
بقلم الدكتور هاني الحديثي
الولايات المتحدة واعادة رسم المنطقة العربية
منذ اشتعال الموقف عسكريا بين الولايات المتحدة وايران وعلى امتداد الأربعة اشهر الفائتة والمهتمين يتسائلون :إلى أين ؟
هنا لابد اولا من تثبيت حقائق موضوعية
اولا :لم يشهد النظام الايراني بعد تولي الخميني السلطة الفعلية عام 1978/1979 مايشير إلى صراع جوهري مع الولايات المتحدة عدا شعارات الشيطان الأصغر والشيطان الأكبر الإعلامية .
ثانيا :ان الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا لها الفضل الأكبر في دعم انهيار نظام شاه ايران وتكبيل الجيش الايراني عن مقاومة ثورة الشعوب الايرانيةًثم اعادة خميني لايران ومنع حليف امريكا السابق شاه ايران حتى من تلقي العلاج في مشافي الولايات المتحدة احتراما لرغبة الخميني .
ثالثا :دعمت الولايات المتحدة فرص نشوب الحرب الإيرانية مع العراق وشاركتها إسرائيل في تزويد ايران بالأسلحة طيلة فترة الحرب (ايران غيت و ايران كونترا)وفضيحة نكسون فيها .
رابعا : استثمار ايران والولايات المتحدة وحلفاؤها للخطأ الاستراتيجي بالغزو العراقي للكويت لاضعاف العراق وتدمير قدراته لصالح ايران ثم احتلاله وتقديمه على طبق من ذهب ،وبذلك شرعت الأبواب امام ايران لاكتساح المشرق العربي وصولا الى سواحل البحرين المتوسط والأحمر .
اين حصل تصادم الإرادات ؟؟؟
استطاعت ايران لاحقا من التقدم حتى الإعلان عن السيطرة على أربعة عواصم عربية كبرى تشكل القيمة الجوهرية للعالم العربي وهو الأمر الذي شكل استراتيجيا إحاطة بعموم المساحات المحيطة باسرائيل.
هنا بدأ صراع المشاريع الاقليمية بعد ان تاكد لاسرائيل و الولايات المتحدة ان مشروع ايران لإقامة نظام ولاية الفقية يصطدم بشكل استراتيجي مع مشروع إسرائيل الكبرى او المشروع الشرق أوسطي الذي تسعى له كل من الإدارتين الاسرائيلية و الأمريكية .
في هذه المرحلة تحول التخادم الاستراتيجي الإيراني -الإسرائيلي إلى مرحلة مختلفة .
السؤال :هل ان هذا التحول سيؤدي إلى صراع مستمر حتى يذعن احد الأطراف ؟
الجواب نعم خلال هذه المرحلة التي تتسم بما ياتي :
اولا:العناد الايراني المعتاد في المواجهات مع القوى الخارجية وهذا الامر بتقديري فشلت ادارة ترامب والكيان الاسرائيلي باستيعابه او ادراكه والاستفادة منه كأحد دروس الحرب العراقية -الإيرانية ،وهو الأمر الذي قاد لطرح نظرية الصبر الاستراتيجي لدى ايران في المواجهة الأخيرة .
ثانيا :الموقف الدبلوماسي الذي تلعبه ايران بحذاقة وذكاء في مواجهة الجبروت الأمريكي المستند على منطق استخدام القوة في العلاقات الدولية .
البعض يعتقد ان مذكرة التفاهم التي عقدت في سويسرا بين أطراف الصراع تخترق من قبل قوى متطرفة لدى الحرس الثوري التي لاترغب بهذه الاتفاقية وتسعى لإفشالها عبر الاعتداءات المستمرة على بلدان الخليج والأردن وغيرها ضمن مسار مختلف عن استراتيجية الحوار و المفاوضات . هنا نؤكد ومن منطق المتابعات الميدانية العميقة للسلوك السياسي الإيراني منذ الحرب العراقية -الإيرانية ، وليس مجرد المراقب للموقف . ان هذا التصور غير دقيق تماما انما هي عملية توزيع ادوار بين الأطراف الإيرانية وان كان غير متناسقا لاعتبارات عديدة ،ولكنها تؤدي إلى مقصد واحد بأوجه متعددة بالنسبة لايران :
فهو يطيل زمن الحوار بين الأطراف خارج نطاق ال 60 يوما المشار لها في مذكرة التفاهم الموقعة بينهما وربما يوسع المساحة الزمنية الى عدة أضعاف من الأشهر على غرار ماحصل مع ادارة اوباما وبانتظار انتهاء فترة ترامب او التخلص منه بطريقة او بأخرى .
هنا ستكون ايران قد تقدمت خطوات اخرى نحو تكريس نفوذها ليس في مضيق هرمز الذي تعتبره ممرا ملاحيا داخليا ولايخضع للقانون الدولي او اتفاقية البحار للعام 1982 التي لم توقع ايران عليها أصلا ،انما نحو مساحات اخرى على ساحل الخليج الشرقي الذي هو بالنسبة لها خليجا فارسيا بضفتيه ولذلك نراها بدات بالتعامل مع بلدان الخليج بشكل منفرد و بمنهج فوقي حيث تستخدم القوة في استهداف جميع بلدان الخليج الساحلية بذات الوقت الذي تحاور عمان وقطر للقيام بدور الوسيط مع الولايات المتحدة رغم ان الوسيط الرئيس باكستان ماتزال على الخط .فاي خبث تتصف به الدبلوماسية الإيرانية ؟
بذات الوقت تبدأ ايران تحريك الذراع الاخر الاحتياط المضموم وهو الحوثي وجماعته لتهديد الامن السعودي وهم جميعا يعلمون تداعيات ذلك على الامن الاقتصادي ليس فقط على السعودية و بلدان الخليج ، انما ايضا على باب المندب والملاحة في البحر الاحمر وعموم الملاحة الدولية وتداعياتها على الاقتصاد العالمي وازمة الطاقة .
في ضوء ماتقدم ماهو الممكن او المتوقع في اعادة رسم الخرائط شرق أوسطيا ؟؟؟
في ضل توقع استمرار الحال القائم دون حسم لاحد أطراف الصراع والناتج عن إرادة إدامة الصبر الاستراتيجي لدى ايران ،والإصرار الأمريكي على حسم الصراع في الشرق الأوسط لصالح تفردها بالسيطرة الاقتصادية ،فان التوقعات تختلف ولكن من وجهة نظري ارى ان سيناريو التوافق مستقبلا هو الأرجح عندي من سيناريو كسر احد الأضلاع .
ولكن السؤال ماهي الحدود المتوقعة لسيناريو التوافق ؟
منطقة الخليج العربي يمكن ان تشهد توافقات على الإدارة المشتركة للملاحة الدولية تكون فيها الولايات المتحدة موجودة لضمان مصالحها ولتؤكد عدم استعدادها للتراجع امام مطالب ايران لما لذلك من تداعيات سلبية على هيمنتها الدولية ،هنا لابد ان ناخذ بنظر الاعتبار الموقف المتراخي لبلدان الخليج وأخص منها بالذكر سلطنة عمان فضلا عن قطر حيث تبادران للتواصل مع ايران وتبذلان جهود عالية للوساطة لها عند الإدارة الأمريكية رغم تعرضهما المستمر للاعتداءات الإيرانية ، مما يعزز من قوة الفعل الإيراني على مجمل بلدان الخليج ويبرر للإدارة الأمريكية التدخل في المضيق لصالح فرض رسوم لصالح الاقتصاد الأمريكي مقابل سلامة سلاسل الملاحة في مضيق هرمز والخليج .
بلدان المشرق العربي (العراق و سوريا )تشهد مساع حثيثة لتشكيل مشروع جيوسياسي يضمهما الى جانب تركيا بقصد الهيمنة على مصادر النفط والغاز وطرق تصديره عبر العراق نحو سوريا وتركيا كبديل موازي للمرات الاستراتيجية في الخليج العربي و قناة السويس ، وهو يبدو مهما في ضوء المبادرات الساعية لرسم خرائط جيوسياسية جديدة لبلدان المشرق العربي .
لكن السؤال هنا ماهو موقف ايران اتجاه الساحة العراقية ؟
الإجابة معقدة لكننا في زمن المقايضات الاقتصادية و التجارية التي قد تنتهي بإعادة تدوير مناطق النفوذ في عموم بلدان المشرق العربي ليكون العراق ضمن هذه المقايضات او مؤديا اليها لتشمل لبنان والأردن وبلدان الخليج ومصر فضلا عن قضية فلسطين و باب المندب ، فأن المقايضات الاقليمية تصبح امرا واردا جدا .
بعبارة اخرى فان وحدة العراق السيادية بحد ذاتها معرضة للتهشيم والتوزيع ومما يشجع عليها ويحفزها بقوة طبيعة العقليات التي هيمنت على السلطة السياسية في العراق والتي بدات الترويج لمفاهيم الاغلبية والأقلية والمحاصصة والتهميش والتهشيم حتى صار اعادة توزيع العراق مطلبا داخليا يتم التصريح عنه صراحة .

1045 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع