من برسبوليس إلى التشييع الضخم ... حين تعجز الاستعراضات عن إنقاذ الأنظمة

نزار جاف

من برسبوليس إلى التشييع الضخم... حين تعجز الاستعراضات عن إنقاذ الأنظمة

في أكتوبر (تشرين الأول) 1971، وقف شاه إيران محمد رضا بهلوي بين أطلال برسبوليس محتفلا بمرور 2500 عام على قيام الإمبراطورية الفارسية ولم يكن ذلك الاحتفال مناسبة تاريخية فحسب، بل رسالة سياسية أراد من خلالها أن يقدم نفسه وريثا للمجد الفارسي، وأن يقنع الداخل والخارج بأن نظامه بلغ ذروة القوة والاستقرار، وقد سخرت إمكانات هائلة لإنجاح ذلك الحدث، حتى بدا وكأن العرش الملكي تجاوز كل الأخطار.

لكن السنوات اللاحقة أثبتت أن الصورة شيء والواقع شيء آخر. فخلف الأضواء والاستعراضات كانت الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية تتراكم، فيما كان الغضب الشعبي يتسع بصمت، إلى أن جاءت ثورة عام 1979 لتطيح بنظام اعتقد أن المظاهر الاحتفالية قادرة على ترسيخ شرعيته.
وبعد أكثر من خمسة عقود، يجد نظام ولاية الفقيه نفسه أمام مشهد يستدعي تلك المقارنة. فالتشييع الضخم الذي أقيم لعلي خامنئي لم يكن مجرد مراسم لتوديع قائد، بل حمل أبعادا سياسية واضحة، إذ سعت السلطة إلى إظهار تماسك مؤسساتها والتأكيد أن انتقال القيادة لن يؤثر في استقرار النظام أو قدرته على إحكام السيطرة.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل عكست تلك الحشود قوة حقيقية، أم أنها كانت محاولة لإخفاء حجم القلق الذي يعيشه النظام في مرحلة تعد من أكثر مراحله حساسية؟ فالأنظمة الواثقة من شرعيتها لا تحتاج عادة إلى الإفراط في استعراض قوتها، أما حين تتحول كل مناسبة إلى عرض سياسي واسع، فإن ذلك قد يعكس محاولة لتعويض أزمة داخلية أكثر مما يعكس اطمئنانا إلى المستقبل.
لكن خلف مشهد الاستعراض الضخم الذي أراد النظام إظهاره خلال مراسم التشييع، كانت هناك صورة أخرى تعكس واقعا مختلفا؛ إذ صعدت وحدات المقاومة من نشاطاتها بالتزامن مع تلك المراسم، ونفذت خلال الأسبوع الذي رافق عملية التشييع ما بين 30 و35 عملية يوميا، رغم حالة الاستنفار الأمني والإجراءات المشددة التي فرضها النظام، وإن حدوث مثل هذا النشاط في ظل ظروف أمنية استثنائية يكشف أن مظاهر القوة والهيبة التي يسعى النظام إلى إبرازها لا تعني بالضرورة امتلاكه القدرة على إحكام السيطرة، بل تشير إلى وجود تصدعات عميقة في بنيته الأمنية والسياسية.
وفي هذا السياق، يمکن النظر إلى أوجه تشابه بين احتفال الشاه بمرور 2500 عام على تأسيس الإمبراطورية الفارسية، وبين التشييع الضخم لخامنئي. فكما لم تمنع الاحتفالات الباذخة آنذاك بروز عمليات مضادة قامت بها مجاهدي خلق وأربكت أجهزة الأمن، فإن نشاط وحدات المقاومة خلال فترة التشييع ولاسيما ترديد شعارات في مشهد ذاتها، حمل رسالة مماثلة مفادها أن الاستعراضات السياسية لا تستطيع حجب واقع الاحتقان الداخلي.
وفي خضم هذه الصورة، تبدو محاولات إنقاذ النظام عبر الرهان على أحد خيارين تقليديين، أي الحرب أو المفاوضات، عاجزة عن تقديم حل حقيقي للأزمة. فالحرب، بما تحمله من تداعيات إقليمية وإنسانية، لا يمكن أن تكون بديلا عن إرادة الشعب الإيراني في التغيير، كما أن المفاوضات مع نظام أثبت طوال عقود أنه يستخدم الحوار كوسيلة لكسب الوقت وتخفيف الضغوط، لم تتمكن من معالجة جوهر المشكلة المتمثل في طبيعة هذا النظام وبنيته السياسية.
ومن هنا يبرز ما تطرحه السيدة مريم رجوي من خيار ثالث، يقوم على دعم نضال الشعب الإيراني من أجل التغيير، والاعتماد على قوى المقاومة الداخلية باعتبارها الطريق نحو انتقال سياسي يضع حدا لحالة الاستبداد والأزمات المتواصلة. فهذا الخيار لا يقوم على فرض حلول من الخارج، بل على تمكين الإيرانيين أنفسهم من تقرير مستقبلهم، بعيدا عن منطق الحرب من جهة، ومنح النظام فرصا جديدة للمماطلة من جهة أخرى.
إن المقارنة بين احتفال برسبوليس عام 1971 والتشييع الضخم لعلي خامنئي لا تعني أن التاريخ يعيد نفسه بحذافيره، بل تشير إلى أن الأنظمة، مهما اختلفت أيديولوجياتها، قد تقع في الخطأ ذاته عندما تراهن على المراسم الضخمة لتعويض تراجع الشرعية أو احتواء الأزمات المتراكمة.
لقد حاول الشاه الاحتماء بأمجاد الإمبراطورية الفارسية، ويحاول النظام الديني اليوم الاحتماء برمزية التشييع واستعراض التماسك. غير أن التجربة الإيرانية توحي بأن الشعوب لا تقيس قوة الأنظمة بحجم الاحتفالات ولا بطول مواكب التشييع، بل بقدرتها على تحقيق الحرية والعدالة والكرامة. ولعل الدرس الأبرز هو أن السلطة، عندما تنشغل بصناعة الصورة أكثر من معالجة الواقع، تكون قد دخلت مرحلة التآكل، وعندها لا تعود الاستعراضات، مهما بلغت ضخامتها، قادرة على تغيير مسار التاريخ.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

862 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع