"كنوز الفساد" في العراق.. أسرار المليارات المخبأة خلف الجدران وتحت الأرض

إرم نيوز:من عبوات المياه إلى الجدران وتحت الأرض، ظهرت أموال عراقية مخفية في أماكن غير متوقعة خلال عمليات ملاحقة الفساد الأخيرة، إلى جانب ملايين الدولارات وكميات كبيرة من الذهب والعقارات، في مشاهد تكشف جانباً من المسارات التي تسلكها الأموال المتحصلة من قضايا الفساد قبل أن تتحول إلى ثروات يصعب تتبع مصادرها.

وخلال حملة مكافحة الفساد التي أطلقتها الحكومة العراقية، ظهرت حالات لضبط أموال مدفونة ومخفية داخل منازل، فيما كشفت التحقيقات في إحدى أبرز القضايا عن العثور على مبالغ مالية داخل قناني مياه، وأخرى داخل الجدران، إضافة إلى كميات كبيرة من الذهب وعقارات ومركبات.

وتكشف هذه الوقائع جانباً من آليات الفساد التي تتعامل معها الأجهزة الرقابية والقضائية؛ إذ لا تتوقف القضية عند لحظة الحصول على المال، وإنما تمتد إلى كيفية تمرير العقد أو المشروع، والحصول على العمولة، واستخدام الوسطاء، ثم تحويل الأموال إلى أصول أو إخفائها نقداً أو نقلها خارج البلاد.

عقود تنفخها العمولات
ويقول مسؤول في هيئة النزاهة العراقية إن "أغلب الأموال المتحصلة في قضايا الفساد ترتبط بالمغالاة في العقود والمشاريع الحكومية، إذ يجري تمرير عقود بقيم تفوق الكلفة الحقيقية، وتتحول الفروقات المالية إلى عمولات ومنافع يحصل عليها مسؤولون أو أشخاص مرتبطون بهم".

وأوضح المسؤول الذي طلب حجب هويته لـ"إرم نيوز"، أن "الرشاوى تأتي في المرتبة الثانية من حيث الأموال المتحصلة في عدد من القضايا، وتظهر بأشكال مختلفة، منها مبالغ نقدية مباشرة، أو نسب من المشاريع، أو منافع تمنح مقابل تمرير معاملة أو عقد أو تسهيل إجراء حكومي"، مبيناً أن "الفساد لا يحدث دائماً من خلال سرقة مباشرة من خزينة الدولة، وإنما من قرار إداري أو إحالة مشروع وينتهي بحصول أشخاص على منافع مالية بصورة غير مشروعة".

وأضاف أن "جزءاً من الأموال المتحصلة من الفساد لا يبقى في صورة نقدية، وإنما يتحول إلى ذهب وعقارات ومركبات أو يجري توزيعه على أشخاص ووسطاء، وفي بعض الحالات يجري إخفاء الأموال في أماكن يصعب الوصول إليها، وهو ما يفسر العثور على مبالغ داخل الجدران أو مدفونة تحت الأرض أو مخفية في أماكن غير متوقعة".

ملف الجميلي.. مليارات وذهب
وتظهر قضية وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية عدنان الجميلي كإحدى أبرز القضايا التي كشفت عنها التحقيقات الأخيرة، بعدما أعلن القضاء العراقي في مراحل مختلفة ضبط مبالغ مالية ضخمة، إلى جانب الذهب والعقارات والمركبات، فيما تضمنت المشاهد التي نشرتها الجهات الرسمية أموالاً مخفية بطرق مختلفة.

وفي إحدى عمليات الضبط، أعلن القضاء العثور على أكثر من 67 مليار دينار ومليون دولار، بينها أموال عثر عليها داخل منازل وأخرى مدفونة تحت الأرض، فيما كشفت عمليات لاحقة عن مبالغ أخرى مخفية داخل جدران وقناني مياه، إلى جانب الذهب والمصوغات.

ولم تقتصر المضبوطات على النقد؛ إذ أعلن مجلس القضاء الأعلى في تموز/يوليو استرداد كميات كبيرة من الذهب مرتبطة بالتحقيقات، في وقت استمرت فيه عمليات حجز العقارات والمركبات والتحقيق في الأموال التي كانت بحوزة أشخاص آخرين مرتبطين بالقضية.

ويقول الباحث الاقتصادي سرمد الشمري لـ"إرم نيوز" إن "الفساد في العراق لم يعد مرتبطاً بحالات فردية معزولة، وإنما أصبح مرتبطاً بطريقة إدارة الموارد العامة والعقود والمناصب، ولذلك فإن التعامل معه يحتاج إلى النظر في البنية التي تسمح بحدوث الفساد، وليس فقط ملاحقة الأموال بعد خروجها من المؤسسات".

وأضاف الشمري أن "الفساد يبدأ في بعض الحالات من مرحلة تصميم المشروع، ثم ينتقل إلى الإحالة والتنفيذ والاستلام، وقد تتوزع المنافع بين أكثر من طرف، ولهذا فإن اكتشاف الأموال في منزل مسؤول أو شخص متهم لا يمثل بالضرورة نهاية المسار، وإنما يتطلب تتبع مصدر المال والجهات التي استفادت منه والعقود أو القرارات التي أنتجته".

وفي السنوات الأخيرة، اتسع حجم الإنفاق الحكومي مع إقرار العراق أول موازنة اتحادية لثلاث سنوات؛ إذ أقر مجلس النواب في حزيران/يونيو 2023 قانون الموازنة العامة للسنوات المالية 2023 و2024 و2025، وبإنفاق مخطط بلغ نحو 198.9 تريليون دينار للسنة الواحدة، أي ما يقارب 153 مليار دولار وفق سعر الصرف آنذاك، مع اعتماد المبلغ نفسه للعامين التاليين ما لم تجر تعديلات عليه.

وتعني الموازنة الثلاثية أن حجم الأموال العامة المتاحة ضمن الإطار المالي للسنوات الثلاث كان ضخماً، في ظل تخصيصات كبيرة للنفقات الجارية والاستثمارية والمشاريع الحكومية؛ وهو ما فتح نطاقاً واسعاً أمام العقود والمشتريات والمشاريع والإنفاق في قطاعات مختلفة.

العقود الحكومية.. بؤرة الخطر
ويرتبط جزء كبير من مخاطر الفساد في العراق بالإنفاق العام، ولا سيما في قطاعات النفط والكهرباء والمشاريع الحكومية، وهي قطاعات يصفها صندوق النقد الدولي بأنها من المجالات ذات القابلية المرتفعة لمخاطر الفساد في العراق، مشيراً أيضاً إلى أن العقود الحكومية، وخصوصاً في قطاع النفط، تعرضت لممارسات تتعلق بالمحاباة والاختلاس.

ويأتي ذلك في ظل وجود مؤسسات وهيئات عراقية تتولى الرقابة على المال العام، وفي مقدمتها هيئة النزاهة الاتحادية، وديوان الرقابة المالية والجهات القضائية والرقابية داخل الوزارات.

وأعلنت هيئة النزاهة الاتحادية في تقريرها السنوي لعام 2025 أنها نظرت في 37 ألفاً و175 إخباراً، فيما بلغ عدد القضايا الجزائية 31 ألفاً و355 قضية، وأصدرت 14 ألفاً و645 أمر استقدام، بينها أوامر بحق وزراء ومن بدرجتهم وأصحاب درجات خاصة ومديرين عامين ومن بدرجتهم.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

998 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع