
أحمد الحاج جود الخير

الصحافة الإنسانية في خدمة العمل الخيري التطوعي
بعيدا عن التعريفات اللغوية والاصطلاحية،فإن الصحافة الإنسانية وبأبسط تعريف لها هي تلك الصحافة الهادفة بأقسامها وفروعها المختلفة التي ترصد حالات إنسانية محددة لتنطلق منها وصولا الى عين الظاهرة..الى لب الكارثة ..الى عمق المأساة،التي ترزح تحت نيرها وتنوء بوطأتها شريحة كبيرة مماثلة مهمشة ومغيبة تعاني الأمرين صحيا،نفسيا،اجتماعيا،ماديا، دراسيا ،خدميا ..الخ ،لتمثل الحالة الإنسانية المرصودة والمنتخبة بهذا التوصيف جرما صغيرا من كلٍ عبارة عن فضاء واسع بحاجة الى تدخل لحل مأساته على وجه السرعة، والى تشريعات فاعلة وقوانين نافذة لحلحلة فاجعته على الفور، مع الأخذ بنظر الاعتبار بأن هدف الصحافة الإنسانية النبيل والأسمى هو ليس إثارة المشاعر لأغراض الندب والنعي والتأبين والبكاء والعويل ،ولا بهدف ركوب الترندات ، ولا لإشغال الرأي العام برهة من الزمن وصرف أنظاره عن مشاكل أعقد وأكثر إلحاحا لحين هدوء العاصفة،ولا لإثارة النعرات الطائفية والقومية والمناطقية ،ولا لأغراض التشهير والتسقيط السياسي أو كجزء من الدعايات الانتخابية ،الهدف النبيل والأسمى هو إنقاذ شريحة كاملة من خلال تناول عينة وأنموذج وقصة إنسانية مصغرة لأحدها، لأن هناك من الصحفيين الإنسانيين من يركز على الدموع أكثر من تركيزه على الموجوع،وهناك من يركز على الفرد محور القصة الإنسانية بدلا من تركيزه على المجموع،وهناك من يدور في فلك التطبيل والتزمير لثلة من المتبرعين أكثر من دورانه حول معاناة ومأساة المعدم الملتاع والمخدوع الذي ظن واهما بأنه هو الغاية من التقرير ،وإذا به يكتشف بأنه مجرد وسيلة للوصول الى جيوب المحسنين أو الى الشهرة من خلاله ، ومن ثم لا صورة مرئية تلخص مأساته، ولا قرارات حاسمة تربت كتفه وتكفكف دموعه،ولا مطالبات بحقه،ولا صوت في أروقة المحاكم لأجله مرفوع .
وهناك من ينتحل صفة الضحية ، أو يختلق قصصا إنسانية،أو يفبركها،أو يضخمها ولاسيما عبر المنصات الرقمية للحصول على شهرة دولية أو محلية وبعض المنافع المادية ،ومنهم من يسلط الأضواء الكاشفة على كارثة إنسانية في بلد ما من منطلقات سياسية بحتة لتحريض جماهيره وتأليبهم على النظام، مع أن بلده وعلى بعد أمتار من مبنى وكالته الإخبارية أو قناته الفضائية أو صحيفته اليومية ، يعاني من ذات الكارثة وربما أشد وأنكى والأقربون أولى بالتقارير الإعلامية وبالمعروف ، ومنهم من يحوم حول قصص إنسانية في محافظة فيما يغض الطرف عن أشباهها ونظائرها في محافظات أخرى ، فقصص ضحايا وبقايا الناجين من غاز الاعصاب والسارين الذي استهدف غوطة دمشق الغربية والشرقية عام 2013 بشهادة منظمة حظر الأسلحة الكيميائية الدولية ، لا تختلف عن قصص ضحايا فسفور الكيان الأبيض والعنقودي المحرم عالميا في كل من غزة ولبنان بشهادة منظمة العفو الدولية، ولا عن قصص ضحايا غاز الخردل في حلبجة بين 16 –17/ آذار / 1988،ولا عن قصص ضحايا اليورانيوم المنضب الامريكي في كل من البصرة والانبار2003 – 2004 وما تزال الأجنة المشوهة والاصابات السرطانية بتأثيرها كلها تترا حتى اللحظة،ومن الصحفيين الإنسانيين من يتخير قصصه قوميا أو عرقيا أو طائفيا أو مناطقيا أو قبليا ، وكأن بقية القصص المناظرة وبعضها أكثر بشاعة لا قيمة لها إعلاميا ولا موضوعيا وبالتالي فهي ليست بحاجة الى تسليط الضوء من وجهة نظره اللا إنسانية المحدودة والقاصرة !
وعلى فرسان الصحافة الإنسانية التحلي بالموضوعية والمهنية أولا ، ومن ثم التطرق الى الأرقام والاحصاءات ذات الشأن ثانيا وادراجها ضمنيا إما في مقدمة المقال أو العمود أو الحوار أو التحقيق الصحفي أو التقرير التلفزيوني ،وإما في خلفياتها وخاتمتها، ونصيحتي لكل صحفي يروم التخصص أو الولوج في عوالم الصحافة الإنسانية والكتابة فيها هي أن لا يهمل ذكر بعض الارقام والاحصاءات وإن كانت جامدة في مقدمة ما يطرح أو في خاتمته،أو من خلال إنفوغرافيك توضيحي أنيق ومبهر مرافق للقصة،وأن لا يوثق الحالة الإنسانية كقصة خبرية عاطفية منفردة بمعزل عن محيطها،ولا بعيدا عن بيئتها،إذا فعل ذلك فإنه سيعطي إنطباعا خاطئا للمتلقي ويوهمه بأنها حالة نادرة الحدوث،أو أنها مشكلة خاصة ضيقة الأفق والنطاق،أو أنها معضلة تخص بلدا أو مدينة أو منطقة بعينها دونا عن البقية، مع أنها ظاهرة محلية وإقليمية مؤرقة،بل قل كارثة دولية ضحاياها بعشرات الألوف،إن لم يكن بالملايين تحتم على الجميع السعي الجاد لتقديم المعالجات الناجعة والحلول العاجلة لها وعلى الصعد كافة ،وبما يفسر لنا لماذا يتهافت بعض المسؤولين ورجال المال والأعمال للاتصال على هواتف قناة أو إذاعة أو صحيفة تولت نشر أحدها بهدف تقديم المساعدة العينية والمالية الى ضحية معينة تمثل محور قصة خبرية إنسانية موثقة حازت على التعاطف الجماهيري وركبت الترند،ولكن وبمجرد أن يتبرع أحدهم – بصرف النظر عن نواياه الشخصية وفيما إذا كانت دعاية أو سخاء أو رياء أو تعاطفا أو لتلميع السمعة أو من باب صورني وآني ما أدري – يشعر بأنه قد أنقذ بتبرعه هذا البشرية،مع أنه لم ولن يتبرع لآلاف من الحالات المماثلة التي لم يسلط عليها الإعلام الإنساني الضوء ، إما لأن التبرع للأخرين المتوارين عن الأنظار بعيدا عن العدسات لن يحقق له من الشهرة والسمعة ما يطمع به وما يصبو إليه،وإما لعدم علمه بوجود حالات مماثلة وبالمئات أساسا لأن التقرير ..المقال ..التحقيق الصحفي لم يتطرق الى الأرقام ولا الى الاحصاءات ذات العلاقة بالحالة الإنسانية محور التقرير الصحفي، وإما لأن التقارير الإنسانية الأخرى لم تنجز ولم متنتج ولم تقدم بطريقة مؤثرة ومبهرة من شأنها أن تحدث عصفا ذهنيا ووجدانيا جماعيا يهز الضمائر الحية، ويحرك العقول النيرة ، ويأسر القلوب الرحيمة الطيبة ، قبل استدرار الدموع كتحصيل حاصل وليس كهدف مرجو استباقيا ومأمول، ودعوني تاليا أسوق أمثلة عملية لتوضيح ما قرأتم للفائدة العامة :
– إذا كنت محررا في وكالة أنباء وأردت أن تحرر خبرا عن حالة إنسانية معينة بهدف لفت الأنظار لمد يد العون إليها ، فليكن عنوان الخبر مثيرا ومستفزا في نفس الوقت، ولابد من إرفاق الصور الأصلية وليست المعمولة بالذكاء الاصطناعي لتوثيق الحالة، ولزاما ذكر أرقام وإحصاءات رسمية وشبه رسمية عن الظاهرة ككل في مقدمة الخبر او في خلفيته ، فحين تتطرق الى شابة لنفترض أن اسمها هدى ومن سكنة محافظة البصرة أو أية محافظة أخرى مصابة بمرض تصلب الأعصاب اللويحي المتعدد على سبيل المثال ، فلا يكن عنوانك لركوب الترند هو : “شابة بصرية تعاني من مرض نادر يصيب 12 شخصا بين كل 100 ألف “،فهذا العنوان وإن كان جذابا ومؤثرا ومن شأنه أن يحظى بالتفاعل المطلوب رقميا ،إلا أنه ضعيف وغير فعال إنسانيا لأنه يتطرق الى الحالة بمعزل عن نظيراتها ويتعامل معها فرديا ليشعر الجميع بالارتياح بمجرد ظهور محسن يتكفل بعلاجها، وكأن المرض المستفحل قد اقتلع من جذوره ،واجتث من شأفته ، لينتهي خطره بخلاف الواقع !!
ولأن عنوانا كهذا سيعطي انطباعا مسبقا بأن المرض المناعي الفتاك نادر الحدوث،وبالتالي فإن حالة هدى البصرية هي حالة خاصة تم رصدها عرضا من قبل مندوب أو مراسل الوكالة الإخبارية التي عقدت رئاسة تحريرها العزم على عرض الحالة كجزء من نشرتها اليومية،ولا داعي للخوف من المرض،ولا للقلق بشأنه،مع أن الأمر ليس كذلك بالمرة ،لأن تكاليف علاج المرض باهظة، ولأن فترة علاجه طويلة ومرهقة ،ولأن عقاقيره شحيحة وغير متوفرة،ولأن معدلات الإصابة بالمرض آخذة بالارتفاع في خط بياني متصاعد وبوتيرة مقلقة وبالأخص بين النساء !
عنوان الخبر وإن كان يدور حول قصة إنسانية واحدة ،يجب أن يكون شاملا ليتطرق الى الظاهرة بمجملها وأن لا يُشخصِن من حيث يريد أن يعمم ويُؤنسٍن ، نحو :”أنقذوا ضحايا تصلب الأعصاب اللويحي المتعدد..الشابة هدى البصرية أنموذجا”، لتتناول في خاتمة خبرك الأرقام والإحصاءات عن المرض، أو على لسان متخصص خلال لقاء ضمني معه في متن الخبر،أو على لسان ضحية المرض ذاتها خلال سرد قصتها في سياق الخبر ، هنا سيكون التفاعل الجماهيري مع ضحايا المرض ككل وفي جميع المحافظات ، وليس مع حالة هدى وحدها ، وهو المطلوب واقعا ، وهكذا دواليك عند كتابة المقال،العمود ،التحقيق الصحفي ، إعداد التقرير الإذاعي أو التلفزيوني في هذا الشان وفي ذات السياق .
-صحفيو المواطنة “الأنفلونسر،التيك توكر،البلوغر،الفلوغر، اليوتيوبر”وحين يوثق أحدهم حالة إنسانية لمشرد ما لنفترض بأن اسمه “سالم” ينام تحت مجسر للخط السريع على سبيل المثال، فعليه أن لا يدور حول الحالة الفردية بحثا عن -الطشة- أو لجمع التبرعات فحسب،وإنما عليه أن يدور حول ظاهرة التشرد والعيش فوق الارصفة بكليتها داخل المدن وهو الأهم ،متخذا من مشرد الخط السريع أنموذجا إنسانيا لقصته الخبرية وليكن عنوانك هو: ” مشردو الشوارع والأرصفة يستصرخون الضمائر..وسالم:أنام تحت خط بغداد السريع منذ خمس سنين !”.
-مراسلو القنوات الفضائية وعندما يعمل أحدهم تقريرا مصورا عن طفل لنفترض بأن اسمه “سعد” يتعرض الى التعنيف الأسري والضرب المبرح على يد زوجة الأب ،أو على يد زوج الأم على سبيل المثال،فعليه أن يدخل الى التقرير من باب ظاهرة العنف الأسري،وليس من نافذة الطفل المعنف سعد، لأن الاطفال المعنفين ولا سيما بعد انفصال الأبوين وما يعقبه من مشاكل الحضانة وتعقيداتها في أروقة المحاكم ، هم بالملايين ، ولأن تصوير الحالة وتسويقها جماهيريا على أنها حالة فردية سيدفع الى شخصنتها والتعاطف معها بمعزل عن الظاهرة المقلقة والمستشرية بقوة في أرجاء المجتمع، لينتهي هذا التعاطف الحار ويخفت بمجرد أن يظهر أحد أصحاب القلوب الرحيمة ، أو أحد مدمني الدعايات الإنتخابية الرخيمة، متكفلا بإنقاذ سعد وانتشاله من براثن التعنيف الأسري آخذا بيده الى واحدة من دور الايتام والرعاية الاجتماعية ، ليشعر الجميع ساعتها بالارتياح التام مرددين :”توتة توتة ،وخلصت الحدوتة!!” ليضيف إليها آخرون:” ولو بيتكم قريب كان جبنالكم حمص وزبيب !”مع أن هذه الحدوتة السادية والسوسيولوجية والسيكوباثية القاسية ماضية تنهش بمجتمعاتنا وتفتك بفلذات أكبادنا بلا رحمة وعلى قدم وساق !
وقس على ذلك ما شئت من أمثلة لقصص إنسانية تتناول معاناة مختلف الشرائح المهمشة ،وألوان الأنفس المعذبة، وأشكال الأرواح المحطمة ، وفي صدارتهم “الأطفال اللقطاء= كريمي النسب ، ظاهرة عمالة الأطفال،ظاهرة تسول الأطفال،ظاهرة الصغار وكبار السن المشردين، ظاهرة أطفال اللوكيميا ، ظاهرة النزوح القهري ، ظاهرة التهجير القسري، ظاهرة الأطفال المصابين بمتلازمة اسبرغر أو بمتلازمة داون،ضحايا ظاهرة سرقة الأعضاء البشرية ،ظاهرة بيع الأطفال من قبل ذويهم لعصابات الجريمة المنظمة،ضحايا ظاهرة التقزم وسوء التغذية وفقر الدم الحاد ، ضحايا ظاهرة الادمان الدوائي والكحولي، ضحايا ظواهر النهوة والجلوة والخلوة والثأر والنساء الفصلية ،ضحايا ظاهرة الهجرة غير الشرعية، ظاهرة أطفال جمع القمامة والعلب الفارغة والنفايات، ظاهرة التسرب المدرسي ،ضحايا ظاهرة التنمر، ضحايا ظواهر الانتحار والتحرش والاغتصاب،ضحايا ظاهرة البيدوفيليا والابتزاز الالكتروني ،ضحايا ظاهرة الألغام والمقذوفات غير المنفلقة، ضحايا ظاهرة عقوق الوالدين ، وغيرها كثير من الظواهر السلبية المتفاقمة، والأزمات والآفات المجتمعية المعقدة .
ولعل واحدة من ميزات الدعاة الفاعلين في حقبة الستينات والسبعينات والثمانينات وحتى منتصف التسعينات من القرن الماضي أنهم كانوا يجمعون بين “الاكاديمية والخيرية والدعوية والبحثية والصحفية فضلا عن مهامهم في الإمامة والخطابة والوعظ والإرشاد” ونحوها.
وقلما كنت تجد داعية لم يكن مديرا أو عضوا فاعلا في جمعية خيرية ، أو مؤسسة إغاثية ، معظمها هم من قام باقتراحها وتأسيسها وخدمتها ورعايتها ابتداء واللافت أن العديد منهم كان صحفيا أو رئيس تحرير أو مدير تحرير في واحدة من المجلات والصحف التربوية والثقافية الهادفة اليومية أو الاسبوعية أو الشهرية أو الفصلية أو الدورية المحكمة، وفي حال لم ينخرط في ذلك كله فإنه لن يتوانى عن كتابة المقالات والأعمدة الصحفية المتتابعة التي تخدم القضايا التعليمية والتربوية والمجتمعية الملحة وبشكل دائم فيها، ويبدو بأن العديد من كتابنا وأدبائنا وصحفيينا ممن ندبوا أنفسهم للصحافة الإنسانية وانخرطوا فيها ،قد تأثروا بهذا التوجه الطيب السالف فأطلقوا العنان لأقلامهم ولاقطاتهم وكاميراتهم وهواتفهم النقالة لتوثيق كل ما من شأنه تشجيع الناس على الاسهام في دعم الأعمال الخيرية التطوعية المختلفة بكل ما بوسعه فعله ، فمنهم من تناول قصص الأميين والنازحين والعاطلين والمتقاعدين والمشردين والمعنفين والمعاقين والأيتام والارامل والمساكين ، ومنهم ركز في غالب قصصه الإنسانية على معاناة مرضى الثلاسيميا أو فقر دم البحر الأبيض المتوسط ، وهو واحد من الأمراض الوراثية التي ليس لها علاج شاف سوى بعملية زرع نخاع تكلف الآف الدولارات ،وبما لا يتسنى ذلك لعوائلهم المتعففة و ذات الدخل المحدود، وقد ابتلي المئات من فلذات أكبادنا بهذا المرض الوراثي الذي ينتشر بالدرجة الاساس بين العوائل التي تتجاهل أو تستخف وربما تتحايل على فحص المقبلين على الزواج لتلافي انتقال الأمراض الوراثية كفقر الدم المنجلي والثلاسيميا، أسوة بالأمراض المعدية كالتهاب الكبد الفايروسي والإيدز .
فمعاناة أطفال الثلاسيميا تتمثل بعدم القدرة على توفير أكياس الدم اللازمة التي يحتاجونها كل 3- 4 اسابيع مدى الحياة، اضافة الى حقن الديسفرال ،وحبوب الفوليك أسيد،ولاسيما وأن أسعارها في الصيدليات تفوق قدرة وتحمل أولياء الأمور.
ومن الصحفيين الإنسانيين من ركز في مقالاته وتقاريره المتلفزة على معاناة ضحايا مرض ضمور العضلات الشوكي ،ومثله مرض تصلب الأعصاب اللويحي
فمما يؤسف عليه حقا أن مرض ضمورالعضلات الشوكي يفتك بالمئات من أطفالنا من دون علاج يذكر ما عدا حقنة “Zolgensma “الأغلى ثمنا في العالم والتي يبلغ سعر الحقنة الواحدة منها 2.1 مليون دولار، بخلاف ذلك يتم تأهيل المصابين به ومساعدتهم نفسيا ودعمهم معنويا ورعايتهم صحيا حتى يتمكن المرض منهم أخيرا ليفارقوا الحياة بصمت .
وأما بشأن مرضى التصلب اللويحي فهؤلاء بحاجة ماسة الى أنواع متعددة من العلاجات باهظة الكلفة إضافة الى شحها أو اختفائها من الصيدليات، وأبرزها حقنة البيتافيرون betafoeron بين يوم وآخر، كذلك الحال مع حقنة ثانية تعطى كل يومين يطلق عليها rebif زيادة على حقنة avonex مرة واحدة أسبوعيا،ناهيك عن حقنة tysabari التي تعطى مرة واحدة شهريا، علما بأن تكاليف العلاجات الباهظة أو شحها وطول أمد العلاج ، وتكرار ما يعرف بالانتكاسات المرضية لضحاياه بين فترة وأخرى غالبا ما تنتهي بإحجام بعض المرضى عن تعاطي عدد من الأدوية الموصوفة لهم ، إما جزعا، وإما لضيق ذات اليد مايفاقم حالاتهم الصحية والنفسية وبما قد ينتهي بالعوق الجزئي أو الكلي لبعض الحالات .
ولابد من تدخل الجهات الحكومية وشبه الحكومية كذلك المنظمات الصحية والانسانية لتوفير العلاجات لضحايا هذه الأمراض إما مجانا أو بأسعار رمزية لتخفيف معاناتهم،ورفع معنوياتهم .
ومن خلال متابعتي لمعاناة شريحة الصم والبكم والمكفوفين عن كثب فقد اقترحت مشروعا إنسانيا يحمل اسم ( أسمع وأرى ) أو (اشارة ونور) وذلك بعيد كشف منظمة الصحة العالمية في تقريرها السنوي لعام 2019 م عن وجود ما لا يقل عن (2.2 مليار) شخص حول العالم مصاب بحالات ضعف البصر أو العمى ، فيما رجح باحثون في دورية (لانسيت غلوبال هيلث) ارتفاع حالات العمى التام من (36) مليون شخص إلى (115) مليونا بحلول عام 2050 ، وأما ما يتعلق بالصمم ،فبدورها كشفت دورية (BMJ Global Health) بأن ما يقرب من مليار شخص مهدد بالإصابة بالصمم، يعيش 80% منهم في البلدان النامية بحسب إحصاءات الاتحاد العالمي للصم .
ومعظم الصم أسوة بالبكم والمكفوفين، يعانون من التهميش و الإقصاء والإهمال والتنمر،ولاسيما في بلداننا الشرق أوسطية،والأهم هو أن الشرائح المذكورة تعاني من أمية شبه تامة بـ (لغة برايل ) من جهة،وبـ (لغة الاشارة ) العالمية من جهة أخرى،حيث تعتمد شريحة المكفوفين على التعلم ” السماعي ” أو” التلقيني” منذ الصغر ولا تجيد القراءة بلغة برايل الأمر الذي حرمها من متابعة شتى فروع العلوم والمعارف،لا يختلف الحال في ذلك بين “الأكمه” الذي ولد فاقدا للبصر ،أو”الضرير”الذي أصيب بالعمى منذ نعومة أظافره لاحقا بمرض طارئ أو بحادث ما، فيما يكتفي كثير من “الصم والبكم” بتعلم “لغة الإشارة”المحلية الدارجة ، ونظيرتها الشعبية المتداولة ، والتي لا تصلح وبأي حال من الأحوال للتحدث بها مع أقرانهم ونظرائهم خارج حدود البلد .
وأما الأمم المتحدة وتحت شعار ” لغة الاشارة توحدنا” فقد كشفت مؤخرا عن وجود 70 مليون أصم في كل أنحاء العالم بحسب إحصاءات الاتحاد العالمي للصم، يعيش 80% من أولئك الصم في البلدان النامية، ويستخدمون أكثر من 300 لغة إشارة .
وخلال الاحتفال باليوم الدولي للغات الإشارة،عام 2023م سلطت الامم المتحدة الضوء على أهمية الوحدة التي تولدها لغات الإشارة وتعزيز الاعتراف بلغات الإشارة الوطنية كجزء من المنظومة اللغوية النابضة بالحياة والمتنوعة في بلدانهم بما ذلك التعليم الجيد بلغة الإشارة.
وسبق لي وأن اقترحت على أوقاف الدول العربية والإسلامية،وأعيد هذا المقترح الإنساني المهم هاهنا،بوضع شاشات كبيرة في المساجد المركزية يظهر من خلالها أحد خبراء لغة الإشارة وهو يشرح للصم والبكم خطبة الجمعة فوريا وبلغتهم التي يفهمونها مع تسجيل المقطع كاملا وبثه على كروبات ومنصات ومواقع الصم والبكم الرقمية فور انتهاء خطبة الجمعة للفائدة العامة لمن فاته حضور الصلاة لعذر شرعي أو شخصي ، وحتى لمن فاتته الجمعة تكاسلا أو تقاعسا أو من دون عذر أصلا ،وكلما كانت الخطبة أبلغ وأجمل وأشمل، وبترجمة فورية رصينة ومفهومة لهم،كلما تقاطر الصم والبكم لحضورها مستقبلا في الجوامع الكبيرة !

690 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع