
سعد عبد المجيد ابراهيم
التاروت (Tarot) بين التاريخ والأسطورة وعلم النفس
في سياق بحثي الأخير حول ظاهرة التنجيم وقراءة الطالع، وكعادتي في استكشاف أي موضوع قبل الكتابة عنه، بدأت بجمع ما تيسر من المصادر والمعلومات. وخلال هذه الرحلة البحثية استوقفني مصطلح يتردد كثيراً في عالم العرافة والتنبؤ، وهو “التاروت” (Tarot). ولأنني لم أكن قريباً من هذا العالم من قبل، بدا لي هذا المصطلح جديداً، فتساءلت عن أصله وحقيقته، وكيف تحول إلى إحدى أشهر وسائل قراءة الطالع في العالم.ومن هنا انطلقت في رحلة أخرى لتتبع جذوره التاريخية وفهم فلسفته، لأكتشف أن وراء هذه البطاقات قصة طويلة تمتد بين الشرق والغرب، وتمتزج فيها وقائع التاريخ بالأسطورة، وتتقاطع مع علم النفس.
وعلى خلاف ما يعتقده كثيرون، فإن التاروت، الذي يُنظر إليه اليوم بوصفه ظاهرة غربية خالصة، تعود بعض جذوره إلى إرث شرقي قديم. فقد وصلت إلى أوروبا من الشرق أوراقُ اللعب التي تطور عنها التاروت، بينما تبلور التاروت بصورته المعروفة في شمال إيطاليا خلال القرن الخامس عشر. ويؤكد مؤرخو الألعاب أن أوراق اللعب لم تكن معروفة في أوروبا خلال معظم العصور الوسطى، وإنما وصلت إليها في أواخر القرن الرابع عشر عبر طرق التجارة التي ربطت إيطاليا وإسبانيا بالدولة المملوكية في مصر وبلاد الشام. وكانت تلك الأوراق، المعروفة بأوراق المماليك أو «الكنجفة»، تتألف من أربعة أقسام هي: السيوف، والدراهم، والكؤوس، وعصي الصولجان، وهي الأقسام نفسها التي ظلت تشكل البنية الأساسية لما يُعرف اليوم بـ«الأسرار الصغرى» في التاروت. أما التاروت بصورته التي نعرفها اليوم، فقد نشأ لاحقًا في شمال إيطاليا خلال القرن الخامس عشر، عندما أُضيفت إلى أوراق اللعب التقليدية مجموعةٌ جديدة من البطاقات الرمزية، عُرفت لاحقًا باسم «الأسرار الكبرى»، ومنها اكتسب التاروت شخصيته المميزة التي فرّقته عن بقية أوراق اللعب.
فقد ابتكر الفنانون الأوروبيون بطاقات تحمل صوراً وشخصيات مستمدة من الثقافة المسيحية الأوروبية ومجتمع عصر النهضة، مثل الإمبراطور، والبابا، والعدالة، والموت، وعجلة الحظ، والمهرج. ومع هذه الإضافة بدأ يتشكل نوع جديد من أوراق اللعب، عُرف لاحقاً باسم التاروت.
وفي بداياته لم يكن التاروت أكثر من لعبة ورق تُمارس للتسلية وتنمية المهارة الذهنية، شأنه شأن كثير من ألعاب الورق المعروفة اليوم. واستمر الأمر كذلك حتى أواخر القرن الثامن عشر، حين ظهر في فرنسا عدد من المهتمين بالعلوم السرية والفلسفات الغامضة، فنسجوا حول هذه البطاقات روايات وأساطير تربطها بالحكمة المصرية القديمة وبالتقاليد الصوفية اليهودية المعروفة بـ”الكابالا”. ومنذ ذلك الحين بدأ التاروت يتحول تدريجياً من لعبة اجتماعية إلى أداة تُستخدم في التنبؤ وقراءة الطالع والتأمل الروحي، حتى بلغ أوسع مراحل انتشاره خلال القرن العشرين مع ظهور المجموعة الشهيرة «رايدر–وايت» (Rider–Waite)، التي تُعرف اليوم في الأدبيات الحديثة باسم “Rider–Waite–Smith Tarot”. وسُمّيت بهذا الاسم نسبةً إلى الباحث والكاتب البريطاني آرثر ادوارد وايت "”Arthur Edward Waite، الذي وضع الإطار الرمزي والتفسيري للمجموعة، والفنانة البريطانية باميلا كولمن سميث “Pamela Colman Smith” التي رسمت بطاقاتها، بينما تعود كلمة “Rider” إلى دار النشر البريطانية “William Rider & Son” التي أصدرتها لأول مرة.
ويتكون التاروت في صورته الشائعة اليوم من 78 بطاقة، تنقسم إلى مجموعتين رئيسيتين. الأولى تُعرف "بـالأسرار الكبرى”، وتضم 22 بطاقة تمثل مراحل الحياة الكبرى، والتحولات المصيرية، والتجارب الإنسانية العميقة. أما المجموعة الثانية فهي “الأسرار الصغرى”، وتضم 56 بطاقة تعكس تفاصيل الحياة اليومية، ومشاعر الإنسان، وتحدياته، وعلاقاته. وتنقسم هذه المجموعة بدورها إلى أربعة أقسام هي: “العصي” المرتبطة بالشغف والإبداع والعمل، "والكؤوس” المرتبطة بالعواطف والعلاقات، "والسيوف” المرتبطة بالأفكار والمنطق والصراعات، "والعملات” أو “الأقراص” المرتبطة بالمال والعمل والاستقرار المادي.
أما قراءة التاروت فتتم عادة خلال جلسة يطرح فيها الشخص سؤالاً معيناً، ثم تُسحب مجموعة من البطاقات وتُرتب وفق نمط محدد يُعرف "بـالانتشار” (Spread). ولا تعتمد عملية التفسير على معاني البطاقات منفردة، بل على الرموز والألوان والعلاقات التي تنشأ بينها، حيث يحاول القارئ صياغة سردية تفسيرية تربط بين هذه العناصر وبين ظروف السائل وخبراته الشخصية. كما أن ظهور البطاقة بشكل مقلوب يمنحها، في كثير من مدارس التاروت، دلالات مختلفة قد تشير إلى عقبات داخلية، أو مشاعر مكبوتة، أو طاقات لم تجد طريقها إلى التعبير.
ومن الناحية التاريخية، يتفق معظم الباحثين على أن التاروت نشأ في إيطاليا خلال القرن الخامس عشر بوصفه لعبة ورق مخصصة لطبقة النبلاء، ولم يتحول إلى وسيلة للعرافة إلا بعد مرور عدة قرون. أما من الناحية النفسية، فقد اكتسب تفسيراً مختلفاً مع أفكار عالم النفس السويسري كارل يونغ Carl Jung، الذي رأى أن الرموز المتكررة في الأساطير والأحلام والثقافات الإنسانية تعبر عن “النماذج الأصلية” (Archetypes)، وهي صور ورموز مشتركة كامنة في اللاوعي الجمعي للإنسان.. ومن هذا المنظور، ينظر بعض علماء النفس والمعالجين المهتمين بالرمزية إلى التاروت بوصفه أداة للتأمل الذاتي واستكشاف المشاعر والأفكار الكامنة، لا وسيلةً سحرية لكشف المستقبل.
ورغم ذلك، فقد ساهمت الأساطير التي أُحيط بها التاروت في تعزيز هالته الغامضة. ففي أواخر القرن الثامن عشر ادعى بعض المهتمين بالعلوم السرية، ومن أبرزهم انتوني كورت كابيلين "”Antoine Court de Gébelin، أن هذه البطاقات ليست اختراعاً إيطالياً، بل بقايا كتاب سري مفقود يعود إلى الإله المصري القديم “تحوت” (Thoth)، وأنها تحمل في رموزها أسرار الحكمة المصرية القديمة. ورغم أن الدراسات التاريخية الحديثة لم تجد أي دليل يؤيد هذه المزاعم، فإنها لعبت دوراً كبيراً في ترسيخ مكانة التاروت كأداة للغيب والتنبؤ في الثقافة الغربية، وهو التصور الذي ما زال سائداً لدى كثير من الناس حتى اليوم.
وهكذا يمكن القول إن هوية التاروت الحالية، بما تحمله من رموز وفلسفات وأساليب قراءة، هي ثمرة تطور أوروبي واضح، غير أن جذورها الأولى تمتد إلى أوراق اللعب التي انتقلت من الشرق إلى أوروبا قبل أكثر من ستة قرون. وبين التاريخ والأسطورة وعلم النفس، ظل التاروت يتجاوز كونه مجرد مجموعة من البطاقات المصورة، ليغدو ظاهرة ثقافية وفكرية تكشف كيف تستطيع الرموز والأساطير أن تؤثر في نظرة الإنسان إلى ذاته وإلى المجهول، حتى وإن لم تستند إلى دليل علمي يثبت قدرتها على كشف المستقبل.

975 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع