محمود خرطنة .. نجم كروي رائد

الأستاذ الدكتور باسل يونس ذنون الخياط
أستاذ مُتمرِّس/ جامعة الموصل

 

محمود خرطنة.. نجم كروي رائد

أنهى المنتخب العراقي مبارياته الثلاث في مونديال كأس العالم 2026، بعد غياب أربعين عاماً، وخرج بخفّي حنين وبجعبته 12 هدف دخل مرماه مقابل هدف يتيم أحرزه في مرمى النرويج.

كانت السمة الواضحة على أداء الفريق العراقي: الأخطاء الفردية القائلة لحارس المرمى ولبعض المدافعين، مما أحبط معنويات اللاعبين وأصاب الجمهور العراقي بخيبة أمل شديدة.

الجانب المُشرق في مشاركتنا هذه في المونديال هو التفاعل الكبير للجمهور العراقي مع هذه المباريات في داخل العراق وخارجه. وقد سافر آلاف العراقيين المتواجدين في أمريكا وكندا وأوربا، وتوجهوا صوب الملاعب لتشجيع فريقهم الأم، وساروا في الشوارع بما يشبه المظاهرات رافعين علم العراق مرددين الأغاني الشعبية، في منظر غير مألوف في قارة أمريكا.


https://www.facebook.com/watch/?v=1420125939937618

العراقيون وكرة القدم:
دخلت كرة القدم إلى العراق بعد دخول القوات البريطانية بغداد في مارس / آذار عام 1917م، ودخول الموصل في نوفمبر / تشرين الثاني عام 1918م، وشاعت كرة القدم في بغداد والموصل والبصرة وكركوك وباقي المدن الرئيسة في العراق.

انتشرت كرة القدم في الموصل، وأنشأ الإنكليز ساحة (فانشو) للألعاب وكرة القدم، وكانت هذه الساحة أصلا ساحة يتدرب فيها الجيش العثماني، وقد أنشئت مكانها (حديقة الشهداء) الحالية المقابلة للمحاكم.

ونتيجة لذلك ظهر الجيل الأول من رواد كرة القدم في الموصل، وعلى رأسهم محمود خرطني، آكوب المصور، كربون الأرمني، حسن الحمّال، محمود يونس (أبو ليلى)، يحيى بن المصلوب، حمدون البقال، ابن ججو دحام (سائق سيارة) وكان يُلَّقب (زنجي عاصي)، قادر مَلَك، غازي أحمد وكان عسكرياً في القوة الجوية، طاهر بن سيد سليمان (سائق سيارة بالقوة الجوية) ويوسف ميدان (كاسب) وآخرون.

ومن أولئك الرواد أيضا عبد الجبار الجومرد الذي أصبح فيما بعد أول وزير خارجية للعراق في العهد الجمهوري، وجمال جميل الذي شارك في ثورة الدستور اليمنية عام 1948، وصبحي علي الذي أشتهر كمدير بلدية للموصل، والعملاق عبد الرحمن أغوان، ونوري مردان، وإسماعيل محمد الطالب، ورؤوف حاج علي، ومعظمهم كانوا من طلبة دار المعلمين آنذاك.

وكان محمود خرطنة من رواد كرة القدم العراقية ومن كبار نجوم ذلك الوقت، وقد تربَّع على عرش النجومية مع لاعبي العاصمة بغداد، ولعب بمركز قلب دفاع منتخب العراق. كما كان أول لاعب موصلي مع النجم (غازي أحمد) في أول منتخب عراقي تشكّل وقتها لخوض عدد من المباريات الخارجية.

محمود عبد المجيد خرطنة:
نستذكر اليوم أحد عمالقة كرة القدم العراقية في الزمن الجميل، وصخرة خط الدفاع العراقي ونجم فريق القوة الجوية الشهير محمود عبد المجيد خرطنة (1905-1971).

ولد محمود خرطنة في محلة شيخ أبو العلا بالموصل القديمة، وقد استهوته كرة القدم منذ نعومة أضفاره، فأخذ يمارسها في الأزقة الضيقة ثم في المدرسة.

وفي ريعان شبابه كان يلعب في أبرز الفرق الأهلية الموصلية، فظهرت مهارته وعبقريته في اللعبة. ولما جرت مباريات الفرق الأهلية الموصلية والبغدادية في العاصمة، ذاع صيته ولمع نجمه بين جماهير بغداد الكروية، فوقف جنباً إلى جنب مع أبطال عصره فأصبح ظهيراً قوياً لهم.

لعب محمود خرطنة بمركز قلب الدفاع (شبه وسط)، وكان أشبه بقلب الفريق: فهو يتصدى للمهاجمين ويذود عن مراماه من جهة، ويقوم بتوزيع الكرات وتنسيق الهجمات من جهة أخرى. وقد أُعجبت جماهير العراقية وعشّاق الكرة بمحمود خرطنة فهتفوا له من الأعماق.

لقد سجّل تاريخ الكرة العراقية لهذا البطل صفحة خالدة منيرة، وشهدت له ساحات كرة القدم العراقية، وكانت تسديداته القوية السريعة ترن في الآذان، كما كان مُوزعا جيدا للكرات ويلعب بكلتا قدميه؛ فلُقِّب (بيليه العراق).

وكان محمود خرطنة نموذجا عراقيا مميزا، وقد سار على خطاه حازم غزال ومجبل فرطوس وعبد كاظم وعدنان درجال وآخرون.

في بداية عشرينيات القرن الماضي كان لدار المعلمين في بغداد فريق كرة قدم مُميَّز يضم نُخبة لاعبين من أبناء الموصل مثل: (العملاق عبد الرحمن أغوان، صبحي علي، رؤوف علي، عبد الجبار الجومرد)، وكان هذا الفريق من أبرز الفرق الكروية في بغداد.

ونتيجة لسطوع نجم محمود خرطنة، فقد تمت مفاتحته والاقتراح عليه للالتحاق بفريق دار المعلمين؛ فوافق والتحق به.

شارك محمود خرطنة مع فريق دار المعلمين منذ العام 1923، وكان مشاركاً بدورة كأس (كاجولس) المفتوحة بين عامي 1923 و 1930، وفاز بالكأس البطولة عامي 1929 و 1930، وبدأت شهرة محمود خرطنة تنتشر من خلال دورة كأس (كاجولس).

وفي بداية الثلاثينيات كانت فرق القوات المسلحة قد انتعشت، ومنها فريق القوة الجوية، بسبب تعيين اللاعبين على ملاك الجيش. وكان هذا الإجراء بمثابة استدراج لكبار اللاعبين إلى الفرق العسكرية ومنحهم رتب عسكرية مرموقة.

لقد أعطى تعيين لاعبين مميزين في الفرق العسكرية مردوداً إيجابياً، وكانت فرق الجيش تقوم بصراعات مريرة لأجل جذب والحصول على خدمات أبرز اللاعبين. ومن أشهر الفرق بهذا الخصوص كانت فرق القوة الجوية، والحرس الملكي، والفوج السابع، والكلية العسكرية، واللاسلكي.

لقد دخل فريق القوة الجوية إلى دائرة الأضواء بقوة واستحوذ على قلوب عشاق الكرة لسنين طوال. ومن أشهر نجومه موفق عبد المجيد وعمو بابا وهشام عطا عجاج ومجبل فرطوس وقاسم زويه وناطق هاشم.

بعد انخراط محمود خرطنة في صفوف الجيش بصفة جندي باسل، اتصل به مسؤول فريق القوة الجوية الملازم (رؤوف شبيب) وطلب منه الالتحاق بالفريق، فوافق، ليصبح قلب دفاع فريق القوة الجوية.

شارك فريق القوة الجوية في دورة كأس الأمير غازي المفتوحة بين عامي 1933 - 1935، وكان من أبرز لاعبين فريق القوة الجوية: عبد الهادي عباس، ناصر جكو، ومحمود خرطنة. أما أبرز لاعبين الحرس الملكي فكان جميل عباس (جمولي)، وأبرز لاعبين فريق اللاسلكي قدوري كافر عثمان.

وفي العام 1933 تم تشكيل أول منتخب عسكري عراقي لغرض إجراء أول مباراة مع منتخب الطيران الإنكليزي. وقد كتب عنه الحمامي في جريدة الأهالي بتاريخ (21/10/1933) عندما لعب محمود خرطنة مع فريق (القوة الجوية) العراقي كعادته بمركز قلب الدفاع، وقد ألحق الفريق العراقي الهزيمة بفريق (القوة الجوية) البريطاني وفاز عليه 2-1، وأصبح ينطبق على الإنكليز قول الشاعر:

فَيا عَجَباً لمن رَبَّيتُ طِفلاً ... أُلقَّمُهُ بأطرافِ البَنانِ
أُعلِّمهُ الرِّمايَةَ كُلَّ يومٍ ... فَلَمّا اشتَدَّ ساعِدُهُ رَماني
وكم عَلَّمتُهُ نَظمَ القَوافي ... فَلَمّا قال قافِيَةً هَجاني
أُعَلِّمُهُ الفُتُوَّةَ كُلَّ وَقتٍ ... فَلَمّا طَرَّ شارِبُهُ جَفاني

لقد كان محمود خرطنة في تلك المباراة، وكعادته دائما، كالجندي الباسل يمتاز بقوة جسمانية هائلة وبضربات قوية ساحقة، حتى يقال أنه في إحدى المرات أصابت قذيفة أطلقها العارضة الخشبية فحطمتها. كما كتب عنه من المعاصرين (علي محمود) في جريدة الحدباء سنة 2001.

والتحق محمود خرطنة بالمنتخب العسكري العراقي عام 1936 وفاز بكأس المعارف. وفي سنة 1937 رُشّح محمود خرطنة لدورة قيادة الدبابات المفتوحة في الهند ولمدة سبعة أشهر، وحصل على درجة معلم قيادة ناجح ومُنح رتبة (نائب عريف). وقد لعب في كبريات المدن الهندية كالعاصمة دلهي ومدينتي (لاهور وأحمد نكار) ونال إعجاب الهنود وحصل على حسن تقديرهم.

وبعد عودته إلى العراق استمر يلعب خمس سنوات أخرى ضمن فريق الدبابات. وشهدت أواخر العام 1943 بداية النهاية للنجم محمود خرطنة بعد تألق دام خمسة عشر عاما دون توقف. وقد روى أحد معاصريه أنه بعد انتهاء إحدى المباريات التي أبدع فيها، أخذ الجمهور يصفق له دون انقطاع، فقام بالهرولة السريعة حول الملعب للمرات متتالية يحيّ الجمهور والجمهور يصفق له، فأخذه العطش وشرب كمية كبيرة من الماء فاثر ذلك على صحته.


تسرّح محمود خرطنة من الجيش وغاب عن ساحات كرة القدم البغدادية وعاد إلى مسقط رأسه في الموصل منذ العقد الرابع من القرن الماضي، ليصبح صاحب دكان في شارع حلب (السعدون) بجوار سينما السعدون، وكان ذلك الدكان يلفت نظري كلما أمر من هناك في نهاية الستينيات عند ذهابي وخروجي من مدرستي (الإعدادية الشرقية)، حيث كان ذلك الدكان أشبه بمتحف صغير تُغطي جدرانه صور رياضية للنجم محمود خرطنة وجوائزه لغرض لَمْ شمل الرياضيين واللقاء بهم.


لقد شغلت الحياة المعاشية محمود خرطنة عن حبيبته (كرة القدم) التي أحبها وأحبته طيلة ثلاث عقود من الزمن لتبقى في ذاكرته بقية حياته.

وفي أوائل عام 1963 تشكل فريق أهلي موصلي من لاعبين العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، وسُمي (فريق متقاعدي الموصل الأهلي) ويضم اللاعبين: عبد الرحمن أغوان، غازي أحمد، محمود خرطنة، محمود يونس (أبو ليلى)، سالم الحجية، شفيق الجليلي، عبد الواحد يوسف، طارق الجراح، زكي نوري، حيدر يونس، عبد الستار حسين.

وقد جرت مباراة استذكاريه بين فريق متقاعدي الموصل الأهلي ومتقاعدي بغداد في ملعب الإدارة المحلية بالموصل، وكانت نتيجة المباراة التعادل بدون أهداف، وقد حكَّم المباراة اللاعب الماهر (صبحي علي) قائمقام الموصل سابقاً.

وهكذا كانت مسيرة النجم الكروي محمود خرطنة، أحد نجوم كرة القدم الرواد في العراق، وبقي قلبه ينبض بحب الكرة المستديرة حتى توفاه الأجل عام 1971 عن عمر يناهز السادسة والستين، ولا تزال ذكراه وسيرته ناصعة في تاريخ الكرة العراقية، رحمه الله وحفظ الله ذريته الباقين.

(مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) (الأحزاب: 23).

المصادر:
- باسل يونس ذنون الخياط، (الرياضة الموصلية وبعض من روادها في القرن العشرين)، الشاملة، 2021.
- سعد الموصلي: (قصة حياة عميد الكرة العراقية: والدي محمود مجيد خرطنه).

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

932 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع