
د.علي الزعاك
الوهم العلمي والإرث السياسي لـلأسلحة البيولوجية العرقية
مع دخول الصراع الحالي بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران مرحلة خطيرة، تبرز موضوعة الأسلحة البيولوجية العرقية على الطاولة كأداة إعلامية قديمة. ففي عام 1998، أشعل تقرير صادر عن منظمة غير حكومية تُعرف باسم "مشروع سن شاين (The Sunshine Project) عاصفة من الجدل، متهما إسرائيل بالعمل على تطوير سلاح بيولوجي جيني يستهدف العرب. وبينما تم تداول التقرير على نطاق واسع في وسائل الإعلام الكبرى وقتها وأصبح حجر زاوية في الروايات الإقليمية، إلا أن فرضيته المركزية تجاهلت حقيقة علمية أساسية: إن السلاح البيولوجي العرقي لم يكن حينها سوى خيال علمي.
كان "مشروع سن شاين"، وهو مرصد للأسلحة البيولوجية مقره الولايات المتحدة وألمانيا ونشط بين عامي 1999 و2008، يركز على الأبحاث "مزدوجة الاستخدام" وإنفاذ اتفاقية الحد من الأسلحة البيولوجية (BWC)
زعم تقريره الصادر أن إسرائيل تستغل قطاعاتها المتقدمة في التكنولوجيا الحيوية والصيدلة لتركيب عوامل جرثومية مثل الفايروسات يمكنها استهداف سمات جينية محددة لدى مجموعة بشرية معينة مع استثناء الآخرين. استندت أدلة التقرير إلى استنتاجات ظرفية، مشيرة إلى أبحاث إسرائيلية حول ارتباط بعض الجينات ببعض الأمراض (الوراثية) وربما وجود برنامج سري في معهد إسرائيل للأبحاث البيولوجية (IIBR) في مدينة نيس زيونا الساحلية قرب تل أبيب، وكذلك بسبب جمع عينات دم من مجموعات عربية لرسم الخرائط الجينية بالإضافة الى موقفها (الرمادي) غير المعلن من الأسلحة النووية والكتلوية.
وعلى الرغم من الافتقار إلى مصادر يمكن التحقق منها، كان إرث التقرير فورياً ومدمراً إذ أصبح حجة في وصف إسرائيل كتهديد وجودي لجيرانها. وبينما أثار التقرير قضايا أخلاقية بالغة الأهمية تتعلق بإساءة الاستخدام المحتملة للأبحاث الجينية، إلا أنه أدى في النهاية إلى تشتيت الانتباه عن الانتقادات الموثقة لبرامج أسلحة الدمار الشامل التقليدية.
يكمن الخلل الجوهري في نظرية السلاح العرقي في واقع علم الوراثة البشرية. فالاختلافات الجينية داخل أي مجموعة عرقية أو سكانية معينة هي أكبر بكثير من متوسط الاختلافات بين المجموعات البشرية المختلفة إذ لا يوجد جين واحد يحدد أعضاء عرق أو جنسية معينة وإن العثور على (ماركر) أو علامة مشتركة بين العرب أو الإيرانيين أو الإسرائيليين، على سبيل المثال، وغائبة عند جميع الآخرين في ميدان المعركة، هو امر مستحيل بيولوجياً. فكلا المجتمعين، الإسرائيلي والإيراني مثلا، يتسمان بتنوع جيني كبير ويظهران تداخلاً جينياً مع جيرانهم. حتى السمات المظهرية مثل لون البشرة أو القابلية للأمراض تتضمن تفاعلات معقدة بين العديد من الجينات والبيئة المحيطة.
إن العقبات التقنية أمام (تصنيع) أو (تطفير) فايروس ممرض يمكنه التعرف والمهاجمة بناءً على علامات أسلاف متعددة الجينات هي عقبات مستعصية. وحتى لو أمكن تحديد بصمة متعددة نظريا فان المسببات المرضية قد تتحور بسرعة وأي عامل بيولوجي مهندس وراثيا يمكنه الخروج عن السيطرة والارتداد إلى سكان الجهة المهاجمة نفسها، مما قد يؤدي إلى جائحة عالمية.
لا شك أن تاريخ الحروب حافل بمحاولات توظيف الأسلحة البيولوجية (التقليدية) فقد اعترفت محكمة طوكيو عام 2002 بجرائم "الوحدة 731" اليابانية في الصين، وكذلك الروايات التاريخية الموثقة الأخرى من مثل توزيع المستوطنين أغطية وبطانيات ملوثة بالجدري على الهنود الحمر في أمريكا الشمالية.
وفي ظل صراع ممتد يتسم بالحرب السيبرانية، والاغتيالات الممنهجة، والضربات بالوكالة، فمن الطبيعي أن يؤدي الشك المتبادل العميق إلى تغذية خيال السيناريو الأسوأ. ومع ذلك، لا توجد أدلة موثوقة من وكالات استخبارات أو هيئات دولية أو منظمات علمية مرموقة تشير إلى أن أي دولة قد طورت أو نشرت سلاحاً مصمماً للاستهداف الجيني العرقي. ببساطة، لا يوجد "جين فارسي" أو "جين يهودي" يفصل بشكل قاطع بين السكان بطريقة تسمح بتطبيق عسكري جراحي.
بينما يظل السلاح العرقي خيالاً علمياً، فإن الخوف المستمر من وجوده يمثل واقعاً نفسياً قوياً. وفي مشهد يسوده الريبة وعدم ثقة الأطراف المتحاربة أو المتعادية مع بعضها، تملأ هذه النظريات الفراغ الناتج عن غياب الشفافية والتعتيم لدى الأطراف. إن الحل لا يكمن في المزيد من توقع السيناريو الأسوأ، بل في الالتزام العالمي باتفاقية الأسلحة البيولوجية والابتعاد عن الغموض الاستراتيجي الذي يسمح بتداول هذه المخاوف المشروعة. وفي نهاية المطاف، فان الخطر الأكبر لـلسلاح البيولوجي العرقي ليس في إمكانية تنفيذه، بل في قدرته على تشتيت الانتباه عن الانتشار الفعلي والموثق لأسلحة الدمار الشامل التي يمكن السيطرة عليها.
Reference:
Van Aken, J., & Hammond, E. (2003). Genetic engineering and biological weapons. EMBO Reports, 4(S1), S57–S60. doi.org

901 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع