الردع في عصر الذكاء الاصطناعي من الردع التقليدي الى الردع متعدد المجالات

اللواء الركن
علاء الدين حسين مكي خماس
12 / أب- أغسطس / 2026

الردع في عصر الذكاء الاصطناعي من الردع التقليدي الى الردع متعدد المجالات

تمهيد

منذ عام 2022 دخل العالم مرحلة جديدة من الاضطراب الاستراتيجي، اتسمت بتزايد اللجوء إلى القوة واتساع الصراعات وتنوع أدواتها. فقد أعادت الحرب الروسية–الأوكرانية مشاهد الحرب الكبرى إلى أوروبا، ثم جاءت أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 والحرب في غزة وتداعياتها الإقليمية، وصولًا إلى المواجهة المباشرة بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، بما شهدته من استخدام للصواريخ والمسيّرات والطائرات والقدرات الإلكترونية والسيبرانية.
وعلى اختلاف هذه الصراعات، فإنها تطرح سؤالًا مشتركًا: ماذا حدث للردع؟
كان الردع، ولا سيما خلال الحرب الباردة، أحد مرتكزات الاستقرار الاستراتيجي. فقد أسهمت القدرات النووية وإمكان إيقاع خسائر غير مقبولة والقدرة على توجيه الضربة الثانية في منع المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. والردع لم يختفِ اليوم؛ فما تزال القدرة النووية، مثلًا، تسهم في منع تحول الحرب الروسية–الأوكرانية إلى مواجهة شاملة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي. لكن بعض صور الردع التقليدية لم تعد كافية وحدها، ليس لأن منطق الردع قد انهار، بل لأن الحرب تغيرت، والقوة تغيرت، والخصم تغير، وميدان الصراع تغير. فالهجوم لم يعد بالضرورة عبور جيش للحدود، وقد يبدأ بهجوم سيبراني على بنية تحتية، أو استهداف للاتصالات والأقمار الصناعية، أو تشويش إلكتروني، أو حملة معلوماتية، أو استخدام للمسيّرات والصواريخ الدقيقة والجماعات المسلحة بالوكالة. وأصبحت وسائل القوة متعددة الأبعاد، والصراع يجري في البر والبحر والجو والفضاء والفضاء السيبراني والطيف الكهرومغناطيسي والبيئة المعلوماتية، فيما تعمل الأدوات الاقتصادية والتكنولوجية إلى جانب الأدوات العسكرية. وقد شغلني هذا التحول منذ وقت مبكر نسبيًا؛ ففي عام 2019 أصدرت كراسة بعنوان «العمليات متعددة الأوساط: دراسة في تطور الفكر العسكري الأمريكي في القرن الحادي والعشرين»، تناولت فيها مفهوم العمليات متعددة المجالات (Multi-Domain Operations – MDO)، القائم على تكامل العمل في المجالات المختلفة واستخدام إمكانات مجال لتحقيق تأثير في مجال آخر. ولم يكن الردع يومها موضوع الدراسة، وإن كانت الفكرة كامنة فيها؛ فقد كان من أغراض تجميع إمكانات الأوساط المختلفة تحقيق الهدف العسكري وصد الخصم وردعه، وكان مفهوم تجميع وتوحيد القدرات (Convergence) أحد أسسها. ويمكن القول، بشيء من المجاز، إن العلاقة بين تعدد المجالات والردع كانت آنذاك في طور الجنين. ثم جاءت الثورة المتسارعة في الذكاء الاصطناعي لتضيف بُعدًا جديدًا. فالذكاء الاصطناعي ليس مجرد سلاح أو مجال مستقل، بل قوة تمكينية عابرة للمجالات، تربط بينها وتزيد سرعتها وفاعليتها، من جمع المعلومات وتحليلها والإنذار المبكر، إلى الحرب السيبرانية والإلكترونية وتشغيل الأنظمة الذاتية والمسيّرات والقيادة والسيطرة ودعم اتخاذ القرار. وبذلك أصبح من الممكن أن يقع الهجوم في مجال ويأتي الرد في مجال آخر؛ فقد يكون الهجوم سيبرانيًا والرد اقتصاديًا أو تكنولوجيًا أو عسكريًا. وهنا تكتسب فكرة الردع متعدد المجالات (Multi-Domain Deterrence) معناها الحقيقي: ليس بإضافة أنواع جديدة إلى قائمة الردع، وإنما بدمج عناصر القوة في منظومة تؤثر في حسابات الخصم عبر مجالات متعددة، بحيث يدرك أن العمل العدائي في مجال ما قد يستدعي استجابة في المجال نفسه أو في مجال آخر.
وفي خضم هذه الأفكار جاء اتفاق مكة للدفاع المشترك ليضيف حافزًا مباشرًا للتفكير في الموضوع. فالردع المشترك في البيئة المعاصرة لا يمكن أن يقتصر على المفهوم التقليدي للدفاع، في وقت تشمل فيه التهديدات الصواريخ والمسيّرات والهجمات السيبرانية والحرب الإلكترونية والفضاء والتهديدات البحرية. وبذلك يصبح بناء الردع في بيئة متعددة المجالات قضية عملية، لا مجرد نقاش نظري.
وقد شغلني السؤال بصورة خاصة أثناء عملي على كتابي الجديد (الاستراتيجية والأمن الدولي في القرن الحادي والعشرين)، ولا سيما عند إعداد الفصل المتعلق بالردع في الفكر الاستراتيجي المعاصر. ومع التعمق في الموضوع بدا لي أنه يستحق الخروج من حدود الفصل الأكاديمي إلى نقاش أوسع، ومن هنا جاءت فكرة هذا المقال. ولا أهدف هنا إلى إعادة سرد نظريات الردع أو تاريخ تطورها، ولا إلى دراسة حرب أو تحالف بعينه، وإنما إلى فهم ما طرأ على الردع عندما أصبحت القوة نفسها متعددة المجالات، وكيف تغيرت العلاقة بين الردع بالعقاب والردع بالمنع، وبين الأدوات العسكرية وغير العسكرية، وبين الإنسان والآلة. ويحتل الذكاء الاصطناعي موقعًا محوريًا في هذا التساؤل: هل سيزيد قدرة الدول على الردع بفضل سرعة اكتشاف التهديد وتحليله والاستجابة له، أم قد يجعل الردع أكثر هشاشة بسبب اختصار زمن القرار والاعتماد المتزايد على الخوارزميات والأنظمة الذاتية واحتمالات الخطأ وسوء الإدراك؟ إن القضية، إذن، لا تتعلق بموت الردع، بل ربما بإعادة ولادته في صورة جديدة. فإذا كان ردع القرن العشرين قد قام أساسًا على السؤال: ماذا سأفعل بك إذا هاجمتني؟ فإن ردع القرن الحادي والعشرين يضيف سؤالًا أكثر تعقيدًا: كيف أجعل عناصر قوتي في مختلف المجالات تعمل معًا بحيث يقتنع الخصم، قبل أن يبدأ، بأن الهجوم لن يحقق غايته وأن كلفته ستكون أكبر من مكاسبه؟ ذلك هو جوهر الردع متعدد المجالات، وهو الموضوع الذي تحاول الصفحات التالية مناقشته.
الردع في الفكر الاستراتيجي: المفهوم والمنطق والغاية
يحتل الردع مكانة أساسية في الفكر الاستراتيجي الحديث، لأنه يقوم على فكرة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها شديدة التعقيد عند التطبيق: منع الخصم من القيام بفعل لا نريده من خلال التأثير في حساباته قبل أن يقدم عليه. فغاية الردع ليست استخدام القوة، وإنما جعل استخدامها غير ضروري، بإقناع الخصم بأن ما سيخسره نتيجة فعله سيكون أكبر مما يتوقع أن يحققه من مكاسب. ومن هنا يختلف الردع عن الحرب؛ فنجاح الحرب يقاس بما تحققه القوة بعد استخدامها، بينما يقاس نجاح الردع بما تمنع القوة وقوعه من دون الحاجة إلى استخدامها.
والردع بهذا المعنى ليس وليد العصر النووي، فقد عرفت الدول منذ القدم فكرة منع الخصم من العدوان بإظهار القوة والاستعداد لاستخدامها. غير أن ظهور السلاح النووي بعد الحرب العالمية الثانية حوّله من ممارسة قديمة إلى نظرية استراتيجية متكاملة؛ إذ جعلت القدرة على إلحاق دمار هائل بالخصم السؤال الأساسي ليس كيف تنتصر الدولة في الحرب، وإنما كيف تمنع وقوعها أصلًا.
وقد عبّر برنارد برودي مبكرًا عن هذا التحول عندما رأى أن الغاية الأساسية للمؤسسة العسكرية في العصر النووي أصبحت منع الحرب بقدر ما هي الاستعداد لخوضها (Brodie, 1946). ثم طور توماس شيلنغ هذا المنطق، موضحًا أن القوة العسكرية لا تستمد قيمتها من استخدامها فقط، بل من قدرتها على التأثير في إرادة الخصم وقراراته من خلال التهديد المقنع بالعواقب (Schelling, 1966). وهكذا أصبح الردع عملية نفسية وسياسية بقدر ما هو عملية عسكرية.
ويقوم منطق الردع على عناصر مترابطة في مقدمتها القدرة والإرادة والمصداقية. فلا تكفي القدرة إذا لم يعتقد الخصم أن الدولة مستعدة لاستخدامها، كما لا تكفي الإرادة إذا لم تسندها وسائل فعلية. أما المصداقية فهي التي تربط بينهما، لأنها تجعل الخصم يعتقد أن التهديد يمكن تنفيذه إذا تجاوز الحدود التي حددها الطرف الرادع.
ويتحقق الردع في صورته الأساسية بطريقتين: الردع بالعقاب (Deterrence by Punishment)، أي تهديد الخصم بإيقاع خسائر جسيمة به إذا أقدم على العدوان؛ والردع بالمنع (Deterrence by Denial)، أي إقناعه بأنه لن يستطيع تحقيق أهدافه لأن الطرف المدافع يمتلك القدرة على إحباط الهجوم أو حرمانه من ثماره. وبعبارة مبسطة، تقول رسالة العقاب: إذا فعلت ذلك فسوف تدفع ثمنًا باهظًا، بينما تقول رسالة المنع: لن تستطيع تحقيق ما تريد حتى إذا حاولت.
لكن امتلاك القدرة لا يكفي لتحقيق الردع؛ إذ ينبغي أن تصل الرسالة إلى الخصم وأن يفهمها بالطريقة المقصودة. ولذلك يمثل الاتصال الاستراتيجي جزءًا أساسيًا من عملية الردع، سواء تم من خلال التصريحات السياسية أو نشر القوات أو المناورات أو رفع درجات الاستعداد. غير أن النتيجة تتوقف في النهاية على إدراك الخصم للرسالة، لا على ما يعتقد الطرف الرادع أنه أرسله، وهو ما يجعل سوء الإدراك أحد الأسباب المهمة لفشل الردع (Jervis, 1976).. وقد كانت الحرب الباردة المختبر الأكبر لهذه النظرية. فالقدرة على توجيه ضربة نووية انتقامية حتى بعد التعرض لضربة أولى جعلت الحرب الشاملة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي خيارًا لا يستطيع أي منهما تحمل نتائجه. ومع ذلك، لم يمنع الردع النووي الحروب الإقليمية والأزمات والصراعات بالوكالة. وهذه ملاحظة مهمة لفهم الردع في عالم اليوم: قد ينجح الردع في منع مستوى معين من الصراع، بينما يفشل في منع مستويات أخرى منه. ومن ثم فإن اندلاع الحرب لا يعني بالضرورة انهيار الردع بكامله، بل قد يكشف حدود المجال الذي يستطيع العمل فيه. كما يفترض الردع قدرًا من العقلانية في حساب الكلفة والعائد، لكن هذه العقلانية ليست مطلقة. فالدول والقيادات تختلف في تقدير المخاطر، وفي أهمية المصالح التي تدافع عنها، وفي استعدادها لتحمل الخسائر. ولذلك فإن فهم الخصم وثقافته الاستراتيجية ودوافعه لا يقل أهمية عن معرفة حجم القوة التي يمتلكها الطرفان.
وهكذا ظل جوهر الردع، رغم تطور نظرياته وأدواته، ثابتًا: التأثير في قرار الخصم قبل استخدام القوة. لكن البيئة التي يعمل فيها هذا المنطق تغيرت جذريًا. فالنموذج الذي تشكل أساسًا في عالم الدول والأسلحة التقليدية والنووية أصبح مطالبًا اليوم بالتعامل مع الفضاء والفضاء السيبراني والمسيّرات والحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي والفاعلين من غير الدول. ولذلك لم يعد السؤال ما إذا كان الردع قد فقد قيمته، بل ما إذا كانت الأدوات والمفاهيم التقليدية التي استخدمناها لتحقيقه ما تزال كافية لعالم تغيرت فيه طبيعة القوة والحرب والخصم معًا.

لماذا لم يعد الردع التقليدي كافيًا؟
لم يفقد الردع التقليدي قيمته، ولا تزال القوة العسكرية التقليدية والنووية عنصرًا رئيسًا في حسابات الدول. لكن البيئة التي يعمل فيها تغيرت بصورة أسرع من الأدوات والمفاهيم التي صُممت للتعامل معها. فقد نشأ في بيئة كان التهديد فيها أكثر وضوحًا: دولة في مواجهة دولة، وقوات معروفة، وحدود محددة، وهجوم يمكن تحديد مصدره. أما الصراع المعاصر فأصبح أكثر تعقيدًا وغموضًا وتداخلًا.
ويتمثل أحد أهم التحولات في تغير طبيعة الفاعلين. فإلى جانب الدول، أصبحت الجماعات المسلحة والميليشيات والتنظيمات العابرة للحدود والشبكات العاملة بالوكالة قادرة على استخدام القوة. كما تستطيع دول توظيف هذه الأطراف لتحقيق أهدافها مع الاحتفاظ بمسافة تسمح بإنكار المسؤولية، مما يعقد العلاقة بين الفعل والرد. وتغيرت كذلك أدوات القوة؛ فقد أصبحت الصواريخ الدقيقة والمسيّرات والذخائر المتسكعة والهجمات السيبرانية والحرب الإلكترونية والقدرات الفضائية متاحة لقوى لم تكن تستطيع سابقًا منافسة الدول الكبرى. وأصبح ممكنًا إحداث تأثير استراتيجي كبير بوسائل منخفضة الكلفة نسبيًا.
وتبرز هنا مشكلة الإسناد (Attribution). فبينما يمكن عادة تحديد مصدر الهجوم الصاروخي، قد يصعب تحديد المسؤول عن اختراق سيبراني أو حملة تضليل أو عملية تنفذها جهة وسيطة. والردع يحتاج إلى معرفة من نردعه؛ فإذا غابت هذه المعرفة أو تأخرت ضعفت العلاقة بين التهديد والعقاب (Libicki, 2009). . كما أدت الوسائل الجديدة إلى انخفاض عتبة استخدام القوة. فأصبح بالإمكان تنفيذ هجمات سيبرانية أو عمليات بالمسيّرات والحرب الإلكترونية والوكلاء مع إبقائها دون مستوى الحرب الشاملة. ومن هنا اتسعت «المنطقة الرمادية» بين الحرب والسلام، حيث يمكن ممارسة الضغط وإلحاق الضرر واختبار إرادة الخصم دون تجاوز واضح للعتبة التي تستوجب ردًا عسكريًا واسعًا.
وتجسد المسيّرات هذه المعضلة بوضوح؛ فهي تجمع بين انخفاض الكلفة والدقة وتقليل المخاطر البشرية، ومع تطور الأسراب والأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي أصبح الردع يتطلب، إلى جانب التهديد بالعقاب، القدرة على كشف الهجوم وإرباك شبكته وإسقاط وسائطه وحماية أهدافه.
وفي الوقت نفسه أدى الاعتماد على الفضاء والفضاء السيبراني والطيف الكهرومغناطيسي إلى ظهور مواطن ضعف جديدة. فالقوات الحديثة تعتمد على الأقمار الصناعية والاتصالات والشبكات الرقمية وأجهزة الاستشعار، مما يتيح للخصم محاولة شل القوة باستهداف هذه المنظومات بدلًا من مهاجمة القوات مباشرة.
وهنا تتغير معادلة الردع. ففي النموذج التقليدي كانت الرسالة واضحة: إذا هاجمتني فسأرد عليك. أما اليوم فتسبق الرد أسئلة أكثر تعقيدًا: ما الذي يعد هجومًا؟ ومن نفذه؟ ومتى يستوجب الرد؟ وهل يكون الرد عسكريًا أم سيبرانيًا أم اقتصاديًا أو تكنولوجيًا؟ وهل يقع في المجال نفسه؟
وتزيد الترابطات الاقتصادية والتكنولوجية هذا التعقيد؛ فالتنافس يشمل اليوم أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد والطاقة والاتصالات، وأصبح حرمان الخصم من تكنولوجيا حيوية أو موارد أساسية وسيلة للتأثير في قدرته الاستراتيجية.
ولا يعني ذلك أن الردع التقليدي أصبح عديم الفائدة؛ فالقوة التقليدية والنووية ما تزال حاسمة، لكنها لم تعد كافية منفردة لمواجهة طيف التهديدات المعاصرة، لأن الخصم سيبحث عن المجال الذي تكون فيه دفاعات الدولة أضعف ويتجنب مجال تفوقها.
ومن هنا يظهر جوهر المشكلة: الردع التقليدي يفترض بدرجة كبيرة علاقة بين تهديد محدد واستجابة محددة، بينما أصبحت القوة المعاصرة تعمل ضمن شبكة من المجالات المتداخلة. ولذلك لم تعد المسألة إضافة سلاح جديد، بل إعادة التفكير في كيفية استخدام مجموع عناصر القوة لمنع الخصم من تحقيق أهدافه. وهذا يقود إلى السؤال المحوري:
إذا أصبحت الحرب متعددة المجالات، أفلا ينبغي أن يصبح الردع نفسه متعدد المجالات؟

الردع متعدد المجالات: المفهوم والخصائص وآليات العمل
إذا كان الانتقال من العمليات متعددة المجالات إلى الردع متعدد المجالات يمثل تحولًا من المستوى العملياتي إلى الاستراتيجي، فإن تحديد مضمونه يقتضي تجاوز النظر إليه باعتباره مجرد إضافة مجالات جديدة إلى الردع التقليدي. فجوهر المفهوم لا يتمثل في جمع الردع السيبراني والفضائي والإلكتروني والعسكري تحت تسمية واحدة، وإنما في دمج القدرات المتاحة للدولة في منظومة تستطيع التأثير في حسابات الخصم عبر مجالات مختلفة ومترابطة.
التعريف المقترح
ويمكن، لأغراض هذا المقال، تعريف الردع متعدد المجالات (Multi-Domain Deterrence) بأنه: منظومة استراتيجية متكاملة تهدف إلى منع الخصم من القيام بفعل غير مرغوب فيه، من خلال توظيف القدرات العسكرية والسيبرانية والفضائية والإلكترونية والاقتصادية والتكنولوجية والمعلوماتية، منفردة أو مجتمعة، بما يقنعه بأن عمله لن يحقق أهدافه، أو أن الكلفة التي ستترتب عليه ستفوق المكاسب المتوقعة منه.
ولا ندعي أن هذا التعريف يمثل نظرية مستقرة ومكتملة في الأدبيات الاستراتيجية، بل هو إطار تحليلي يستند إلى تطور مفاهيم الردع عبر المجالات (Cross-Domain Deterrence) والردع المتكامل (Integrated Deterrence)، وإلى المنطق الذي قامت عليه العمليات متعددة المجالات. لكنه يركز بصورة خاصة على العلاقة الديناميكية بين المجالات، والقدرة على الانتقال بينها ودمج تأثيراتها وفق طبيعة الخصم والتهديد (Gartzke & Lindsay, 2019; U.S. Department of Defense, 2022). .
وأولى خصائص هذا الردع هي التكامل. فالقدرات المختلفة لا تحقق قيمتها الردعية القصوى عندما تعمل منفصلة، وإنما عندما يدرك الخصم أنها أجزاء من منظومة مترابطة. فقد تكشف الأقمار الصناعية إطلاق صاروخ، ويحلل الذكاء الاصطناعي مساره، وتنقل القيادة والسيطرة المعلومات، وتعترضه منظومات الدفاع الجوي، بينما تعمل الحرب الإلكترونية والسيبرانية على تعطيل المنظومات التي تدعم الهجوم. وهنا لا ينتج الردع عن سلاح منفرد، بل عن منظومة متكاملة تحرم الخصم من تحقيق غايته.
والخاصية الثانية هي المرونة في اختيار مجال الرد. ففي الردع متعدد المجالات لا يشترط أن تكون الاستجابة من جنس الفعل؛ فقد يكون الرد على هجوم سيبراني اقتصاديًا أو تكنولوجيًا أو عسكريًا، وقد تواجه حملة معلوماتية بإجراءات سيبرانية ودبلوماسية واقتصادية. وهذه المرونة توسع خيارات صانع القرار وتجعل حسابات الخصم أكثر تعقيدًا.
أما الخاصية الثالثة فهي الجمع بين الردع بالعقاب والردع بالمنع. فالدولة قد تبني دفاعات جوية وصاروخية وسيبرانية تمنع الخصم من تحقيق أهدافه، وفي الوقت نفسه تحتفظ بقدرات هجومية عسكرية وسيبرانية واقتصادية تفرض عليه كلفة إضافية. وبذلك يواجه الخصم احتمالين متزامنين: الفشل في تحقيق الهدف، ودفع ثمن المحاولة.
وتتمثل الخاصية الرابعة في توسيع مفهوم القدرة الوطنية. فلم تعد القدرة الردعية تقاس بالدبابات والطائرات والصواريخ والرؤوس النووية وحدها؛ فالتكنولوجيا وأشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي وشبكات المال والتجارة والبيانات والاتصالات وسلاسل الإمداد والوصول إلى الفضاء أصبحت عناصر في القوة الوطنية وقدرة الدولة على الصمود وإلحاق الكلفة بالخصم.
غير أن تعدد الأدوات لا يجعل كل قدرة أداة ردع تلقائيًا. فلكي تصبح القدرة قدرة ردعية ينبغي أن يعرف الخصم بوجودها، وأن يعتقد بإمكان استخدامها، وأن يدرك تأثيرها المحتمل في مصالحه. وهنا تبقى العناصر التقليدية للردع حاضرة: القدرة والإرادة والمصداقية والإدراك. فتعدد المجالات لا يلغي هذه المبادئ، بل يجعل تحقيقها أكثر تعقيدًا.
ومن هنا تبرز أهمية الاتصال الاستراتيجي. فالخصم لا يُردع بقدرة لا يعرفها أو لا يفهم الظروف التي يمكن استخدامها فيها. لكن بعض القدرات الحديثة، ولا سيما السيبرانية والاستخبارية والفضائية، تستمد جزءًا من قيمتها من السرية، مما يخلق مفارقة بين إظهار القدرة لتحقيق الردع وإخفائها للمحافظة على فاعليتها. وترتبط بذلك مسألة الغموض الاستراتيجي. فقد يكون عدم معرفة الخصم بكيفية الرد ومجاله وتوقيته عاملًا يزيد حساباته تعقيدًا، لكن الغموض المفرط قد يؤدي إلى سوء فهم الخطوط الحمراء. ولذلك يحتاج الردع متعدد المجالات إلى وضوح في المصالح التي ستدافع عنها الدولة وإرادتها في الدفاع عنها، وغموض محسوب في الوسيلة والتوقيت والمجال الذي ستختاره للاستجابة.
كما يكتسب الصمود والمرونة (Resilience) أهمية متزايدة. ففي عصر الهجمات السيبرانية والمسيّرات والصواريخ الدقيقة لا يمكن ضمان منع كل ضربة؛ ومن ثم تصبح قدرة الدولة على امتصاص الهجوم والمحافظة على وظائفها الأساسية واستعادة قدراتها بسرعة جزءًا من الردع بالمنع. فإذا أدرك الخصم أن مهاجمة الكهرباء أو الاتصالات أو القيادة والسيطرة لن تحقق الانهيار المطلوب، تراجعت جاذبية الهجوم الاستراتيجية (NATO, 2022).
ويطرح تعدد المجالات أيضًا مشكلة إدارة التصعيد. فالانتقال من مجال إلى آخر لا يخضع لمقياس موحد للكلفة والخطر؛ فقد يرد على هجوم سيبراني بعمل عسكري، أو تؤدي عقوبات اقتصادية إلى أضرار تفوق ضربة عسكرية محدودة. وما يراه طرف استجابة متناسبة قد يراه الآخر تصعيدًا خطيرًا. ولذلك يصبح فهم تصور الخصم لسلم التصعيد جزءًا من الردع متعدد المجالات.
وتبرز كذلك مشكلة الإسناد (Attribution)، خصوصًا في المجال السيبراني والمعلوماتي والعمليات المنفذة بواسطة الوكلاء. فإذا تعذر تحديد المسؤول بدرجة كافية من اليقين، أصبح التهديد بالعقاب أقل مصداقية. ولهذا أصبحت الاستخبارات والتحليل الرقمي والمراقبة الفضائية وتبادل المعلومات بين الحلفاء جزءًا من البنية الأساسية للردع، لا مجرد وظائف مساندة له.
ومن أهم آليات الردع متعدد المجالات إيجاد المعضلات أمام الخصم. فبدل أن يواجه دفاعًا واحدًا يستطيع التركيز على اختراقه، يجد شبكة من الدفاعات والتهديدات والبدائل. فإذا حاول تجاوز التفوق الجوي بالصواريخ والمسيّرات واجه دفاعات صاروخية وإلكترونية وسيبرانية؛ وإذا لجأ إلى الهجوم السيبراني واجه شبكات أكثر صمودًا واحتمال الرد في مجال آخر. والغاية ليست تحقيق التفوق المطلق في كل مجال، بل حرمان الخصم من العثور على مجال يستطيع العمل فيه بحرية ومن دون كلفة.
عقل الخصم هو الهدف
ومع ذلك يبقى الردع متعدد المجالات خاضعًا للقاعدة الأساسية التي حكمت الردع منذ نشأته: إنه يعمل في عقل الخصم قبل أن يعمل في ميدان المعركة. فالقوة لا تردع بذاتها، مهما تعددت مجالاتها، وإنما عندما تتحول في إدراك الخصم إلى حساب للكلفة والمخاطرة واحتمال الفشل. ولذلك لا يمثل الردع متعدد المجالات إلغاءً للردع التقليدي، بل توسيعًا لنطاقه وتكييفًا لمنطقه مع بيئة أصبحت فيها القوة موزعة بين مجالات عسكرية ورقمية وفضائية واقتصادية ومعلوماتية مترابطة. ومن هنا يمكن اختصار منطقه في معادلة فكرية بسيطة: ليس المطلوب أن نكون الأقوى في كل مجال، بل أن نمتلك من التكامل والمرونة والمصداقية ما يجعل الخصم عاجزًا عن العثور على مجال يستطيع من خلاله تحقيق هدفه بكلفة مقبولة. عندئذ فقط تتحول تعددية المجالات من مجرد تعدد في أدوات القوة إلى منظومة ردع استراتيجية حقيقية.

مجالات الردع الجديدة وتكامل أدوات القوة
أدى اتساع مفهوم الأمن وتطور التكنولوجيا إلى توسيع المجالات التي يمكن أن يمارس فيها الردع. فبعد أن ارتبط تاريخيًا بالقوة العسكرية التقليدية والنووية، أصبحت الدولة مطالبة بحماية مصالحها في بيئة تشمل الفضاء السيبراني والخارجي والطيف الكهرومغناطيسي والمجال المعلوماتي، فضلًا عن الاقتصاد والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد. ولا يعني ذلك تراجع أهمية القوة العسكرية، وإنما أصبحت تعمل ضمن منظومة أوسع تتفاعل فيها أدوات متعددة لتحقيق التأثير الاستراتيجي.
وتظل القوة الصاروخية من أبرز أدوات الردع العسكري؛ فقد منحت الصواريخ الباليستية والجوالة والأسلحة الدقيقة بعيدة المدى دولًا متوسطة القوة القدرة على تهديد أهداف استراتيجية بعيدة. ولا تنبع قيمتها من قدرتها التدميرية وحدها، بل من تهديدها مراكز القيادة والقواعد والمنشآت الحيوية. وفي المقابل أضافت الدفاعات المضادة للصواريخ بعدًا للردع بالمنع، فأصبحت المعادلة تجمع بين اعتراض الهجوم والقدرة على الرد عليه (Freedman, 2004; Morgan, 2003).
وإلى جانبها برزت الطائرات المسيّرة والأنظمة غير المأهولة، التي تنفذ مهام الاستطلاع والمراقبة والهجوم والتشويش بكلفة أقل من المنصات التقليدية، وتزداد أهميتها مع تطور الأسراب والأنظمة الذاتية والذكاء الاصطناعي. غير أن أثرها مزدوج؛ فهي تعزز القدرة على المراقبة والتهديد والاستجابة، لكنها قد تخفض عتبة استخدام القوة بسبب انخفاض كلفتها والمخاطر البشرية المرتبطة بها.
أما المجال السيبراني فقد أحدث تغييرًا أعمق؛ إذ يمكن للهجوم أن يستهدف الكهرباء والمياه والمصارف والاتصالات والنقل والقيادة والسيطرة من دون عبور الحدود. وتتمثل المعضلة في صعوبة الإسناد وإمكان الإنكار وعدم وضوح العتبة التي يتحول عندها النشاط السيبراني إلى عمل يستوجب الرد (Libicki, 2009). ولذلك يقوم الردع السيبراني على المنع والصمود بقدر ما يقوم على العقاب؛ فحماية الشبكات وامتلاك الأنظمة الاحتياطية والقدرة على استعادة الخدمات تقلل مكاسب المهاجم، مع إمكان الرد في مجال آخر بدلًا من الرد السيبراني المماثل (Gartzke & Lindsay, 2019).
ويتداخل معه الطيف الكهرومغناطيسي والحرب الإلكترونية؛ فاعتماد القوات الحديثة على الاتصالات والرادارات والملاحة وتبادل البيانات جعل التشويش والخداع الإلكتروني وتعطيل أجهزة الاستشعار، أو حمايتها، جزءًا من القوة الردعية. وقد لا يكون من الضروري تدمير منصة الخصم إذا أمكن حرمانها من المعلومات أو الملاحة والاتصال، وهي صورة واضحة للردع بالمنع.
ويحتل الفضاء الخارجي موقعًا متزايد الأهمية؛ فالأقمار الصناعية أساسية للإنذار والاستطلاع والاتصالات والملاحة وتحديد الأهداف، لكن الاعتماد عليها يخلق مواطن ضعف جديدة. ولذلك أصبح الحفاظ على الوصول إلى الفضاء وحماية الأصول الفضائية وامتلاك بدائل لها جزءًا من الصمود الاستراتيجي.
ولا تقتصر أدوات الردع الجديدة على المجالات العسكرية والتقنية، إذ أصبح الاقتصاد أداة استراتيجية من خلال العقوبات وتجميد الأصول وتقييد التجارة والاستثمار والوصول إلى الأسواق. لكن فاعلية الردع الاقتصادي تختلف باختلاف اعتماد الخصم على الاقتصاد الخارجي وأهمية الهدف الذي يسعى إليه؛ فقد تقبل الدول خسائر اقتصادية مرتفعة دفاعًا عن مصالح تعدها حيوية.
وأصبح الردع التكنولوجي أكثر وضوحًا مع تحول الرقائق الإلكترونية والحوسبة المتقدمة والذكاء الاصطناعي والاتصالات والتقنيات الفضائية إلى مكونات أساسية للقوة العسكرية والاقتصادية. ومن ثم يمكن أن يشكل تقييد وصول الخصم إلى التكنولوجيا الحساسة وسيلة لإبطاء نمو قدراته، لينتقل جانب من التنافس من السيطرة على الأرض والموارد إلى السيطرة على المعرفة والبيانات والقدرة على الابتكار.
ويضاف إلى ذلك المجال المعلوماتي والإعلامي؛ فالردع يعمل من خلال الإدراك، والإدراك يتشكل بالمعلومات. ولذلك تستطيع حملات التضليل والعمليات النفسية استهداف ثقة المجتمع بمؤسساته ومعنويات القوات المسلحة وإرادة القيادة، وإن ظل قياس تأثيرها أكثر صعوبة.
وتظل القوة النووية، حيثما وجدت، في قمة هرم الردع بسبب قدرتها الاستثنائية على التدمير ومنع الحرب الوجودية بين القوى النووية. والردع متعدد المجالات لا يحل محلها، بل يضعها ضمن منظومة أوسع تتدرج فيها الخيارات من الأدوات السيبرانية والاقتصادية والتكنولوجية والقوة التقليدية وصولًا إلى النووي في الحالات القصوى (U.S. Department of Defense, 2022; NATO, 2022).
لكن النقطة الأهم هي أن القيمة الاستراتيجية لهذه الأدوات لا تكمن في عددها، وإنما في تكاملها. فامتلاك الصواريخ والمسيّرات والقدرات السيبرانية والأقمار الصناعية والحرب الإلكترونية لا يصنع بذاته ردعًا متعدد المجالات؛ بل يتطلب قيادة وسيطرة واستخبارات وإنذارًا مبكرًا وشبكات آمنة وعقيدة تحدد كيفية استخدام القدرات وإرادة سياسية قادرة على اتخاذ القرار.
وقد تناولتُ في دراستي الموسومة (العمليات متعددة الأوساط) عام 2019 فكرة أن العمل في المجالات المختلفة يتطلب جمع الإمكانات وتوحيد تأثيراتها، لا مجرد وجودها جنبًا إلى جنب. وعند نقل هذه الفكرة من المستوى العملياتي إلى الاستراتيجي تصبح أكثر أهمية: التكامل هو الذي يحول تعدد القدرات إلى قوة، والقوة إلى قدرة ردعية.
وفي هذه البيئة يصبح الخصم أمام شبكة من الحسابات بدلًا من تهديد واحد؛ فإذا تجاوز الدفاع في مجال فقد يواجه الرد في آخر، وإذا حمى نفسه من العقاب العسكري فقد تبقى لديه مواطن ضعف اقتصادية أو تكنولوجية أو سيبرانية. ومن هنا يتغير مفهوم القوة نفسه: فالدولة الأقوى ليست بالضرورة الأكثر امتلاكًا للأسلحة، وإنما الأقدر على ربط عناصر قوتها وتحويلها إلى تأثير استراتيجي منسق. وهذه النقلة من تعدد الأدوات إلى تكاملها تقودنا إلى العامل القادر على جمع البيانات وربط المجالات وتسريع القرار بصورة غير مسبوقة: وهو الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي وإعادة تشكيل معادلة الردع
إذا كان تعدد المجالات قد وسع نطاق الردع وأدواته، فإن الذكاء الاصطناعي يمثل العامل الذي يمكن أن يغير طريقة عمل هذه المجالات وترابطها وسرعة استخدامها. فهو ليس مجالًا مستقلًا من مجالات الصراع بالمعنى الذي نتحدث فيه عن البر أو البحر أو الجو أو الفضاء والفضاء السيبراني، بل قدرة أفقية عابرة للمجالات تدخل في معظمها وتربط بينها.
وقد تناولتُ في كتابي الصادر عام 2025( مدخل إلى الذكاء الاصطناعي واستخداماته في المجال العسكري) هذا التحول من زاوية تأثير الذكاء الاصطناعي في طبيعة العمليات العسكرية، ولا سيما تحليل البيانات واتخاذ القرار والأنظمة القتالية المستقلة والقيادة والسيطرة، وما يرتبط بذلك من مخاطر تشغيلية واستراتيجية (خماس، 2025). وما يهمنا هنا هو البعد الردعي لهذا التحول؛ فالذكاء الاصطناعي لا يضيف سلاحًا جديدًا إلى الترسانة فحسب، وإنما يمكن أن يغير عمليات الاستشعار والتحليل وتحديد الأهداف والقيادة والسيطرة، وبالتالي يؤثر مباشرة في الحسابات التي يقوم عليها الردع.
لقد قامت نظرية الردع التقليدية على افتراض وجود وقت يسمح للقيادة السياسية والعسكرية بتقدير التهديد وموازنة الكلفة والعائد واتخاذ القرار. وحتى في البيئة النووية، حيث كان زمن الإنذار قصيرًا، ظل الإنسان في مركز عملية اتخاذ القرار. أما الذكاء الاصطناعي فيتيح تحليل كميات هائلة من المعلومات بسرعة تتجاوز القدرة البشرية، وربط بيانات الأقمار الصناعية والرادارات والطائرات وأجهزة الاستشعار والمصادر الاستخبارية والشبكات الرقمية في صورة شبه آنية للموقف. وبذلك يصبح الزمن نفسه عنصرًا من عناصر القوة والردع (Horowitz, 2018). . وتظهر أهمية ذلك أولًا في الإنذار المبكر. فالقدرة على اكتشاف استعدادات الخصم وتحليلها والتنبؤ بسلوكه تقلل فرص المفاجأة وتتيح اتخاذ إجراءات دفاعية أو ردعية قبل وقوع الهجوم. وإذا أدرك الخصم أن تحركاته يصعب إخفاؤها، وأن الطرف الآخر قادر على اكتشافها وربط مؤشراتها بسرعة، تراجعت فرص نجاح المفاجأة، وتعزز بذلك الردع بالمنع. لكن الميزة نفسها تحمل خطرًا معاكسًا؛ فالخوارزمية لا تفهم النيات السياسية بالمعنى الإنساني، وإنما تستخلص أنماطًا واحتمالات من البيانات. وقد تفسر نشاطًا تدريبيًا بوصفه استعدادًا للهجوم، أو تفشل في اكتشاف عملية خداع، أو تعتمد على بيانات ناقصة أو مضللة. وفي بيئة شديدة التوتر يمكن أن يتحول الخطأ الخوارزمي إلى خطأ استراتيجي إذا بنت القيادة قرارها على تحليل آلي غير صحيح (Geist & Lohn, 2018)..
ويرتبط بذلك تسريع دورة القرار. فالذكاء الاصطناعي يستطيع تقليص المدة بين اكتشاف التهديد وتحليله واتخاذ القرار والاستجابة له. وهذا يمثل ميزة عملياتية مهمة، لكنه قد يصبح مصدرًا للخطر في الأزمات؛ لأن الطرف الذي يعتقد أن خصمه يستطيع اتخاذ القرار وتنفيذه خلال ثوان أو دقائق قد يشعر بأنه لا يملك الوقت الكافي للتريث. ومن هنا قد تتحول السرعة من عامل يعزز الردع إلى عامل يزيد خطر التصعيد وسوء التقدير. وتزداد المسألة حساسية عندما يقترن الذكاء الاصطناعي بالأنظمة الذاتية وشبه الذاتية. فالمسيّرات والأسلحة غير المأهولة تستطيع تنفيذ عدد متزايد من الوظائف باستقلال متفاوت عن الإنسان، وقد تتطور أسراب قادرة على التنسيق وتوزيع المهام والتكيف مع البيئة العملياتية. وهذا يوفر إمكانات كبيرة للردع بالمنع، لكنه يطرح سؤالًا استراتيجيًا وأخلاقيًا بالغ الأهمية: إلى أي مدى يمكن تفويض الآلة في استخدام القوة؟ وهنا ينبغي التمييز بوضوح بين استخدام الذكاء الاصطناعي لمساعدة القرار، وتسليم القرار الاستراتيجي إليه. ففي الحالة الأولى يستطيع النظام جمع المعلومات وتحليل البدائل وتقديم التوصيات، بينما يبقى القرار النهائي بيد الإنسان. أما تفويض النظام باتخاذ قرارات ذات آثار استراتيجية واسعة فيثير مشكلات تتجاوز التكنولوجيا إلى المسؤولية السياسية والأخلاقية والقانونية. ولذلك أكدت السياسات المتعلقة بالأنظمة الذاتية ضرورة المحافظة على مستويات مناسبة من الحكم البشري على استخدام القوة (U.S. Department of Defense, 2023). . ويؤثر الذكاء الاصطناعي كذلك في مصداقية الردع. فإذا امتلكت الدولة منظومات تستطيع اكتشاف الهجوم بسرعة، والمساعدة في تحديد مصدره، وتحليل خيارات الاستجابة، فإن الخصم يصبح أقل ثقة بقدرته على تنفيذ ضربة ناجحة أو الإفلات من الرد. ويكتسب ذلك أهمية خاصة في المجال السيبراني، حيث تمثل مشكلة الإسناد إحدى نقاط ضعف الردع. غير أن الذكاء الاصطناعي يستطيع دعم الإسناد التقني، لا أن يحل المشكلة نهائيًا، لأن تحديد المسؤولية السياسية عن الهجوم يظل معتمدًا على الاستخبارات والسياق إلى جانب الأدلة التقنية.
وفي المقابل، يفتح الذكاء الاصطناعي الباب أمام التضليل والخداع على نطاق غير مسبوق. فالتزييف العميق وتوليد الصور والأصوات والنصوص الاصطناعية يمكن استخدامها لإرباك القيادة أو التأثير في الرأي العام ونشر معلومات كاذبة أثناء الأزمات. وقد تصبح سلامة البيانات نفسها موضع صراع، بحيث لا يعود السؤال فقط عما إذا كانت المعلومة صحيحة، وإنما عما إذا كانت البيانات التي تعتمد عليها الخوارزمية قد جرى التلاعب بها عمدًا. ومن هنا تتعزز أهمية المرونة والصمود. فليس من الواقعي افتراض إمكان منع كل هجوم سيبراني أو معلوماتي أو هجوم بالمسيّرات. ولذلك تصبح قدرة الدولة والقوات المسلحة والشبكات الحيوية على مواصلة العمل بعد التعرض للهجوم جزءًا من الردع. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في اكتشاف الأعطال وإعادة توزيع الموارد واستعادة الشبكات وتوفير مسارات بديلة للقيادة والسيطرة. فإذا علم الخصم أن هجومه لن يحقق الشلل الذي يريده، تراجعت فائدته الاستراتيجية.
لكن أحد أخطر آثار الذكاء الاصطناعي قد يكون زيادة عدم اليقين في زمن الأزمة. فقد استند الردع التقليدي، رغم مخاطره، إلى قدر من المعرفة المتبادلة بقدرات الخصم وقواعد سلوكه. أما الخوارزميات العسكرية فهي غالبًا سرية، ولا يعرف الطرف الآخر كيف تعمل أو كيف ستفسر سلوكه. بل قد لا يعرف مستخدمها بصورة كاملة كيف ستتصرف بعض الأنظمة المعقدة في ظروف لم تختبر سابقًا. وهكذا يظهر نوع جديد من عدم اليقين الاستراتيجي: ليس بشأن نيات الخصم فقط، بل بشأن سلوك الأنظمة التي يعتمد عليها في اتخاذ القرار.
ويزداد هذا الخطر مع سباق القوى الكبرى نحو التفوق في الذكاء الاصطناعي. فإذا اعتقدت دولة أن منافسها على وشك تحقيق اختراق تكنولوجي يمنحه قدرة كبيرة على اكتشاف قواتها أو تعطيل شبكاتها أو تهديد قدراتها الاستراتيجية، فقد تخشى تغير ميزان القوة بسرعة. ولذلك لا ينبغي قياس أثر الذكاء الاصطناعي في الردع بحجم القدرات التي يوفرها فقط، وإنما أيضًا بما يخلقه من تصورات ومخاوف وتوقعات لدى الخصوم (Horowitz, 2018). . كما قد يقلل انتشار الذكاء الاصطناعي بعض الفوارق التقليدية بين القوى الكبرى والمتوسطة، بل وبين الدول وبعض الفاعلين من غير الدول؛ فالبرمجيات والخوارزميات أكثر قابلية للانتشار من حاملات الطائرات والقاذفات الاستراتيجية، ويمكن دمجها مع المسيّرات التجارية ووسائل الاتصال والتكنولوجيا منخفضة الكلفة. وبذلك قد يستطيع طرف أضعف ماديًا إحداث تأثير لا يتناسب مع حجم موارده، وهو ما يعيد تشكيل العلاقة التقليدية بين حجم القوة وحجم التأثير. ومع ذلك يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يعزز الردع متعدد المجالات بدرجة كبيرة إذا استخدم بوصفه أداة للتكامل لا بديلًا عن القرار الاستراتيجي. فهو يستطيع جمع المعلومات الواردة من المجالات البرية والجوية والبحرية والفضائية والسيبرانية والإلكترونية، وتقديم صورة مشتركة للموقف وتحليل خيارات الرد وآثارها المحتملة. وهنا تظهر الصلة المباشرة بينه وبين العمليات متعددة المجالات؛ فالتكامل الذي كان يحتاج إلى جهود بشرية وتنظيمية ضخمة يمكن أن يصبح أسرع وأكثر دقة بفضل الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي. وبذلك لا يلغي الذكاء الاصطناعي المبادئ الأساسية للردع، وإنما يعيد تشكيل البيئة التي تعمل فيها. فالقدرة والإرادة والمصداقية والإدراك ما تزال عناصر حاسمة، لكن القدرة أصبحت أكثر اعتمادًا على البيانات والخوارزميات، والإدراك أكثر تعرضًا للتلاعب الرقمي، والمصداقية أكثر ارتباطًا بسرعة الاستجابة والصمود الشبكي إلى جانب حجم الترسانة.
ولعل الخطر الأكبر لا يكمن في أن تصبح الآلة أذكى من الإنسان في بعض الوظائف العسكرية، بل في أن تصبح سرعة الآلة أكبر من قدرة الإنسان السياسي على التفكير في عواقب القرار. ولذلك ينبغي أن يكون الهدف من إدخال الذكاء الاصطناعي في منظومة الردع تحسين المعرفة، وزيادة خيارات القرار، وتقوية القدرة على المنع، لا اختصار التفكير السياسي أو إلغاء الحكم البشري.
فالردع، مهما بلغت درجة أتمتته، يبقى في النهاية علاقة بين إرادتين سياسيتين، وغايته ليست جعل الحرب أسرع وأكثر ذكاءً، وإنما جعل قرار البدء بها أقل عقلانية وأكثر كلفة في حسابات الخصم.
وقد خلصتُ عند دراسة مستقبل الاستخدام العسكري للذكاء الاصطناعي إلى أن أهميته لا تكمن في استبدال الإنسان بالآلة، وإنما في قدرته على تغيير سرعة جمع المعلومات وتحليلها ودعم القرار وربط الأنظمة والقدرات المختلفة (خماس، 2025). وما نضيفه هنا هو البعد الردعي لهذه التحولات: فإذا كان الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل طريقة استخدام القوة، فمن الطبيعي أن يعيد أيضًا تشكيل الطريقة التي تستخدم بها هذه القوة لمنع الحرب وردع الخصم.

الردع بين الإنسان والآلة: مخاطر القرار والت
أدخل الذكاء الاصطناعي إلى معادلة الصعيدردع عنصرًا لم يكن حاضرًا بهذه القوة في النظريات التقليدية، هو احتمال انتقال جزء متزايد من عملية التقدير والاختيار والاستجابة من الإنسان إلى الآلة. وإذا كان استخدام الحاسوب في دعم القرار العسكري ليس جديدًا، فإن التطور الراهن يختلف من حيث السرعة وحجم البيانات وقدرة الخوارزميات على تحليل الموقف واقتراح البدائل، بل وتنفيذ بعض المهام بدرجات متفاوتة من الاستقلال. ومن هنا يبرز سؤال يتجاوز الكفاءة العسكرية إلى جوهر الاستراتيجية:

أين ينبغي أن ينتهي دور الآلة، وأين يجب أن يبقى القرار للإنسان؟
وقد تناولتُ في كتابي (مدخل إلى الذكاء الاصطناعي واستخداماته في المجال العسكري) جوانب من هذه المعضلة عند مناقشة الأنظمة المستقلة ودعم اتخاذ القرار والمخاطر الأخلاقية والتشغيلية والاستراتيجية المرتبطة بالاستخدام العسكري للذكاء الاصطناعي (خماس، 2025). غير أن إدخال هذه التقنيات في منظومة الردع يضيف مستوى آخر من الخطورة؛ لأن الخطأ هنا قد لا يؤدي إلى خسارة تكتيكية أو فشل مهمة فحسب، وإنما إلى سوء تفسير نيات الخصم أو إطلاق سلسلة من الأفعال وردود الأفعال يصعب إيقافها.
وتتمثل المشكلة الأولى في ضغط الزمن. فكلما ازدادت سرعة اكتشاف التهديد وتحليله والاستجابة له، تقلص الوقت المتاح أمام القيادة السياسية والعسكرية للتفكير والمراجعة والتأكد من صحة المعلومات. وقد يبدو امتلاك دورة قرار أسرع من الخصم ميزة واضحة، لكنه قد يتحول في الأزمات الحادة إلى مصدر للخطر؛ فإذا اعتقد كل طرف أن التأخر دقائق قليلة قد يفقده قدرته على الرد، فقد يميل إلى اتخاذ القرار اعتمادًا على مؤشرات أولية أو غير مكتملة. وهكذا يمكن للسرعة التي يفترض أنها تعزز الردع أن تصبح عاملًا يضعف الاستقرار الاستراتيجي (Geist & Lohn, 2018).
وتزداد الخطورة بسبب اعتماد الخوارزميات على تفسير الأنماط لا فهم النيات. فالآلة تستطيع رصد حركة القوات أو الاتصالات أو النشاط السيبراني، لكنها لا تدرك بالضرورة السياق السياسي والنفسي الذي يفسرها. وقد تكون حركة عسكرية استعدادًا للهجوم، أو مناورة تدريبية، أو إجراءً دفاعيًا اتخذه الخصم لأنه يخشى هجومًا وشيكًا. وإذا أخطأت الخوارزمية في تصنيفها، فإن المعضلة القديمة التي تناولها جيرفيس، أي سوء الإدراك (Misperception)، تعود بصورة جديدة، ولكن بسرعة وحجم أكبر بكثير (Jervis, 1976).
ويضاف إلى ذلك التحيز الآلي. فالذكاء الاصطناعي لا يعمل في فراغ؛ وإنما يعتمد على البيانات التي تدرب عليها والافتراضات التي وضعها مصمموه. فإذا كانت البيانات ناقصة أو متحيزة، أو نجح الخصم في التلاعب بها، فقد تنتج الخوارزمية تقديرًا يبدو دقيقًا وموضوعيًا وهو في الحقيقة خاطئ. وقد يكون ذلك أخطر أحيانًا من الخطأ البشري، لأن الثقة المفرطة بالتكنولوجيا قد تدفع صانع القرار إلى قبول توصية النظام باعتبارها أكثر يقينًا مما هي عليه.
أما المسألة الأكثر حساسية فتتعلق بالأسلحة الذاتية. فكلما ازداد استقلال النظام في اختيار الهدف وتوقيت الاشتباك، أصبح الحد الفاصل بين القرار البشري والقرار الآلي أقل وضوحًا. وقد تكون هذه الأنظمة ضرورية للاستجابة السريعة لهجوم واسع بالصواريخ أو المسيّرات، وبذلك تعزز الردع بالمنع؛ لكن منحها حرية واسعة في استخدام القوة قد يؤدي إلى اشتباك أو تصعيد لم تقصده القيادة السياسية أصلًا. ولهذا تؤكد السياسات المتعلقة بالأنظمة الذاتية ضرورة المحافظة على مستويات مناسبة من الحكم البشري والمسؤولية في استخدام القوة (U.S. Department of Defense, 2023; خماس، 2025).
وتصبح المشكلة أكثر خطورة في الردع متعدد المجالات؛ لأن قرارًا آليًا في مجال واحد قد يولد نتائج في مجالات أخرى. فقد يفسر نظام دفاع سيبراني نشاطًا معينًا بوصفه هجومًا، فينفذ استجابة تؤثر في شبكة قيادة عسكرية للخصم؛ فيفسر الخصم ذلك باعتباره مقدمة لهجوم تقليدي ويرفع جاهزية قواته الصاروخية؛ فتقرأ خوارزميات الطرف الأول هذا التحرك بوصفه دليلًا إضافيًا على قرب الهجوم. وهكذا يمكن أن تنشأ حلقة تصعيد متبادلة بين أنظمة تستجيب بعضها لبعض بسرعات تتجاوز قدرة الإنسان على التدخل.
ولا يقتصر الخطر على الخطأ غير المقصود، فهناك أيضًا الخداع المتعمد. فالخصم الذي يعرف أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تبحث عن أنماط معينة يستطيع محاولة إنتاج إشارات كاذبة لتضليلها، من خلال النشاط السيبراني أو المعلومات المزيفة أو الأهداف الوهمية أو التلاعب بأجهزة الاستشعار. وهنا تدخل المنافسة الاستراتيجية مرحلة يصبح فيها السؤال ليس فقط: ماذا يرى الخصم؟ بل ماذا تعتقد خوارزمياته أنها ترى؟
وتبلغ المشكلة أقصى حساسيتها عندما تتصل بالقوات النووية. فالذكاء الاصطناعي يستطيع تحسين الإنذار المبكر والاستطلاع وحماية القيادة والسيطرة، لكنه قد يثير في الوقت نفسه مخاوف الخصم من أن قدرته على الضربة الثانية أصبحت أكثر عرضة للاكتشاف والاستهداف. وإذا اعتقدت دولة أن خصمها يستطيع تعقب قواتها الاستراتيجية وتهديد قدرتها الانتقامية، فقد تميل في الأزمات إلى رفع الجاهزية وتسريع قراراتها، وهو ما يمكن أن يضعف الاستقرار بدلًا من تعزيزه.
ومن هنا يصبح الحفاظ على الإنسان داخل دائرة القرار (Human-in-the-Loop) أكثر من مجرد مطلب أخلاقي؛ إنه ضرورة استراتيجية لإدارة التصعيد. فالإنسان يستطيع النظر إلى السياق، وقراءة النيات السياسية، والتوقف أمام نتيجة غير متوقعة، وإعادة تقييم المعلومات، وهي وظائف لا ينبغي افتراض أن الخوارزمية تستطيع أداءها بالحكمة نفسها مهما بلغت سرعتها الحسابية. ولا يعني ذلك رفض استخدام الذكاء الاصطناعي في الردع. على العكس، فهو يستطيع زيادة قدرات الإنذار والدفاع والصمود وتقديم خيارات أفضل للقيادة. لكن ينبغي أن يبقى وسيلة لتحسين القرار لا بديلًا عن الحكم الاستراتيجي.
وهكذا تظهر مفارقة أساسية: قد يجعل الذكاء الاصطناعي الردع أسرع وأدق وأكثر تكاملًا، لكنه قد يجعله أيضًا أكثر هشاشة إذا اختصر الزمن اللازم للتفكير وزاد احتمالات الخطأ وسوء الإدراك. ولذلك فإن التحدي المستقبلي لن يكون مجرد بناء آلة تستطيع اتخاذ القرار بسرعة، وإنما بناء منظومة تعرف متى ينبغي للآلة أن تساعد الإنسان، ومتى ينبغي للإنسان أن يوقف الآلة. ففي قضايا الحرب والسلام تبقى الحكمة السياسية والقدرة على تقدير العواقب عناصر لا يجوز التضحية بها من أجل السرعة وحدها.

نحو منظومة ردع متكاملة للقرن الحادي والعشرين
إذا كانت التحولات التي تناولناها قد أظهرت أن الردع التقليدي لم يعد كافيًا بمفرده لمواجهة البيئة الاستراتيجية المعاصرة، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في البحث عن بديل يلغي ما سبقه، بل في بناء منظومة ردع تجمع القديم والجديد ضمن إطار استراتيجي واحد. فالردع النووي والتقليدي سيظلان عنصرين أساسيين في القوة، لكنهما أصبحا يعملان إلى جانب القدرات الصاروخية والمسيّرات والفضاء، والمجال السيبراني والحرب الإلكترونية والاقتصاد والتكنولوجيا والمعلومات، بينما يؤدي الذكاء الاصطناعي دورًا متزايدًا في الربط بينها وتسريع عملها.
وينبغي التمييز بين تعدد القدرات وتكاملها. فقد تمتلك دولة قوات جوية متطورة، ودفاعًا صاروخيًا، وقدرات سيبرانية، وأقمارًا صناعية وأجهزة استخبارات فعالة، ومع ذلك لا تمتلك ردعًا متعدد المجالات إذا كانت هذه العناصر تعمل في جزر منفصلة. فالقيمة الردعية الحقيقية تظهر عندما ترتبط أجهزة الاستشعار بالقيادة والسيطرة، وترتبط الاستخبارات بالقرار، وتعمل وسائل الدفاع والهجوم ضمن تصور استراتيجي يحدد كيفية الانتقال من مجال إلى آخر وفق طبيعة التهديد.
وهذا قريب من مبدأ Convergence الذي تناولته في دراسة العمليات متعددة الأوساط التي اشرت اليها ، حيث تقوم الفاعلية على تجميع القدرات وتوحيد تأثيراتها في المكان والزمان المناسبين، لا على مجرد حيازتها. وما يتغير هنا هو أننا ننقل هذا المنطق من المستوى العملياتي، أي كيفية استخدام القوة أثناء الحرب، إلى المستوى الاستراتيجي، أي كيفية استخدام مجموع القوة الوطنية لمنع الحرب أصلًا.
وتتطلب هذه المنظومة، في المقام الأول، إنذارًا مبكرًا وإدراكًا شاملًا للموقف. فالردع يبدأ بالمعرفة: معرفة ما يفعله الخصم، وما يستطيع فعله، وما إذا كان النشاط الذي يقوم به يمثل تهديدًا حقيقيًا. وهنا تتكامل الأقمار الصناعية والرادارات والاستخبارات البشرية والإلكترونية والسيبرانية والمصادر المفتوحة، بينما يستطيع الذكاء الاصطناعي تحليل الكميات الهائلة من البيانات وربطها وتقديم صورة أكثر اكتمالًا للموقف. وقد تناولتُ في كتابي (مدخل إلى الذكاء الاصطناعي واستخداماته في المجال العسكري) أهمية هذه التطبيقات في الاستطلاع وتحليل المعلومات ودعم القرار والقيادة والسيطرة (خماس، 2025). ويتطلب الأمر كذلك بنية قيادة وسيطرة قادرة على العمل عبر المجالات المختلفة. فالسرعة لا قيمة لها إذا وصلت المعلومات إلى مؤسسات منفصلة لا تستطيع تبادلها أو اتخاذ قرار مشترك بشأنها. ولذلك يحتاج الردع متعدد المجالات إلى شبكات اتصال آمنة ومرنة، وإجراءات واضحة لتحديد المسؤوليات، وقدرة على استمرار القيادة حتى بعد تعرض أجزاء من المنظومة للهجوم. ويصبح الصمود هنا عنصرًا من عناصر الردع بالمنع؛ لأن الخصم يفقد جزءًا من الحافز للهجوم إذا أدرك أن تعطيل جزء من الشبكة لن يشل المنظومة كلها (NATO, 2022).
كما ينبغي أن تجمع المنظومة بين المنع والعقاب والصمود. فالدفاع الجوي والصاروخي والدفاع السيبراني والحماية الإلكترونية تقلل فرص نجاح الهجوم؛ والقدرات الهجومية تتيح فرض الكلفة على المهاجم؛ أما الصمود فيحرمه من تحقيق الأثر الاستراتيجي حتى إذا نجح في تنفيذ بعض ضرباته.
ومن ثم لا تعود رسالة الردع مقتصرة على القول للخصم: سأعاقبك إذا هاجمتني، وإنما تصبح أكثر تركيبًا: قد لا تنجح في هجومك، وإذا نجحت جزئيًا فلن تحقق غايتك، وستتحمل فوق ذلك كلفة الاستجابة. وهذا الجمع بين الحرمان من المكاسب وفرض الكلفة والقدرة على الصمود يمثل، في تقديري، أحد أهم أوجه تطور التفكير الردعي في البيئة متعددة المجالات.
لكن بناء منظومة كهذه لا يتحقق بالتكنولوجيا وحدها. وهنا تعود إلى مركز الموضوع ملاحظة الأستاذ الدكتور كاظم هاشم نعمة: ( لا ردع بدون حيازة) ، وأن القدرات لا تكفي ما لم تقترن بعزيمة التنفيذ والصدقية في إدراك الرادع والمردوع (كاظم هاشم نعمة، مراسلة شخصية عبر تطبيق واتساب، 10 أغسطس/آب 2026). فالقدرة التي لا يعتقد الخصم بإمكان استخدامها لا تؤدي وظيفتها الردعية، مهما بلغت درجة تطورها. وتزداد أهمية هذه المسألة عندما ننتقل من ردع الدولة المنفردة إلى الردع الجماعي والتحالفات. فالتعهد بأن الاعتداء على طرف سيعامل باعتباره اعتداءً على الآخرين لا يكتسب قيمته الردعية بمجرد وروده في وثيقة سياسية، وإنما يحتاج إلى قيادة وتخطيط وقوات جاهزة وإنذار مبكر ولوجستيات وتدريب وعقيدة مشتركة، وإلى وضوح بشأن الظروف التي ستدفع الأطراف إلى تنفيذ التزاماتها. وهذه هي المسافة الفاصلة بين اتفاق دفاعي معلن ومنظومة ردع قابلة للعمل.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك، الذي كان أحد الدوافع المباشرة لكتابة هذا المقال. فالأهمية الاستراتيجية لأي ترتيب دفاعي جديد في المنطقة لا تقاس فقط بصياغة التزاماته، وإنما بقدرته على تحويلها إلى منظومة عملية مترابطة. والتصورات المرتبطة بالاتفاق، والتي تشير إلى الإنذار المبكر وتبادل المعلومات المتعلقة بالصواريخ والمسيّرات والتدريب الجوي والبحري والسيبراني، تتجه نحو ما تتطلبه البيئة متعددة المجالات؛ لكن المعيار الحاسم سيظل القدرة على الانتقال من التعاون والتنسيق إلى التكامل العملياتي والاستراتيجي.
وهنا يصبح التكامل أكثر من تبادل للمعلومات أو تنسيق بين المؤسسات. فالردع الجماعي الحقيقي يحتاج إلى صورة مشتركة للتهديد، وآليات متفق عليها لاتخاذ القرار، وقدرة على تحديد أي مجال ينبغي أن يستخدم في الاستجابة، وكيف يمكن الجمع بين القدرات الوطنية المختلفة بحيث يرى الخصم أمامه منظومة واحدة لا مجموعة أطراف منفصلة.
وفي الوقت نفسه ينبغي ألا يتحول التكامل إلى أتمتة غير مقيدة. فالذكاء الاصطناعي يستطيع ربط المجالات وتسريع تحليل المعلومات وتقديم خيارات القرار، لكن المسؤولية السياسية عن الحرب والسلام يجب أن تبقى بشرية. فالقيمة الحقيقية للتكنولوجيا تكمن في توسيع معرفة صانع القرار وخياراته، لا في انتزاع القرار منه.
لذا فإن منظومة الردع التي يحتاجها القرن الحادي والعشرون ليست بالضرورة ترسانة أكبر، بل منظومة أذكى وأكثر تكاملًا ومرونة ومصداقية. إنها تجمع القوة العسكرية بالاقتصاد والتكنولوجيا والمعلومات، وتجمع المنع بالعقاب والصمود، وتستفيد من سرعة الآلة من دون أن تتخلى عن حكمة الإنسان.
وهذا يعني ان الردع متعدد المجالات ليس مجرد تطوير تقني للردع القديم ، بل هو محاولة لإعادة بناء العلاقة بين القوة والإرادة والإدراك والقرار في بيئة استراتيجية أصبحت فيها الحدود بين الحرب والسلام، وبين المجال العسكري وغير العسكري، أقل وضوحًا من أي وقت مضى.

الخلاصة
هل نشهد ولادة جيل جديد من الردع؟
تكشف التحولات التي شهدها النظام الدولي أن الردع لم يفقد أهميته، لكنه يمر بمرحلة إعادة تشكيل عميقة. فالمنطق الذي استقر خلال الحرب الباردة، والقائم على إقناع الخصم بأن العدوان سيقابل بعقاب لا يستطيع تحمله أو أنه لن يحقق أهدافه، ما يزال صالحًا في جوهره. غير أن البيئة التي يعمل فيها تغيرت إلى حد جعل الأدوات العسكرية والنووية التقليدية غير كافية بمفردها لمواجهة طيف التهديدات المعاصرة (Schelling, 1966; Morgan, 2003).. فالصراع اليوم لم يعد محصورًا في البر والبحر والجو، بل امتد إلى الفضاء والفضاء السيبراني والطيف الكهرومغناطيسي والبيئة المعلوماتية، وأصبحت الأدوات الاقتصادية والتكنولوجية جزءًا من معادلة القوة. ولذلك لم يعد السؤال يتعلق بحجم القوة التي تمتلكها الدولة فحسب، وإنما بقدرتها على دمج عناصر قوتها وتحويلها إلى منظومة تجعل الخصم عاجزًا عن تحقيق أهدافه بكلفة مقبولة.
ومن هنا جاءت فكرة الردع متعدد المجالات التي حاول هذا المقال بلورتها، لا بوصفها نظرية مكتملة تحل محل نظريات الردع المعروفة، وإنما إطارًا استراتيجيًا يستجيب للتحول في طبيعة القوة والصراع. فهو لا يلغي الردع التقليدي أو النووي، بل يدمجهما مع القدرات السيبرانية والفضائية والإلكترونية والاقتصادية والتكنولوجية والمعلوماتية ضمن منظومة واحدة.
وقد بدأت جذور هذا التفكير بالنسبة لي منذ ان أنجزت دراسة ( العمليات متعددة الأوساط) عام 2019، ثم امتدت إلى دراسة تأثير الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري (خماس، 2019؛ خماس، 2025). والخطوة التي يطرحها هذا المقال هي نقل منطق التكامل من كيفية استخدام القوة في الحرب إلى كيفية توظيفها لمنع الحرب أصلًا. ويؤدي الذكاء الاصطناعي دورًا محوريًا في هذا التحول، بما يوفره من قدرة على ربط أجهزة الاستشعار والاستخبارات والقيادة والسيطرة وتحليل البيانات وتسريع القرار. لكنه يحمل أيضًا مخاطر ضغط الزمن وسوء الإدراك والثقة المفرطة بالخوارزميات والتصعيد الآلي. ولذلك ينبغي أن يبقى الإنسان في مركز القرار الاستراتيجي؛ فالآلة تستطيع دعم القرار، لكنها لا ينبغي أن تنفرد بتقرير ما يجب فعله عندما تكون النتيجة حربًا أو سلامًا. ومهما تغيرت الأدوات، يبقى الردع قائمًا على القدرة والإرادة والمصداقية والإدراك. وهنا تظل ملاحظة الأستاذ الدكتور كاظم هاشم نعمة، (لا ردع بدون حيازة)، ذات دلالة؛ فالحيازة شرط، لكنها لا تحقق الردع ما لم تقترن بإرادة الاستخدام والمصداقية في ذهن الخصم. كما لم يعد الردع يقوم على العقاب وحده، بل على الجمع بين المنع والعقاب والصمود وحرمان الخصم من تحقيق غايته، والقدرة على تحمل الهجوم واستعادة الفاعلية، مع الاحتفاظ بوسائل فرض الكلفة الباهظة عليه.
ويقدم اتفاق مكة للدفاع المشترك مناسبة عملية لاختبار هذا المنطق؛ فقيمة أي ترتيب دفاعي لا تتحدد بنصوصه وحدها، بل بقدرته على تحويل الالتزام السياسي إلى قيادة وتخطيط وإنذار مبكر وقدرات جاهزة وعقيدة مشتركة تحقق مصداقية ردعية فعلية.
فهل نشهد ولادة جيل جديد من الردع؟ ربما نعم، ولكن ليس بموت الردع القديم، بل بانتقاله من عصر السلاح إلى عصر المنظومة؛ من الأدوات المنفردة إلى تكامل المجالات، ومن العقاب وحده إلى المنع والعقاب والصمود، ومن القرار البشري المنفرد إلى قرار تدعمه الآلة من دون أن تستولي عليه.
وإذا كانت الحرب قد أصبحت متعددة المجالات، فإن الردع الذي يسعى إلى منعها لا يستطيع أن يبقى أسير مجال واحد. وهذه، في جوهرها، هي ولادة الردع متعدد المجالات.

المراجع
المراجع العربية
خماس، علاء الدين حسين مكي. (2019). العمليات متعددة الأوساط: دراسة في تطور الفكر العسكري الأمريكي في القرن الحادي والعشرين.
خماس، علاء الدين حسين مكي. (2025). مدخل إلى الذكاء الاصطناعي واستخداماته في المجال العسكري.
نعمة، كاظم هاشم. (2026، 10 أغسطس/آب). مراسلة شخصية عبر تطبيق واتساب.

المراجع الأجنبية
Freedman, L. (2004). Deterrence. Polity Press.
Gartzke, E., & Lindsay, J. R. (Eds.). (2019). Cross-domain deterrence: Strategy in an era of complexity. Oxford University Press.
Geist, E., & Lohn, A. J. (2018). How might artificial intelligence affect the risk of nuclear war? RAND Corporation.
Horowitz, M. C. (2018). Artificial intelligence, international competition, and the balance of power. Texas National Security Review, 1(3), 36–57.
Jervis, R. (1976). Perception and misperception in international politics. Princeton University Press.
Libicki, M. C. (2009). Cyberdeterrence and cyberwar. RAND Corporation.
Morgan, P. M. (2003). Deterrence now. Cambridge University Press.
NATO. (2022). NATO 2022 strategic concept. North Atlantic Treaty Organization.
Schelling, T. C. (1966). Arms and influence. Yale University Press.
U.S. Department of Defense. (2022). 2022 National Defense Strategy of the United States of America. Department of Defense.
U.S. Department of Defense. (2023). Directive 3000.09: Autonomy in weapon systems. Department of Defense.

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

701 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع