
ولاء سعيد السامرائي
درس لأمين يمال والخطاب العنصري في كأس العالم
بينما احتضن ملك أسبابنا فيليب السادس بفرح لاعب منتخب البلاد لاروجا لأمين يمال خلال الاحتفال بتتويج الفريق الاسباني بطلا لكأس العالم لعام 2026 المقامة في الولايات المتحدة، وكرر الملك ذلك حينما عاد الفريق للبلاد واستقُبل الفريق في القصر الملكي للاحتفاء به وبالانتصار الكبير الذي حققه لإسبانيا، شتمت السيناتور سيلست اماريلا Céleste Amarilla من الباراغواي بألفاظ عنيفة وبغيضة وغير مقبولة نجم وكابتن فريق كرة القدم الفرنسي كليان مابيه Kylian Mbappé الذي رفض مصافحة كابتن فريق بلدها الخشن بالقول انه كاميروني من بقايا الاستعمار ، يحاول بكل جهده ان يصبح فرنسيا من الأغنياء الجدد، حاقدا، متعجرفا وقبيح، كان متوترا وخائفا جدا في اللعب هو وفريقه، هذا الغبي الذي لم يحاول حتى تعّلم الكتابة، وبدلا من ان يرضع حليب الأم رضع حليب جوز الهند ) تقصد مثل القرود ( ، والأشخاص الأكثر ثقافة الذين استمع اليهم هم الشمبانزي، ليرد عليها اللاعب بالقول : سيدة سيليسني أماريا ، انت امرأة حقيرة وغير جديرة بمنصبك. وقد تحول هذا المشهد العنصري الذي يذّكر اوربا بأظلم ايامها ابان الحكم النازي والعنصرية التي اظهرها النظام ضد الوفود المشاركة التي اعتبرت اقل مستوى من العرق الارياني النقي ، تحول الى حادث دبلوماسي واسع اذ ادان البرلمان الباراغواي اقوال نائبته المشينة وحالا ادانت الحكومة الفرنسية رئيسا وحكومة على لسان وزير الخارجية جان نويل بارو اقوال النائبة وعبروا عن دعمهم لكابتن الفريق الذي يمثل قيم الجمهورية في الاستحقاق والمساواة، كما قام الاتحاد الفرنسي لكرة القدم الذي ادان بشدة هذه التصريحات برفع شكوى ضد السيناتور وفتحت الجهات المختصة تحقيقا عن شكوى حول شتائم علنية وتحريض على الحقد بسبب الأصل والعرق. وقال زعيم حزب فرنسا الابية ان فرنسا لا يمكنها ان تقبل بنظام يسمح لمثل هذا الكلام ونحن نناضل اليوم ضد اليمين المتطرف وليس هناك أي فرق بين رئيسة التجمع الوطني مارين لوبن التي رشحت للانتخابات الرئاسية المقبلة والمرشح الثاني جوردان بارديلا.
وفي فرنسا سُمع مثل هذا الكلام العنصري المهين مرات عديدة منذ عقود من هذا اليمين عن الفريق الفرنسي المتهم بان غالبيته تتشكل من فرنسيين شباب من أصول افريقية او عربية وسمعت العبارات العنصرية نفسها قبل أشهر عقب الانتخابات البلدية بعد فوز مرشحي حزب فرنسا الابية مثل عمدة مدينة سان دني بالي باكايوكو Bally Bagayoko والنائب علي ديورا Aly Dioura وأيضا النائبة ناديج ابومنغولي Nadége Abomangoli التي اختيرت ولأول مرة نائبة رئيسة الجمعية الوطنية.
جاء أداء لأمين يمال الفروسي والإنساني الناضج، وهو البالغ تسعة عشر عاما فقط ازاء ليونيل ميسي 39 عاما، نجم الكرة العالمي لفريق الارجنتين الذي لعب آخر مباراة له في هذه البطولة وخسرها امام الفريق الاسباني، ليتفوق وبجدارة أيضا وبضربة مباشرة نقلتها فيما بعد شاشات القنوات التلفزيونية حول العالم واحتفى بها رواد وسائل التواصل الاجتماعي في ارجاء المعمورة وبعض فرق الكرة المشاركة في المونديال، اذ ان ما قام به هو رد عفوي وصادق على الخطاب العنصري الغربي سواء المعلن منه خلال كأس العالم او الذي يمور تحت الرماد تؤججه حسب الحاجة أحزاب اليمين المتطرف الفاشية والنازية وشخصياتها المؤدلجة بالأفكار الفوقية الحاقدة المتشبثة بماض متخيل وبنظريات عرقية عنصرية اكل عليها الدهر وشرب وبالأخص التي تخدم مشاريع الهيمنة الكبرى والفساد.
في لحظة الاعلان الرسمي للفوز بكأس العالم والاحتفال به بحضور رئيس البلد المضيف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي أراد الاستحواذ على الصورة النهائية لأغراض الدعاية الانتخابية، لم يذهب لأمين يمال مباشرة الى المنصة التي تنتظر فريقه للتتويج بل توجه نحو اسطورة حياته ليونيل ميسي قائلا لزميله الذي رأى ابتعاده عن الفريق: انتظروني. لكن لماذا يتوجه لاعب لمع نجمه بقوة وبهذه اللحظة التي لن يخطر ببال لاعب في موقف يمال بتركها والتوجه الى كابتن فريق الخصم ليواسيه، فعلها لأمين اللاعب الانسان، المخلص، ذهب ليعانق مثله الذي رافقه طيلة سنوات عمره القصير، الجالس على الأرض حزينا تكاد الدموع تطفر من عينيه، وقف امامه ساكنا محني الرأس ، يشاركه حزنه بعفوية وبصدق الحب الذي يكنه له ، وبفضله احب الكرة وأصبح يحلم بان يكون ميسي ثان، نهض ميسي من جلسته وتعانق البطلان عناقا مؤثرا همس فيه لأمين كلمات قوية جدا ، كلمات يقولها الرجال والفرسان لا غير، انت من كان يستحق ان يفوز، انت الفائز واللاعب الأفضل في التاريخ حتى لو لم تفز بلعبة اليوم ، وبقي الاثنان متعانقان حول هذه الكلمات التي ربما ان ميسي لم يتوقعها ولم يتخيل ان هذا الشاب الصغير سيقولها له، بل لقد أثرت هذه الكلمات أكثر بموقفه وخففت كما يبدو عنه خسارة آخر لعبة في مسيرته وفي نهائي المونديال وهو ليس بالأمر السهل على لاعب مثله، كانت هذه الكلمات مؤثرة في مشاعر ميسي لدرجة انه اخذ بكلتا يديه وجه لأمين يمال كما يفعل الآباء مع أبنائهم وقال له لا تتغير ابقى كما انت، انت ظاهرة لها مستقبلها وان الدور اليوم هو عليك وان الشعلة ستستمر معك، أبدى ميسي شعور بالرضا وبالاطمئنان لان لأمين هو من سيحل محله، واوصاه كما يقول المقربين بفريق برشلونه الذي بدأ ميسي بداياته ومسيرته وصعوده فيه. ان يقول ميسي لأمين يمال أبقى كما انت لا تتغير، هي أيضا جملة ورسالة صادقة لخلفه اجابت على صدق مشاعر اللاعب الشاب الاسباني من أصل كاميروني، لان ميسي يعرف عالم كرة القدم ويعرف جيدا عالم الفيفا المعقد وارتباطاته الدولية وخضوعه لعلاقات القوة والمال الدولية، عالم يتناقض بالكامل مع فروسية لأمين يمال ورجولة تصرفاته التي أدهشت ميسي وانحنى لها كثير من اللاعبين والفرق الكروية المشاركة وملايين المتابعين حول العالم، لم تهمهم لون بشرة لأمين يمال ولا أصله الكاميروني، بل كرسته هذه الدورة العالمية نجما لأنه احد ألمع اللاعبين الشباب الجدد وامامه مستقبل شقه اليوم في أهم حدث رياضي هو البطولة العالمية لكرة القدم.
المدهش في المشهد الأخير للبطلين هو ما قاله لأمين يمال لميسي خسرت ام ربحت في هذه اللعبة فأنت تبقى أفضل لاعب في كل تاريخ كرة القدم. ان كلام لأمين يمال هو كلام صحيح جدا فيه من النضج والايمان والحكمة العفوية التي تربى عليها في عائلته الافريقية المسلمة ما سيسجله التاريخ لكليهما. مثل هذه الاحداث التي تعبر بها الدورات العالمية مثل كرة القدم، تسجلها كتب التاريخ وتمتلئ الموسوعات بأحداث ما حصل مثلا في أولمبياد عام 1936 في برلين حيث اتخذ القرار بان يقوم هتلر بمصافحة جميع اللاعبين المشاركين في الدورة او لا يصافح أيا منهم لأسباب عرقية ليكون الحل في النهاية هو ان لا يصافح هتلر أي لاعب وهذا القرار العنصري هو أقل سوءا من الكلام العنصري للسيناتور الباراغوية سليستي آماريا واصدقائها في أحزاب اليمين المتطرف الفاشي الغربي الذين يتفاخرون بمثل هذه التصريحات ويعتبروها من أدوات الحرب التي يخوضها ضد المواطنين المجنسين من أصول مسلمة عربية وافريقية ، وما حدث مع العداء الأمريكي JESSE OWENS بطل نفس هذه الاولمبياد
في برلين الحاصل على أربع ميداليات ذهبية والذي عاد الى الولايات المتحدة ولم يستقبله الرئيس فرانكلين روزفلت خوفا من خسارته في الانتخابات لأصوات ناخبي الجنوب الأمريكي العنصري انئذاك.
سيتذكر العالم والتاريخ أسم لأمين يمال ودرسه الأخلاقي، موقفه الفروسي وتضامنه مع الفريق الخصم، سيتذكر العالم ان لأمين يمال كان لاعبا ذوو بشرة سوداء وقلب أبيض صاف، شاب وفي وصادق في مشاعره، لم ينسى رغم صعوبات حياة عائلته الكادحة البسيطة التي عانت في تربيته وتربية اخوانه، اسم ميسي الذي اختاره القدر ليأخذ معه صورة وهو ما يزال رضيعا بفضل احدى الجمعيات الخيرية. لقد ربته والدته وعائلته ليكون رجلا وكبر ليصبح لاعبا يمثل امامه نجم الارجنتين واللاعب الأفضل في تاريخ كرة القدم ليونيل ميسي ليستلم منه شعلة رياضة كرة القدم مع فريق برشلونة.
23/7/2026

689 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع