من بغداد إلى دمشق… عندما يوقظ الخطر ذاكرة الأمة ( حين يتكلم الرافدين دجله والفرات مع قاسيون … يولد الطريق إلى الأمة ).

بقلم: اللواء الملاح الركن المتقاعد فيصل حمادي غضبان
29 حزيران 2026

من بغداد إلى دمشق… عندما يوقظ الخطر ذاكرة الأمة(حين يتكلم الرافدين دجله والفرات مع قاسيون… يولد الطريق إلى الأمة ).

1.المقدمة : ليس كل الزيارات الدبلوماسية بروتوكولاً، فبعضها تفرضه الجغرافيا، وبعضها يكتبه التاريخ، و الآخر تصنعه لحظات الخطر الكبرى. وفي زمن تتعرض فيه المنطقة لتحولات متسارعة، وتعيش تحت وقع الحرب والتهديدات المتبادلة، تأتي زيارة وزير خارجية العراق إلى سوريا لتفتح باباً واسعاً للتساؤل ( هل هي زيارة اعتيادية، أم أنها تعكس بداية إدراك جديد بأن أمن بغداد لا ينفصل عن أمن دمشق، وأن المشرق العربي لا يمكن أن يبقى موزعاً بين الأزمات ).وعليه تكتسب زيارة وزير خارجية العراق، فؤاد حسين، إلى دمشق اليوم أهمية استثنائية، لأنها تأتي في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها تداعيات العدوان الإسرائيلي، وتتسارع فيها إعادة رسم موازين القوى، وتتزايد المخاوف على أمن الممرات الاستراتيجية وفي مقدمتها مضيق هرمز. وفي مثل هذه الظروف، لا تبدو بغداد ودمشق مجرد عاصمتين متجاورتين، بل ركيزتين لاستقرار المشرق العربي، ورسالة بأن الحوار بينهما لم يعد ترفاً دبلوماسياً، بل ضرورة تفرضها الجغرافيا، ويؤكدها التاريخ، وتستدعيها تحديات الحاضر. حين يشتد الخطر، لا تنادي الأرض أبناءها بأسمائهم، بل تناديهم بأوطانهم. ومن هنا، فإن الطريق إلى نهضة المشرق لن يكون إلا بخط مستقيم يصل بغداد بدمشق، كما أراده التاريخ، لا كما فرضته الحدود

٢. التاريخ يعود بصورة مختلفة : لم تكن بغداد ودمشق في يوم من الأيام مجرد عاصمتين متجاورتين، بل كانتا قلب المشرق العربي، وطريق الحضارات، والجدار الذي صدّ الغزوات القادمة من الشرق والغرب عبر قرون طويلة.وحين كان الوطن العربي يمر بأزماته الكبرى، كانت الأنظار تتجه دائماً نحو هاتين العاصمتين لأن سقوط إحداهما كان يعني اهتزاز الأخرى.
٣. منذ الصغر حفظت آذاننا كلمات النشيد ( من قاسيون أطل يا وطني )
فلم يكن قاسيون جبلاً سورياً فحسب، بل كان رمزاً لامتداد الهوية العربية التي لا تعرف الحدود السياسية الحديثة.

٤.لماذا الآن..تأتي الزيارة في لحظة شديدة الحساسية:
أ. استمرار العدوان الإسرائيلي وما خلّفه من تصعيد إقليمي.
ب.ازدياد أهمية الممرات الاستراتيجية وفي مقدمتها مضيق هرمز.
ج.تغير موازين القوى الإقليمية والدولية.
د.إدراك متزايد بأن أي اضطراب في سوريا ينعكس مباشرة على العراق، والعكس صحيح.

٥. في مثل هذه الظروف، لم يعد التنسيق بين بغداد ودمشق خياراً سياسياً فحسب، بل أصبح ضرورة أمنية واقتصادية واستراتيجية.بغداد ودمشق… الطريق المستقيم قد ينحرف اضطرارا لابد يوماً ان يعود .

٦.قد تختلف السياسة و تتغير الحكومات، الثابت ان الجغرافيا لا تغيّر حقائقها.فالطريق الطبيعي لوحدة المشرق العربي يبدأ بخط مستقيم بين بغداد ودمشق.
ليس المقصود وحدةً سياسية بالشكل التقليدي، وإنما وحدة في الرؤية، وتنسيق في الأمن، وتكامل في الاقتصاد، وحماية للمصالح المشتركة.ببقاء هذا الخط قوياً، بقي المشرق العربي قوياً متماسكاً .

٧. العدوان الصهيوني يعيد ترتيب الأولويات : أثبتت الأحداث الأخيرة أن الصراعات لم تعد محلية، وأن أمن المنطقة أصبح شبكة مترابطة.فالعدوان الإسرائيلي لم يعد حدثاً يخص دولة بعينها، بل أصبح عاملاً يعيد تشكيل التحالفات ويجبر العواصم العربية على إعادة حساباتها.
وفي مثل هذه اللحظات يصبح الحوار بين بغداد ودمشق أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأن الاستقرار لا يتحقق إلا بتقارب دوله الأساسية.

٨.الاستنتاجات:
ا.زيارة وزير الخارجية العراقي تحمل أبعاداً تتجاوز الجانب البروتوكولي.
ب.العراق وسوريا يواجهان تحديات أمنية واستراتيجية متقاربة.
ج.التطورات الإقليمية تفرض تنسيقاً أكبر بين عواصم المشرق العربي.
د.حماية المصالح العربية تبدأ بإعادة بناء جسور الثقة بين بغداد ودمشق.
ه.الجغرافيا أثبتت مرة أخرى أنها أقوى من الخلافات السياسية المؤقتة.

٩. الخاتمة : قد تتغير العواصم في مواقفها، وتتبدل التحالفات، لكن التاريخ لا ينسى أن بغداد ودمشق كانتا دائماً جناحي المشرق العربي.وجدار الصد القومي
ولعل أخطر ما كشفته أزمات السنوات الأخيرة أن التفرّق لم يجلب إلا مزيداً من الضعف، وأن الطريق نحو مستقبل أكثر استقراراً لا يبدأ من المؤتمرات البعيدة، بل من المصافحة الصادقة بين بغداد ودمشق.فإذا عاد هذا الطريق نابضاً بالحياة، فقد تستعيد الأمة جزءاً من قدرتها على مواجهة التحديات.ويبقى الأمل قائماً بأن تتحول لغة المصالح المشتركة إلى مشروع عربي يحفظ الأمن والسيادة، ويجعل من المشرق العربي سداً منيعاً أمام كل من يسعى إلى تمزيقه.
من بغداد إلى دمشق… ليس المسافة هي التي تُقاس، بل مستقبل أمة بأكملها.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1135 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع