
الفصائل الموالية لإيران تسعى إلى إرباك مسار التقارب بين بغداد والعواصم العربية.
العرب/الرياض- تعرّضت منشآت حيوية سعودية، الاثنين، لمحاولة استهداف بطائرات مسيّرة انطلقت من الأراضي العراقية، في هجوم نسبته الرياض إلى ميليشيات شيعية موالية لإيران، وجاء بعد ساعات من الكشف عن زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى المملكة، ضمن جولة إقليمية تشمل أيضا العاصمة التركية أنقرة.
ويمنح توقيت الهجوم بعدا سياسيا يتجاوز الجانب الأمني، إذ يأتي بينما تحاول الحكومة العراقية تعزيز انفتاحها على محيطها العربي وإعادة بناء الثقة مع دول الخليج، في مقابل استمرار الفصائل المسلحة في توجيه رسائل تعكس رفضها لأي مسار قد يحد من النفوذ الإيراني داخل العراق أو يعيد رسم أولويات السياسة الخارجية لبغداد.
وتُعرف هذه الفصائل بدورها المحوري في منظومة النفوذ الإيراني داخل العراق، إذ لا يقتصر نشاطها على البعد العسكري، بل يمتد إلى التأثير في خيارات الدولة الخارجية، بما يجعل أي تقارب بين بغداد والعواصم العربية عرضة لمحاولات التعطيل أو الإرباك، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالسعودية التي تمثل أحد أهم شركاء العراق الإقليميين.
وكانت الحدود العراقية – الكويتية شهدت الأسبوع الماضي حادثا مشابها، بعدما تعرض محيط منفذ العبدلي لهجوم بطائرات مسيّرة تبنته جماعة أولياء الدم، ما أدى إلى إغلاق المنفذ الحدودي مؤقتا، قبل أن تعيد السلطات الكويتية فتحه عقب زيارة وزير الداخلية الشيخ فهد اليوسف الصباح إلى محافظة البصرة ولقائه مسؤوليها.
وقالت وزارة الدفاع السعودية إن قوات الدفاع الجوي اعترضت عددا من الطائرات المسيّرة ودمرتها بعد إطلاقها من الأراضي العراقية باتجاه منشآت نفطية في الرياض والمنطقة الشرقية.
وأكد المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع، اللواء الركن تركي المالكي، أن “هذه المحاولات الإرهابية انطلقت من الأراضي العراقية ونفذتها ميليشيات إرهابية تابعة لإيران”، مشددا على أن المملكة تحتفظ بحقها في الرد “في الوقت والمكان المناسبين”.
وجاءت محاولة الاستهداف بعد ساعات قليلة من تداول تقارير إعلامية عن زيارة سيجريها رئيس الوزراء العراقي إلى الرياض نهاية الأسبوع الجاري على رأس وفد حكومي، لبحث ملفات سياسية واقتصادية وأمنية مع المسؤولين السعوديين.
ووفقا للمعلومات المتداولة، يعتزم الزيدي تقديم تطمينات إلى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بأن حكومته لن تسمح باستخدام الأراضي العراقية منصة لاستهداف المملكة أو أي دولة عربية، وهو تعهد يمثل أحد أبرز محاور الزيارة.
ويبدو أن هذه الرسالة تحديدا كانت في صلب الحسابات التي دفعت منفذي الهجوم إلى اختيار هذا التوقيت، في محاولة لإظهار محدودية قدرة الحكومة العراقية على فرض سيادتها الكاملة على أراضيها، وإحراجها قبيل لقاءاتها مع القيادة السعودية.
ومنذ توليه رئاسة الحكومة قبل نحو ثلاثة أشهر، وضع الزيدي ملف حصر السلاح بيد الدولة ضمن أولويات برنامجه، وأطلق سلسلة إجراءات تستهدف تقليص نفوذ الفصائل المسلحة وتجفيف مصادر تمويلها، وهو مسار يحظى بدعم أميركي واسع، لكنه يثير في المقابل مخاوف إيران من فقدان إحدى أهم أدوات نفوذها في العراق.
ويرى مراقبون أن أي تقدم تحرزه الحكومة العراقية في هذا الملف سيواجه بمحاولات متكررة من الفصائل المسلحة لإظهار أن قرار الحرب والسلم لا يزال خارج سيطرة مؤسسات الدولة، وأن قدرة بغداد على تنفيذ تعهداتها الأمنية ما زالت محل اختبار.
ومن المنتظر أن تتناول مباحثات الزيدي في الرياض ملفات اقتصادية مهمة، من بينها تفعيل مشروع الخط النفطي باتجاه ميناء ينبع السعودي، وإحياء أعمال المجلس التنسيقي السعودي – العراقي، الذي يشرف على مشاريع تعاون تشمل الطاقة والاستثمار والنقل والتجارة.
وقبل توجهه إلى المملكة، يبدأ الزيدي الثلاثاء زيارة إلى تركيا، يبحث خلالها ملفات الطاقة والمياه والتعاون الاقتصادي والأمني، في إطار جولة تعكس سعي بغداد إلى تنويع شراكاتها الإقليمية.
وتأتي هذه التحركات بعد أيام من زيارة أجراها رئيس الوزراء العراقي إلى طهران، سبقتها زيارة إلى واشنطن، في إطار سياسة توازن تحاول حكومته ترسيخها بين القوى الإقليمية والدولية، وهي سياسة تواجه تحديات متزايدة بسبب تضارب مصالح الأطراف المؤثرة في الساحة العراقية.
وشهدت العلاقات السعودية – العراقية خلال السنوات الأخيرة تحسنا ملحوظا على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية، تُرجم إلى مشاريع استثمارية مشتركة، وتنسيق أمني لحماية الحدود، وتكثيف المشاورات بشأن استقرار المنطقة ومنع استخدام الأراضي العراقية في تهديد أمن دول الجوار.
وفي هذا السياق، التقى وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان في الرياض في الثاني عشر من يوليو الجاري، حيث بحث الجانبان سبل تعزيز التعاون الأمني والاقتصادي، وتنسيق المواقف بشأن التطورات الإقليمية.
كما تسعى بغداد إلى تعزيز شراكتها الاقتصادية مع المملكة في ظل التحديات التي يواجهها الاقتصاد العراقي عقب تداعيات المواجهة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، فضلا عن رغبتها في تنسيق المواقف داخل منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك)، التي تضطلع السعودية بدور محوري في قيادتها.

1182 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع