
د. سعد ناجي جواد
حتى في الشعر قد يغمط الحق الفلسطيني
قبل فترة أهداني الاخ العزيز الدكتور إدمون غريب، الأكاديمي اللبناني والمحلل السياسي المعروف، آخر كتبه المنشور باللغة الإنكليزية والذي اعده مع الاستاذ الفلسطيني القدير المرحوم نصير عاروري (ت 2015). في البداية تفاجأت عندما وجدت ان الكتاب بعيد نوعا ما عن المواضيع المتعلقة بالسياسة الدولية التي عُرف بها، ثم وجدتني مشدودا اليه بعد ان أشعرني ان شعر المقاومة كان احد اسباب إدامة القضية والنضال الفلسطيني وجعلته ينبض لحد الان واثر حتى دوليا.
عنوان الكتاب هو (عدو الشمس، شعر المقاومة الفلسطينية). الكتاب لا يكتسب أهميته من القصائد المهمة المترجمة للإنكليزية التي حرص الباحثان على جمعها، وانما من الأصداء الكثيرة التي احاطت به.
هذا الكتاب الذي بين يدي هو الطبعة الثانية (2025) بعد الطبعة الاولى التي صدرت في وقت مبكر جدا في عام (1970).
جاء العنوان مقتبسا من قصيدة رائعة كتبها الشاعر الفلسطيني المبدع المرحوم سميح القاسم بعنوان عدو الشمس، مع قصائد رائعة اخرى لشعراء كبار امثال المرحوم محمود درويش وقصيدته سجل أنا عربي، هذه القصائد التي ظلت، ولا تزال، تلهب المشاعر العربية والفلسطينية بالذات.
شعر المقاومة الفلسطينية، تعبير اطلقه الشهيد المناضل والمفكر والاديب غسان كنفاني على نتاج شعراء فلسطين بعد نكبة 1948، والذي نجح في ان يُنهض المشاعر الفلسطينية إلى درجة ان سلطات الاحتلال حرصت على اغتيال كنفاني نفسه (1972)، وشعراء اخرين بعده مثل الشهيد كمال ناصر (1973). ولذا لم يكن مستغربا ان يقول مجرم الحرب موشي دايان في عام 1967 ان قصيدة يكتبها شاعر مقاوم تعادل عشرين فدائيا، او ان توكد مجرمة الحرب الأخرى غولدا مائير هذا الكلام بعد اغتيال الشهيد غسان كنفاني بقولها ان هذا العمل (جريمة الاغتيال) يعادل بالنسبة للكيان المحتل (التخلص من كتيبة محاربين). اما اعداد الشعراء الذين قتلوا في قطاع غزة بعد طوفان الأقصى فحدث ولا حرج، عمر فارس ابو شاويش، هبة ابو الندى، رفعت العرعير، وهذه المجموعة تم استهدافها منذ الايام الاولى، وبعد ذلك سقطت اعداد اكبر بكثير.
هناك مفارقات جميلة أكسبت هذا الكتاب اهمية دولية كبيرة يطيب لي ان اذكرها للقراء الكرام.
اول هذه المفارقات ان هذا الكتاب، بدأ على شكل قصائد مترجمة للإنكليزية كان الدكتور إدمون، وهو ما زال طالب دكتوراة، يترجمها وينشرها في صحف جامعية، ثم جلبت تلك الترجمات انتباه الاستاذ الدكتور عاروري، فاتصل به عارضا عليه التعاون من اجل اصدار كتاب يحوي قصائد شعراء المقاومة الفلسطينية. وبعد انجاز الكتاب ظلا يحاولان نشره دون اي نجاح، حتى وافقت دار نشر يديرها مجموعة من اليساريين على طبعه. ولكن بعد ان وافقت عادت واتصلت بالمؤلفين بعد ايام لتخبرهم باعتذارها، وفي محادثة جانبية أعلمت الدار الاخ ادمون ان أوامر من جهة معينة حذرتهم من نشر الكتاب! وبعد جهد جهيد وافقت مطبعة صغيرة على نشر الكتاب. الدار كانت تدار من قبل طلاب من اعضاء حركة الحقوق المدنية (السوداء) في امريكا، وكانت مهتمة بنشر ما يتعلق بالمقاومة من اجل الحقوق المدنية للسود وضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا آنذاك، بعد ان أقنعهم الدكتور إدمون ان هناك تشابه كبير بين ما كان يجري في جنوب أفريقيا وفلسطين المحتلة. وجازفت الدار بطبع عشرين الف نسخة منه 1970، نفدت جميعها، إلا ان النتيجة كانت ان المطبعة اضطرت لغلق أبوابها بعد ذلك!
المفارقة الثانية والاهم انه بعد اكثر من خمسين عام على نشر الكتاب اتصل باحث أمريكي (كريك توماس) المهتم بشعر وادب المقاومة للسود في اميركا، بالدكتور إدمون وطلب مقابلته. وفي اللقاء طلب منه ان يسعى جادا لإعادة نشر الكتاب، والسبب وهنا تكمن المفاجأة، ان قصيدة واحدة من بين القصائد الفلسطينية انتشرت بين كل حركات المقاومة العالمية، وخاصة تلك التي تحارب من اجل حقوق السود في الولايات المتحدة نفسها او في امريكا اللاتينية او في جنوب أفريقيا العنصرية، والقصيدة هي (عدو الشمس) لسميح القاسم. واخبره ان مطالب بتصحيح الخطأ الذي حصل. حيث ان القصيدة اعتبرت من تأليف احد المناضلين السود الاميركان (جورج جاكسون)، الذي اغتيل وهو يقضي مدة محكوميته في السجن عام 1971، وجاكسون، الذي كان ايضا أديبا ومؤلفا ثوريا. وبعد اغتياله تم تسليم عائلته كل أوراقه وكتبه التي كانت في زنزانته، ومعها كانت هناك نسخة من قصيدة (عدو الشمس بالإنكليزية) بخط يده. واعتقد الجميع انها من مؤلفاته، ونشر توماس القصيدة في نفس العام باسم جاكسون في صحيفة (“بلاك بانثر إنتركومونال نيو سيرفيس”)، لكي تلاقي رواجا كبيرا. بل واصبحت رمزا لحركات النضال ضد الاضطهاد في اميركا ودولة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا انذاك. ثم عن طريق الصدفة يقول كريك توماس، الذي ظل يروج لكتابات جاكسون، انه حصل على نسخة من كتاب عاروري وغريب الطبعة الاولى، ووجد الكاتب الحقيقي للقصيدة، ولذلك حرص على لقاء إدمون، وشجعه (بعد وفاة عاروري) على اعادة نشر الكتاب. لكي يعود الحق لأهله. ويؤكد توماس ان رغم الخطأ، الذي حاول تصحيحه، فانه كان فرحا لأنه وجد “أن كلمات شاعر من الجليل يمكن أن تُقرأ من قبلنا نحن السود في أميركا” وتجعلنا نقول “نعم! هذه القصيدة مكتوبة لنا!”. وان تلك كانت إشارة ان الشعر المقاوم ينتشر بين الشعوب بغض النظر عن لغاتهم. وعندما صدرت الطبعة الجديدة قام الباحث كريك توماس بكتابة مقدمة الطبعة الجديدة وشرح فيها كل هذه التفاصيل معترفا بان القصيدة هي للمرحوم سميح القاسم، وان المناضل جاكسون قد استنسختها لشدة اعجابه بها دون ان يذكر اسم الكاتب. ولعقودٍ من الزمن، ارتبطت قصيدة “عدو الشمس” بجاكسون، وليس بالقاسم حتى تم تصحيح الخطأ.
مفارقة ثالثة ربما تكون غير مهمة هي ان الدكتور إدمون عندما احتاج إلى نسخة من الطبعة الاولى التي بيعت في حينها بدولارين ونصف، وجد ان سعرها قد وصل إلى ألف وسبعمائة دولار، وان احد المكتبات التي احتفظت ببعض النسخ، ولما علمت انه المؤلف باعتها له بمبلغ 400 دولار اكراما له!
الطبعة الجديدة (2025) جاءت موسعة اكثر من الطبعة الاولى. واضيف لها تراجم قصائد لشعراء عرب كتبوا عن المقاومة بالإضافة إلى الشعراء الفلسطينيين، للدلالة على تأثرهم بالمقاومة. في المجموع احتوى الكتاب على ترجمات لقصائد 27 شاعرا. منهم من تُرجمت له اكثر من قصيدة، مثل محمود درويش ورشيد حسين وسميح القاسم وتوفيق زياد ونزار قباني وفدوى طوقان، ومنهم من تُرجمت له قصيدة واحدة فقط، مثل قصيدة للصديق العزيز المرحوم الدكتور كامل ابو جابر، استاذ العلوم السياسية والمفكر والوزير السابق، الذي لم اعلم بانه كان شاعرا رغم العلاقة التي ربطتني به. ومع جزالة القصائد جميعها، إلا ان بعضها انتشر كثيرا في الشارع العربي، مثل قصيدة بطاقة هوية للمرحوم محمود درويش التي كنا نحن الشباب نحفظها عن ظهر قلب، والتي يقول في بعض أبياتها:
سجَّل
أنا عربي
ورقمُ بطاقتي خمسونَ الف
وأطفالي ثمانيةٌ
وتاسعهم سياتي بعد صيف!
فهل تغضب؟
سجل
أنا عربي
واعملُ مع رفاقِ الكدحِ في محجر
وأطفالي ثمانية
اسلُّ لهم رغيف الخبزِ
والأثوابَ والدفتر
من الصخرِ
ولا أتوسلُ الصدقاتِ من بابِك
ولا اصغر
امامَ بلاطِ أعتابك
فهل تغضب؟
سجل
انا عربي
ولونُ الشعر… فحميٌّ
ولونُ العينِ …بنُّي
وميزاني:
على راسي عقالٌ فوقَ كوفيّة
وكفّي صلبةٌ كالصخرِ..
تخمُش من يلامسَها
وعنواني:
أنا من قريةٍ عزلاءَ منسيّة
شوارعُها بلا أسماء
وكلُّ رجالها في الحقلِ او المحجر
فهل تغضب؟
(بالمناسبة فان زملاءنا من الطلبة الشيوعيين العراقيين عندما انتشرت القصيدة في الستينيات كانوا يتباهون بالأبيات الأخيرة التي كانت تقول:
أنا من قرية عزلاء منسية
شوارعها بلا أسماء
وكل رجالها في الحقل والمحجر
يحبون الشيوعية
فهل تغضب؟
ويبدو ان المرحوم درويش قد رفع هذا البيت من القصيدة في الديوان، ولم يرد في الترجمة ايضا. طبعا هذا الكلام كان ايام كانت الاحزاب الشيوعية تفتخر بمقارعتها للاستعمار والصهيونية وليس بعد ان اصطف الكثير من قادتها معهما).
وتبقي قصيدة عدو الشمس للشاعر المرحوم سميح القاسم ترن في الأذن لجزالتها وعمق معانيها، ولا غرو انها انتشرت ذلك الانتشار الكبير ايضا بعد ترجمتها :
ربما أفقد ما شئت، معاشي
ربما أعرض للبيع ثيابي وفراشي
ربما أعمل حجّارا.. وعتّالا.. وكنّاسَ شوارع ..
ربما أبحث، في روثِ المواشي، عن حبوب
ربما أخمد.. عريانا.. وجائع ..
يا عدو الشمس.. لكن.. لن أساوم ..
وإلى آخر نبض في عروقي.. سأقاوم!
ربما تسلبني آخرَ شبرٍ من ترابي
ربما تطعمُ للسجن شبابي
ربما تسطو على ميراث جدي ..
من أثاث.. وأوان.. وخراب ..
ربما تُحرقُ أشعاري وكتبي
ربما تُطعم لحمي للكلابِ
ربما تبقى على قريتنا كابوسَ رعب
يا عدو الشمس.. لكن.. لن أساوم ..
وإلى آخر نبض في عروقي.. سأقاوم!
ربما تطفئ في ليليَ شعلة
ربما أُحرم من أمي قبلة
ربما يشتمُ شعبي وأبي، طفل وطفلة
ربما تغنم من ناطور أحزاني غفلة
ربما زيّفَ تاريخي جبانٌ، وخرافيٌ مؤُله
ربما تحرمُ أطفالي يوم العيد بدلة
ربما تخدع أصحابي بوجهٍ مستعار
ربما ترفع من حولي جداراً وجدار
ربما تصلب أيامي على رؤيا مذلة
يا عدو الشمس.. لكن.. لن أساوم
وإلى آخر نبض في عرقي.. سأقاوم!
يا عدو الشمس ..
في الميناء زينات، وتلويحُ بشائر ..
وزغاريد، وبهجة
وهتافات، وضجة
والأناشيدُ الحماسية وهجٌ في الحناجر
وعلى الأفقِ شراع ..
يتحدى الريح.. واللج.. ويجتاز المخاطر ..
إنها عودة يُوليسيز
من بحر الضياع ..
عودةُ الشمس، وإنساني المهاجر
ولعينيها، وعينيه.. يمينا.. لن أساوم ..
وإلى آخر نبضٍ في عروقي ..
سأقاوم!
سأقاوم!
سأقاوم!”
شكرا للعزيز الدكتور إدمون غريب، والمرحوم الدكتور نصير عاروري، مرتين، اولا على تذكيرنا بهذا التراث الشعري المقاوم وثانيا على ترجمة هذه القصائد إلى اللغة الإنكليزية. والف رحمة ونور على ارواح شعراء المقاومة الذين أناروا الدرب للأجيال القادمة.

960 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع