حين تصبح الحرب قيدا على الولي الفقيه.. والمقاومة تفتح باب الخروج

سعاد عزيز

حين تصبح الحرب قيدا على الولي الفقيه.. والمقاومة تفتح باب الخروج

في إيران اليوم مفارقة تكاد تختصر مأزق نظام الولي الفقيه كله: سلطة تزعم أنها تخوض الحرب دفاعا عن البلاد، لكنها تخشى انتهاء الحرب أكثر مما تخشى استمرارها. فالحرب التي وفرت لمجتبى خامنئي ظرف الصعود إلى موقع الولي الفقيه، تحولت إلى عبء يهدد بإسقاط ما تبقى من شرعية النظام.
لم يصل مجتبى إلى موقعه في ظروف طبيعية، بل في لحظة اضطراب وحرب وصراع داخل أجنحة السلطة. ولذلك فإن المشكلة ليست فقط في قدرته على الحكم، وإنما في قدرته على إقناع الإيرانيين، وحتى مراكز القوى داخل النظام، بأن انتقال السلطة من الأب إلى الابن كان أكثر من توريث ديني لسلطة طالما ادعت رفضها للحكم الوراثي.
وهنا تصبح الحرب ضرورة سياسية قبل أن تكون خيارا عسكريا.
فاستمرارها يوفر للسلطة ذريعة جاهزة لتبرير القمع والفشل الاقتصادي، وتحويل كل أزمة داخلية إلى مؤامرة خارجية. أما السلام، فيسقط هذه الذريعة ويعيد الأسئلة المحرجة إلى الداخل: أين ذهبت ثروات إيران؟ لماذا تتسع دائرة الفقر؟ لماذا تنقطع الكهرباء والغاز؟ ولماذا أصبح الاقتصاد عاجزا عن توفير أبسط مقومات الحياة؟
ولهذا فإن السلام بالنسبة للنظام قد يكون أخطر من الحرب؛ لأن السلام لا يوقف الصواريخ فقط، بل يوقف أيضا ماكينة الأعذار.
غير أن الأزمة لم تعد اقتصادية وسياسية فقط. إنها تتسع داخل رأس السلطة نفسه. فعندما يتحدث مسعود بزشكيان عن واحدة من أصعب مراحل النظام، ويقر بصعوبة التواصل مع الولي الفقيه الجديد، وعندما تعود شخصيات مثل حسن روحاني إلى التشكيك في الأسس السياسية لشرعية القيادة، فإن ذلك يكشف أن الخلاف لم يعد مجرد تنافس بين أجنحة، بل بدأ يلامس سؤال بقاء المنظومة.
وفي هذه اللحظة تحديدا يبرز عامل لا يمكن تجاهله: المقاومة الإيرانية ووحدات المقاومة داخل البلاد.
فالأزمة الداخلية لا تتحول تلقائيا إلى تغيير سياسي. ما يحول الغضب إلى تهديد فعلي للسلطة هو وجود قوة منظمة تستطيع استثمار الاحتقان الشعبي، وكسر احتكار النظام للمجال السياسي والإعلامي، وإبقاء فكرة التغيير حاضرة في الشارع.
وهنا يأتي دور وحدات المقاومة باعتبارها أحد مظاهر هذا الحضور المنظم. فالنظام يستطيع اعتقال المحتجين وإخماد تجمع هنا أو هناك، لكنه يجد صعوبة أكبر في مواجهة نشاط موزع يستمر تحت الضغط الأمني، ويعيد إنتاج الرسالة المناهضة للنظام في المدن والمجتمعات المختلفة.
ولهذا فإن ما يخيف طهران ليس الاحتجاج وحده، وإنما الاحتجاج عندما يجد تنظيما وقوة سياسية تدفعه إلى الأمام.
فالنظام يواجه اليوم ثلاثة ضغوط متزامنة: حرب تستنزفه، اقتصاد ينهكه، ومجتمع لم يعد يقبل بسهولة استمرار المعادلة القديمة. ويضاف إليها تصاعد نشاط المقاومة المنظمة التي تعمل على تحويل الغضب من مجرد حالة اجتماعية إلى طاقة سياسية قابلة للتراكم.
ومجتبى خامنئي عالق في قلب هذه الدائرة.
إذا أوقف الحرب، عاد سؤال الشرعية.
وإذا واصلها، تفاقم الانهيار الاقتصادي.
وإذا حاول إخماد الشارع بالقوة، وجد نفسه أمام مقاومة أكثر قدرة على استثمار التناقضات الداخلية.
وهكذا لم يعد النظام يواجه أزمة يمكن حلها بتغيير وزير أو إقالة حكومة. إنه أمام مأزق بنيوي: الحرب ضرورية لبقائه، لكنها تستنزفه؛ والسلام ضروري لإنقاذ البلاد، لكنه يهدد شرعيته؛ والقمع قد يؤخر الانفجار، لكنه لا يستطيع إلغاء أسبابه.
لقد عاش نظام الولي الفقيه عقودا على تصدير أزماته إلى الخارج. لكن يبدو أن الخارج لم يعد منفذا للهروب من الداخل.
فالداخل الإيراني نفسه بدأ يطرق باب التغيير، والمقاومة المنظمة تعمل على إبقاء ذلك الباب مفتوحا.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: متى تنتهي الحرب؟
بل: ماذا سيبقى من نظام الولي الفقيه عندما تتوقف الحرب، ويخرج الشارع من الصمت، وتتحول المقاومة من صوت معارض إلى قوة دافعة للتغيير؟

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

601 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع