحاجة الحيوية للدول الصناعية الكبرى خصوصا نفط الخليج.
د. اهمية المنطقة كممول مالي للمؤسسات الاقتصادية الغربية لعدم قدرة المنطقة على استثمار العائدات المالية النفطية داخلياً.
ه. سوق رائج للبضاعة الغربية.
الولايات المتحدة وسياسة الاحتواء
كان الوجود السوفيتي في القرن الافريقي والبحر العربي بداية التحسس بأن جدار الاحتواء بأحلاف الناتو والسنتو والسيتو قد خرق نظرا لأنهيار حلفي السيتو والسنتو ووجود الانظمة الراديكالية في الصومال واثيوبيا واليمن الجنوبي وعليه يجب التحرك بصورة واضحة وعلنية وافهام العدو ان الولايات المتحدة لن تسكت عن ذلك ومما حفز هذا الشعور هو سقوط الشاه واحتلال الاتحاد السوفيتي لأفغانستان الذي جعل الدب الروسي يقترب من المياه الدافئة وكان اهمية الحدث الايراني اهم من الحدث الافغاني حيث ان وجود الروس في افغانستان سيصطدم بجدار باكستاني قوي عسكريا ودينيا اما اذا حصل وان تواجد الروس في ايران فلا جدار قوي امامه لأن دول الخليج ستكون مباشرة امام الخطر القادم وكان سقوط الشاه شكل ازمة سوقية ولوجستية وجيوبولوتيكية خطيرة حيث نتج من سقوط الشاه مايأتي:
أ. خسارة سوق السلاح الايراني.
ب. فقدان الاسناد العسكري الايراني لعمان لقمع العصيان في الجبل الاخضر.
ج. تخلخل خطة الاحتواء الامريكي للأتحاد السوفيتي عندما فككت الولايات المتحدة محطتي الانصات الالكترونية الامريكية شمال ايران المعدة لمراقبة اختبارات المقذوفات السوفيتية.
كيف تتصرف الولايات المتحدة ؟ انها مبدئيا يجب ان تحافظ على دول الخليج وتراقب ايران والعراق وتمتحن الاتحاد السوفيتي فقامت بمايأتي:
أ. قدمت التكنولوجيا المدنية لدول الخليج وانشأت الاسواق العالمية فيها وعقدت المؤتمرات الاقتصادية في مراكزاها الاقتصادية واغرقت السوق الخليجي بكل مايبهر وقد حملت هذه التكنولوجيا سلبيات مع ايجابياتها لأن المجتمعات الخليجية المحافظة المتدينة لم تتكيف معها بسرعة لذا:
اولا. ولدت كره لدى المتدينين في الخليج (تحدي اسلامي).
ثانيا. ظهور الطبقة الوسطى (البرجوازية) التي بدأت تطالب بمشاركتها بقيادة تلك البلدان.
ثالثا. تعاظم عدد الاجانب حيث وصل عددهم حوالي (4) ملايين اجنبي بعد عام (1985).
رابعا. ولد انقسام حاد في اغلب العائلات الحاكمة.
ب. اشغال العراق وايران بحرب مفتعلة.
ج. بالنسبة للاتحاد السوفيتي قامت الولايات المتحدة بما يأتي:
اولاً. عززت حلف الناتو بأدخال مقذوفات بيرشنغ 2 وكروز وقرر الكونكرس الامريكي بعدم المصادقة على اتفاقية سالت 2.
ثانيا. غضت الطرف عن التجاوزات الصينية على حقوق الانسان وعمقت علاقاتها الاقتصادية معها.
ثالثا. لعبت بشعرة معاوية لكسب ود الهند وعدم اغضاب باكستان لكن الاخيرة هي ذات الاهمية السوقية لمجابهة الخطر السوفيتي في افغانستان.
د. قدمت الولايات المتحدة مساعدات عسكرية الى اليمن بقيمة (400) مليون دولار.
ه. ارسلت حاملة الطائرات (كونستليشر) الى بحر العرب وفتح اسطول طائرات منظومة الانذار (السيطرة المحمولة جوا (الاواكس) في السعودية لتقوية الدفاعات الجوية فيها.
تقييم الوضع في الخليج والمحيط الهندي
11. في اجتماع خاص ضم الرئيس كارتر ووزير الخارجية فانس ومستشار الامن القومي بريجنسكي وزير الدفاع براون ووزير الطاقة شيليزنجر لتقييم الوضع في منطقة الخليج والمحيط الهندي على ضوء الأحداث في اليمن الشمالي والجنوبي وكان الموضوع المثير للجدل بين المجتمعين هو هل نفوذ ام تهيمن؟ وبالتالي هل يجب ان يتوازن الوجود الامريكي مع الوجود السوفيتي فيها ام يتفوق عليه؟ وكان وزير الدفاع من المؤيدين للتفوق لأنه لاتتم الهيمنة الا بالتفوق وقد ايده بريجنسكي بقوة لماذا؟ لأن المنطقة الخليجية حيوية للولايات المتحدة وعليه يجب بناء سوْق متكامل من جهاز التفوق المتكامل وعليه مال الرئيس كارتر الى رأي بريجنسكي وتم الاتفاق على الاجراءات الاتية:
أ. اعداد كشف بخيارات الانفتاح العسكري في الخليج من قبل البنتاغون.
ب. التحري عن الجدوى العملية لأبقاء اسطول بحري في المحيط الهندي بصورة دائمة.
ج. الانفتاح الاعتيادي للطائرات في القواعد البرية للدول الصديقة في المنطقة.
د. زيادة المبيعات العسكرية للدول الصديقة وخاصة في منطقة الخليج دون التأثير على جاهزية القوة العسكرية الاسرائيلية.
ه. تعاون امني وثيق مع الدول الاقليمية الموالية للغرب.
و. التحرك بفعالية على القضية الفلسطينية.
12. اكتملت خطط السوْق العسكري الامريكي بعد هذه المداولات وتم الاتفاق على احترام مبدأ (من يصل اولاً يصبح سيد الموقف) وهذا المبدأ ينطبق فقط على الدول المتوازنة القوة نوعا ما وعليه حتى تصل الولايات المتحدة اولا الى المنطقة يجب عليها ان تحدد القوات المطلوبة للتدخل السريع وبناءا على التوجيه الرئاسي رقم (18) ومذكرة اعادة النظر الرئاسية رقم (10) تم القرار على تأليف (قوة سيارة ذات رد فعل سريع الضربات سريعة في ازمات العالم الثالث) وتتألف هذه القوة من حوالي (100) الف جندي بضمنهم : فرقتين محمولتين جواً / لواء مشاة بحري برمائي / ثلاثة أجنحة من القوة الجوية / هذه القوة مسندة من (2-4) حاملة طائرات. وبعد ان اكتملت مقومات قوة الانفتاح السريع ظهر الرئيس كارتر في خطاب يوم 23 ك2 (1980) يوضح عقيدته وقال (فلندع موقفنا يتوضح تماما: ان اية محاولة من قبل قوة خارجية لكسب السيطرة على منطقة الخليج ستعتبر بمثابة هجموم على المصالح الحيوية الامريكية وسيرد عليها بجميع الوسائل الضرورية بما فيها القوة العسكرية) وقد تبنى الرئيس ريغان فيما بعد هذه العقيدة وطورها الى (ان اي تهديد لمنطقة الخليج سيعالج بعمل عسكري محتمل جدا). من اجل اكمال مهمة (قوة التدخل السريع) تطلب من السوق العسكري الامريكي تهيئة مايلي:
أ. وجود قوات قتالية مؤثرة (حاملة طائرات / جحفل معركة / قوات برمائية).
ب. قوات قتالية مخصصة من (قوة التدخل السريع) مدربة ومزودة بمعدات ملائمة لمناطق الطوارئ المحتملة (الحروب الصحراوية).
ج. قوات اسناد مصممة لجنوب غرب اسيا ومبنية الانفتاح موقوت بشكل صفحات.
د. امكانيات عالية لقابلية الحركة للتحرك داخل مسرح العمليات او عبر المسارح.
ه. تأمين حق المرور فوق الأجواء وكذلك الوصول مع تحسين القواعد والتسهيلات الموجودة على الطريق بغية اسناد عمليات الرفع الجوي والبحري الواسعة النطاق.
و. تأمين الوصول الى المطارات والموانيء الاقليمية مع تحسينها لتسمح بعمليات انفتاح واسعة النطاق وقت الازمات.
ز. وضع الخزين اللوجستي في اماكن تمهيدية متقدمة في المنشأت الاقليمية او على متن السفن البحرية في اماكن معدة سلفاً.
ح. حماية خطوط المواصلات البرية والجوية والبحرية لتسهيل انفتاح القطعات.
السوق الامريكي ونجاح قوة الانفتاح السريع
13. بنيت السوقية العسكرية الامريكية على رد الفعل السريع وهذا الرد يعتمد على قابلية الحركة وهذه بدورها تعتمد على الامكانيات الأتية (الرفع الجوي / الرفع البحري / تعيين وتأمين الاماكن التمهيدية المتقدمة) ويجب ان يتحمل الرفع الجوي ايصال 90% من القوات القتالية في غضون الاسابيع الاولى من النزاع وتبقى البقية من مسؤولية الرفع الجوي الذي سيتحمل نقل اغلب المعدات الثقيلة والضخمة والكبيرة الحجم ولم تكن هذه المعضلة هي الوحيدة التي كانت تجابه السوق العسكري الامريكي انما برزت مشاكل العمل بالخليج وهي:
أ. ضعف البنية الارتكازية في عموم المنطقة وخاصة في جانب المواصلات والاتصالات.
ب. الطبيعة الصحراوية التي تتطلب تدريباً خاصاً
ج. صعوبة المزاملة والتجحفل واعادة التجحفل والملاحة.
14. تم التغلب على تلك الصعوبات بأجراء التمارين الآتية : (النجم الساطع / الفارس الجريء / النسر الجسور / تمرين المواصلات / تمرين الاستعداد للانفتاح السريع) وركزت هذه التمارين على افتراض حدوث احد الاحداث الامنية الآتية او اثنان منها معاً.
أ. مهاجمة دولة خليجية بدعم سوفيتي.
ب. غزو سوفيتي لأيران.
ج. نزاع بين حلف الناتو وحلف وارشو.
د. نزاع اقليمي متزامن.
15. وبعد اكمال تلك التمارين ظهر لخبراء السوْق العسكري الامريكي(12) ان الثغرة الرئيسية هي في (قابلية الرفع الجوي) وتمت معالجة ذلك بما يأتي:
أ. وضعت المواد الرئيسية في اماكن متقدمة في القواعد الامريكية في (ديوغارسيا) والفلبين والخليج العربي.
ب. بالنظر للاستهلاك الكبير لوقود الطائرات (صرف ستة اطنان وقود طائرات لأيصال طن واحد) قام البنتاغون بتغيير جناح طائرة النقل السوقي (غلاسكي) C.5 بغية اعطائها عمر خدمة اضافية لثلاثين الف ساعة طيران مما سيجعل الاسطول عاملا لغاية القرن الحادي والعشرين. واطالة هيكل الطائرة (ستار بيغتر) 141- 2 لزيادة طاقة استيعاب حمولتها بحوالي الثلث وتزويدهما بمعدات التزود بالوقود جواً.
ج. تعاقد البنتاغون على (21) طائرة ركاب ذات هيكل عريض.
د. شراء (50) طائرة (58-C) محورة ومحسنة من طائرة (C-5A) و (44) طائرة حمولة او ناقلة وقود متقدمة من نوع (KC-10).
16. ومع ذلك ان كل هذه التحويرات والامكانيات لم يحقق الهدف المطلوب وهو رفع (66) مليون طن / ميل يومياً وعليه لمن يلبي هذا الطلب الا بناء طائرة متطورة جديدة وهي الطائرة (C-17) التي تستطيع النقل الى مسرح العمليات وعبره وكذلك تستطيع استخدام المطارات الخالية من التسهيلات وتم الاتفاق على شراء (180) طائرة من هذا النوع بحلول عام (2000).
بناء الحلقات الامنية
17. لازلنا في عهد كارتر حيث ظهرت الهيمنة بأسلوب آخر حيث قال وزير الدفاع بروان (ليس بأمكاننا ان نأمل ولا ان نخطط للدفاع عن شعوب المنطقة مالم يساعدوا في الدفاع عن أنفسهم) فظهر مفهوم سياسي امريكي هو (تعاون أمني إقليمي) وفي عهد ريغان تم تطوير هذا المفهوم من قبل (الكسندر هيغ) وزير الخارجية الامريكي الاسبق الى مفهوم (الاجماع السوقي) اي قيام دول الخليج بتشكيل الحلقة الامنية الاولى للاجماع السوقي وتكون دول (باكستان ومصر والاردن وتركيا واسرائيل) هي الحلقة الامنية الثانية بينما تكون الحلقة الامنية الثالثة (كينيا والصومال والمغرب) من اجل التعاون ضد التهديدات السوفيتية. وبالنظر لحساسية دول المنطقة من الاحلاف فأن واشنطن حلت هذه المعضلة وتغلبت على الاحراج لدى دول المنطقة بأسلوب الترتيبات الثنائية مع كل دولة على حدة.
الهيمنة / التدخل السريع ومشاعر الشعوب
18. التدخل السريع يعني الهيمنة. فكيف يتم تحقيق الهيمنة دون استفزاز لمشاعر شعوب المنطقة التي سيتم الاستعانة بها لتحقيق هذا التدخل.فمثلا لم نؤسس الولايات المتحدة بعد السبعينات قواعد لها الا في الجزر العارية من النظم السياسية اما في المناطق ذات النظم السياسية طلبت الولايات المتحدة منها تسهيلات في مؤاني وشواطئ تلك الدول لأن التسهيلات تمنع اي وجود على نطاق واسع للقوات الامريكية في الدول المعنية اولاً وثانياً كل التسهيلات مؤقتة الاستخدام من اجل معالجة ظرف معين فقط ومن مميزات اسلوب التسهيلات.
أ. إحتفاظ الدولة المضيفة بحق السيادة على جميع التسهيلات.
ب. الملكية الوطنية الفعلية لجميع الاراضي المستخدمة.
ج. استشارة الدولة المضيفة في حالة استخدام اراضيها عملياتياً أو اثناء التمارين او اثناء انفتاح القطعات.
د. اعطى إسلوب التسهيلات للطرفين المرونة الكافية للتعامل مع الحدث السياسي والاجتماعي عكس اسلوب القواعد الثابتة في (كوانتانامو في كوبا) و (ديوغارسيا في المحيط الهندي) و (سوبيك في الفلبين).
19. استطاعت الولايات المتحدة الوصول الى التسهيلات المطلوبة لتحقيق اهداف الهيمنة في (عمان والصومال وكينيا وقطر والسعودية والبحرين وباكستان ومصر (رأس بانياس) والمغرب والبرتغال واسبانيا وجيبوتي واسرائيل وتركيا) من خلال مفهوم (الاحتياط المركزي) الذي لاتدعوا الحاجة من خلاله الى وجود قوات امريكية على نطاق واسع مماتتطلب إجراء تحسينات في النوع والكم على موجودات وقابلية الحركة البعيدة المدى.
20. بني السوق العسكري الامريكي على اساس مجابهة غزو سوفيتي للمناطق الحيوية وخاصة منطقة الخليج. لكن بعد غزو افغانستان والتجربة السوفيتية الفاشلة فيها وعدم امكانياتها السوقية واللوجستية للقضاء على المقاومة الافغانية وبالتالي ثبت ان التهديد السوفيتي لاقيمة له وانما الخطر من الدول المتطرفة المحيطة في المناطق الحيوية حيث عبر وكيل وزير الدفاع الامريكي (روبرت كومر) في عهد كارتر عن قلقه فيما اذا غزا العراق او اليمن الجنوبي السعودية ولم يستبعد تدخل امريكي وعليه تطلب اشغال العراق وايران بهموم اخرى غير الخليج لذا اشتعلت الحرب العراقية الايرانية على ان نحقق الاهداف الاتية:
أ. البحث عن توازن فعال للقوة بين الطرفين المتحاربين كي لا يحوز اي منهما النصر.
ب. العمل على ضمان عدم استغلال السوفيت النزاع لكسب موقف معين في اي البلدين.
ج. الحيلولة دون ان تؤدي الحرب الى تقويض بناء الانظمة المحافظة.
د. ضمان استمرار تدفق النفط من الخليج.
21. من اجل ان تبقى دول الخليج العربي بما فيها المملكة العربية السعودية قلقة على مستقبلها من جيرانها الاقوياء لتبقى حاجتها الى وجود امريكي في المنطقة لتحقيق الهيمنة. عملت الولايات المتحدة بصورة غير مباشرة على تقوية جيران دول الخليج وأهم هؤلاء الجيران.
أ. اليمن : شعرت الولايات المتحدة ان اليمن الضعيف جنوب السعودية ليس من مصلحة الولايات المتحدة فعملت على تقديم الاسنادغير المباشر الى اليمن الشمالي وغضت الطرف عن قيام اليمن الشمالي بظم اليمن الجنوبي له (ليس هذا مستنكراً من ناحية الشعور القومي) وقدمت المساعدات اللازمة له من اجل تقوية اقتصاده والعمل على استقراره ليكون مصدر قلق للجاره الشمالية السعودية لاسيما وان هناك مطالب متبادلة بالاراضي الحدودية بينها وكذلك وجود يمن قوي ومستقر مقابل الساحل الغربي للبحر الاحمر والبحر العربي مضطرب قبلياً وعنصرياً وسياسياً يصب في مصلحة الولايات المتحدة الامريكية.
ب. مصر : كان التأثير القومي الناصري على منطقة الخليج له دلالات كبيرة على استقرار دول الخليج حسب المفهوم الامريكي وعليه من مصلحة الولايات المتحدة ان يضعف هذا التأثير في موطنه وجعل مصر متقوقعة وضعيفة اما تقوية مصر على الطريقة الامريكية وكان الخيار الاخير هو الافضل وهو ان تكون مصر قوية وذات تأثير واضح على المنطقة ولكن على الطريقة الامريكية.
ج. العراق : من الصعب التأثير على العراق بالطريقة المصرية لأسباب كثيرة لامجال لذكرها الان وعليه تطلب الهائه بحرب شبه مشروعة مع ايران لخلق المبررات المعقولة لتقويته غربياً وعربياً وخليجياً وعندما انتهت الحرب العراقية الايرانية كانت الحاجة الى اضعاف العراق واحتوائه ومن ثم تقويته مستقبلاً على الطريقة المصرية لذا استوجب الاحتلال.
د. ايران : لما فلت زمام الامر من الولايات المتحدة بسقوط الشاه واصبحت القوة الايرانية المقلقةلدول الخليج غير مسيطر عليها تم افتعال الحرب العراقية ايرانية واستغلتها الولايات المتحدة افضل استغلال وبعد انتهاء تلك الحرب غضت الولايات المتحدة الطرف عن التقدم العلمي والتكنولوجي الذي سلكته ايران وخاصة في العلوم العسكرية والتسليحية من اجل ان تبقى تلك الدولة مصدر قلق الى دول الخليج ولو انها خارج السيطرة الامريكية مؤقتاً.
22. وحتى لانجعل القارئ يشعر ان خطط الولايات المتحدة قد نجحت هذا النجاح الباهر بسبب حنكة ودراية وقابلية ساستها وخبرائها فقط انما تفرقنا واخطائنا وتناحرنا وريبتنا بعضنا ببعض كان سبب رئيسي لنجاح خطط الولايات المتحدة في التحول من القيادة الى الهيمنة.
23. سأتكلم في مقال لاحق عن (السوق الامريكي العام الخاطئ) بعنوان (هل ربحت امريكا الحرب في العراق) لنفهم تكرار الخطأ في فنزويلا.
المصادر:
(1) محمد عبدالمجيد حسون:- استراتيجيت القوى العظمى في الوطن العربي.
(2) جيمي كارتر:- الاوراق الرسمية لرؤوساء الولايات المتحدة الامريكية.
(3) مايكل ستون:- النفط والحرب والامن الامريكي.
(4) هنري كسنجر:- سنوات البيت الابيض.
(5) جون لنزوسسكي:- السياسية الامريكية اتجاه ايران.
(6) برجنسكي:- القوة والمبدأ.
(7) جان اوستن:- الضربة السريعة.
(8) دائرة التدريب العراقية :- السوق العسكري للولايات المتحدة

1094 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع