المقاومة السرية للنساء الأفغانيات: عندما تتحدى المرأة سجانها

 آية مصدق

المقاومة السرية للنساء الأفغانيات: عندما تتحدى المرأة سجانها

لقد شهدت حقوق المرأة في أفغانستان انتكاسةً وتراجعًا كبيرين منذ أن عادت حركة طالبان إلى الحكم عام 2021، حيث مُنعت المرأة من التعليم بعد المرحلة الابتدائية، وأُغلقت في وجهها المعاهد والجامعات، وطُردت من العمل، وفُرضت على حضورها في الفضاء العام قيود صارمة. ولا يمكن اعتبار ما يحصل مجرّد سطور عابرة لقرارات مُتطرّفة تتخذ الدين غطاءً لها، وإنما هو عملية اغتيال مُمنهجة ومُكتملة الأركان للوجود النسائي، وإعادة تشكيل لواقع بائس يُراد للمرأة أن تكون فيه مجرّد شبح يتوارى خلف الجدران، لا تملك صوتًا ولا أثرًا، وتُساق قسرًا إلى صفقات الزواج التي تُطرح بديلًا وحيدًا عن مقاعد الدراسة والعمل.

وازداد الوضع سوءًا بعد صدور المرسوم 18، الذي تضمّن 31 مادة، والمُتعلّق بـ"قواعد الانفصال القضائي بين الزوجين"، والذي أصدرته وزارة العدل في حكومة طالبان في أفغانستان، وصادق عليه زعيم الحركة هبة الله آخوندزاده. ويُثير المرسوم القلق بشأن حقوق الطفل، إذ لا يحدّد سنًّا أدنى للزواج، ويعتمد على سن البلوغ، كما ينصّ على إمكانية تفسير صمت الفتاة البالغة على أنّه موافقة على الزواج، وهو ما يُعطي إطارًا شرعيًا لزواج الأطفال، كما يضع المرسوم عوائق قانونية في وجه المرأة التي تُريد الطلاق، إضافة إلى عدم حمايتها من العنف المنزلي المُسلّط عليها، والسماح للزوج بضرب زوجته شريطة ألّا يؤدي الضرب إلى كسور وكدمات عنيفة، في حين يُعاقب من تمادى في ضرب الزوجة بالسجن مدة تصل إلى 15 يومًا، وهي عقوبة قليلة قياسا لما تتعرّض له المرأة من إهانة، وعدم الأمان، والضغوطات النفسية بسبب العيش مع زوج يُعنّفها، ولا يمكن للقانون أن يحميها منه.

وفي مقابل هذا الإقصاء المُقنّن وشرعنة العنف ضدّ المرأة، يقف العالم، كعادته، مُتفرجًا، مُصابًا بلامبالاة إنسانية وأخلاقية غير مسبوقة، فيكتفي المجتمع الدولي بإدانات خجولة وبيانات قلقة تُصاغ بآلية داخل الغرف المُكيّفة في المقرّات الأممية، بينما تُترك المرأة الأفغانية وحيدة في مواجهة سجنها. هذا النفاق الدولي بات معروفًا منذ أحداث غزّة، وكشف لنا حقيقة هذا النظام الانتقائي الذي ينتفض لحقوق الإنسان في رقعة جغرافية، ويصمت عنها صمت المقابر في رقعة أخرى، وهو ما يجعل مأساة النساء الأفغانيات مسمارًا آخر يُدقّ في نعش هذا النظام اللادولي الذي ترك شعبًا كاملًا لمصيره بعد عقود من التدخلات.

غير أنّ المفارقة القوية التي تصفع القمع والخذلان معًا تأتي من صمود النساء، الذي يتكرّر عبر تاريخ من محاولات الإقصاء والهيمنة والإخضاع والعنف. لم تستسلم المرأة الأفغانية للسلطة، وإنما فجّرت نوعًا فريدًا من المقاومة في الحواضن الشعبية الأفغانية. فخلف جدران أحياء كابول وقرى قندهار وبغلان وهيرات، تقوم حياة أخرى موازية لا تصلها أعين الرقابة. لقد تحوّلت الغرف الخلفية والأقبية إلى حصون سرّية للمعرفة ومُستودعات للأمل المُهرّب. هناك تلتقي الفتيات كمقاومات في جيوش التحرير، يجلسن جنبًا إلى جنب، ويُخرجن من تحت براقعهن كتبًا، ويُمارسن حقّهن الطبيعي في التعليم في تحدٍّ صارخ لكلّ القوانين الجائرة. أمّا المعلّمات اللاتي طُردن من وظائفهن، فيقمن اليوم بواحدة من أخطر صور العصيان المدني، فيُخاطرن بحياتهن وحريتهن حتى يفتحن هذه المدارس المنزلية ويعلّمن الفتيات اللغات والعلوم، ليس فقط لحمايتهن من الجهل، وإنّما لخلق حاجز نفسي منيع يحميهن من الاضطرابات النفسية والاكتئاب والانتحار تحت وطأة اليأس والعزلة والإقصاء.

ويتجاوز هذا التحدي النسائي الجغرافيا نحو الفضاء الافتراضي، ورغم الرقابة الصارمة على خطوط الاتصال وضعف شبكات الإنترنت، تحاول النساء الأفغانيات تبادل الكتب ومتابعة المحاضرات المُهرّبة من وراء الحدود عبر منصّات رقمية يبتكرنها، وبهذه الطريقة يبعثن لسجانهن وللعالم رسالة واضحة وقوية، وهي أنّ الفكر لا يمكن وضعه في الإقامة الجبرية، وأنّ الوعي الذي تذوّق الحرية مرّة واحدة لا يمكن إعادته إلى السجن.

إنّ المرأة الأفغانية اليوم، ورغم كلّ ما يحيط بها من قمع وإقصاء، ترفض أن تقف في طابور البكائيات في انتظار أن يفتح لها العالم المُتفرّج باب زنزانتها. إنّها امرأة لا تستجدي شفقة من عالم غارق في الحروب والتمييز العنصري وحسابات الربح والخسارة، بل تُعيد تشكيل مفهوم الصمود والمقاومة بإمضاء نسوي؛ تدرس في السر، وتختبئ خلف لباس الرجال، وتُهرّب كتبها، وتغافل الرقابة، وهي تؤكّد في كلّ صباح تشرق فيه الشمس فوق جبال هندوكوش أنّ النور الذي يحمله عقل المرأة أقوى من الظلام المُحيط بها، وأنّ النساء، وهنّ أوّل وأكبر جماعة مُهمّشة في تاريخ الأعراق، لا يزلن في كلّ أنحاء العالم يقفن بثبات أمام الحروب والنزاعات والمجاعة والعنف والتهجير والإبادات والسلطات بمختلف أشكالها، والشركات الرأسمالية الجشعة، ويواصلن المضي في طريقهن بكلّ صمود.

- عن العربي الجديد.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

932 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع