«مطار بغداد بلا شهادة تشغيل ... هل أخفقت الحوكمة في حماية سماء العراق؟»

فارس الجواري

«مطار بغداد بلا شهادة تشغيل... هل أخفقت الحوكمة في حماية سماء العراق؟»

لا يمكن التعامل مع الجدل الدائر بشأن عدم حصول مطار بغداد الدولي على شهادة تشغيل المطار بوصفه خلافاً إدارياً عابراً أو مجرد تأخر في استكمال بعض المتطلبات الورقية لأن جوهر القضية يرتبط بطبيعة إدارة قطاع الطيران المدني في العراق ومدى التزامه بمبادئ الحوكمة والرقابة المستقلة فحين يخرج مسؤول ليقر بأن أهم مطارات البلاد يعمل من دون استكمال متطلبات الترخيص الدولية فإن ما يُطرح أمام الرأي العام لا يتعلق بإجراء فني مؤجل بل بسؤال أكبر يتعلق بكيفية إدارة منظومة السلامة الجوية ومن يتحمل مسؤولية ضمان امتثالها للمعايير الدولية.
إن المقارنة بين مطار بغداد الدولي بوصفه مطاراً عاملاً يستقبل آلاف المسافرين يومياً وبين مطار الموصل الذي ما زال في مرحلة التأهيل استعداداً للتشغيل تكشف بوضوح حجم التناقض في تطبيق المعايير فمن الطبيعي أن يُطلب من أي مطار جديد الالتزام الكامل بمتطلبات التشغيل قبل افتتاحه وأن يخضع لتقييم دقيق للبنية التحتية وأنظمة الإطفاء والإنقاذ وإدارة المخاطر وكفاءة الكوادر وإجراءات السلامة وفقاً لما نص عليه الملحق الرابع عشر لاتفاقية الطيران المدني الدولي لكن غير الطبيعي هو أن يُسمح لمطار قائم يمثل الواجهة الجوية للعراق بالاستمرار في العمل وسط اعتراف رسمي بعدم استكمال متطلبات شهادة التشغيل في الوقت الذي تُفرض فيه شروط صارمة على مطارات أخرى تابعة للجهة الحكومية ذاتها إن هذا التباين يفتح الباب أمام تساؤل مشروع حول مدى اتساق القرارات الفنية وما إذا كانت تخضع لاعتبارات مهنية ثابتة أم لاجتهادات إدارية وسياسية متغيرة.
ولا يمكن في هذا السياق اختزال المسؤولية بطرف واحد فوزارة النقل باعتبارها الجهة التنفيذية المشرفة على إدارة وتشغيل المطارات تتحمل جانباً أساسياً من المسؤولية عن عدم استكمال متطلبات الترخيص رغم تخصيص مبالغ مالية كبيرة خلال السنوات الماضية لهذا الغرض فالمشكلة لا تتعلق بندرة الموارد بقدر ما تتعلق بكفاءة التخطيط والتنفيذ والمتابعة وإذا كانت الأموال قد خُصصت فعلاً لمعالجة النواقص الفنية واستيفاء المتطلبات الدولية فمن حق الرأي العام أن يعرف ما الذي تحقق على أرض الواقع وما هي المعوقات التي حالت دون إنجاز الملف حتى اليوم ومن يتحمل مسؤولية الإخفاق إن ثبت وجود تقصير أو سوء إدارة.
وفي المقابل تقع على عاتق سلطة الطيران المدني مسؤولية لا تقل أهمية بل ربما تكون أكثر حساسية لأنها الجهة التنظيمية والرقابية المكلفة بحماية معايير السلامة بعيداً عن الضغوط التشغيلية والسياسية فالدور الحقيقي لسلطات الطيران في العالم لا يقتصر على إصدار الشهادات والتراخيص وإنما يتمثل في امتلاك القدرة القانونية والمهنية على فرض الالتزام بالمعايير واتخاذ الإجراءات اللازمة عند وجود مخالفات جوهرية حتى وإن كانت هذه الإجراءات غير شعبية أو مكلفة سياسياً. ومن هنا يبرز السؤال.. إذا كانت السلطة تدرك وجود نقص يمنع منح شهادة تشغيل المطار فما هي التدابير التي اتخذتها لمعالجة هذا الواقع؟ وهل مارست صلاحياتها كاملة لضمان الامتثال؟ إن التغاضي عن المخالفات تحت أي مبرر يفقد المنظومة الرقابية معناها الحقيقي ويحولها من جهة مستقلة لحماية السلامة الجوية إلى طرف متعايش مع الخلل، وفي خضم هذا الجدل غالباً ما يتم تجاهل الحلقة الأضعف في المعادلة وهم الموظفون والخبراء والفنيون العاملون داخل القطاع فالكثير من المختصين يدركون طبيعة المشكلات الفنية والإدارية ويقدمون التوصيات المناسبة لكنهم لا يمتلكون صلاحية اتخاذ القرار أو فرض التغيير كما أن جزءاً من الاختلالات المتراكمة يرتبط بآليات التعيين والإدارة التي لم تعتمد دائماً معايير الكفاءة والخبرة الأمر الذي أضعف المؤسسات وأفقدها القدرة على بناء قيادات فنية قادرة على التخطيط والتنفيذ وفق أفضل الممارسات الدولية ولذلك فإن تحميل المسؤولية للكوادر التنفيذية وحدها يمثل ظلماً مهنياً وتبسيطاً لمشكلة أكثر تعقيداً.
إن الاعتراف بوجود مطار يعمل من دون استكمال متطلبات شهادة التشغيل يجب أن يُنظر إليه بوصفه جرس إنذار يستدعي المراجعة والإصلاح لا باعتباره دليلاً على الشفافية المكتفية بذاتها فالشفافية تكتسب قيمتها عندما تقترن بخطة واضحة لمعالجة الخلل وتحديد المسؤوليات والالتزام بجداول زمنية قابلة للقياس والمحاسبة أما الاكتفاء بتبادل التصريحات أو تبرير التأخير فلن يؤدي إلا إلى تعميق أزمة الثقة داخلياً وخارجياً.
إن مستقبل الطيران المدني العراقي لا يتوقف عند إصدار شهادة أو استكمال ملف إداري بل يرتبط بإرساء مفهوم الحوكمة الحقيقية القائمة على الفصل بين الجهة المشغلة والجهة الرقابية واحترام استقلال القرار الفني وتغليب متطلبات السلامة على الاعتبارات السياسية والآنية فسمعة الدولة في مجال الطيران تُبنى على قدرتها على تطبيق المعايير على الجميع من دون استثناء وعلى استعدادها لمحاسبة المقصرين مهما كانت مواقعهم وفي قطاع شديد الحساسية كقطاع الطيران لا يجوز أن تكون السلامة موضوعاً للتفاوض أو التأجيل لأن الثمن في النهاية لا يُقاس بالخسائر المالية وحدها بل بثقة المجتمع الدولي ومستقبل الناقل الوطني وأمن ملايين المسافرين الذين يفترض أن تكون سلامتهم فوق كل اعتبار.

حزيران 2026

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1049 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع