حروب الشعارات المتصادمة والتوافقات السرية

نزار السامرائي

حروب الشعارات المتصادمة والتوافقات السرية

ابتداءً هذه قراءة خارج السياق الذي أكتب به، لأنني أجهدت نفسي كي أبدو مراقباً محايداً، على الرغم من أنني اتخذ موقفا يعرفه القارئ الكريم من إيران لن يتغير ما لم تنقلب إيران رأسا على عقب، ومع قناعتي بأن العرب خاسرون في أية مواجهة تحصل حتى داخل الدول نفسها، أو أي قتال بين مدينتين في أصغر دول العالم، ألم يدفع العراق ثمنا للحرب الأهلية في نيكاراغوا، إذ دعمت وكالة المخابرات المركزية ثمن صفقة سلاح إسرائيلي تم تصديره عبر طرق ملتوية إلى إيران أثناء الحرب العراقية الإيرانية في عقد الثمانينيات.
وهنا لا بد لي من أن أشير إلى أن "فارس" إيران لم تكسب حربا واحدة باستثناء ما ورد في سورة الروم، ولكنها سرعان ما خسرت الحرب بعد بضع سنين كما بشر القران الكريم بذلك، ولكن "فارس" إيران تتصف بصفة نادرة بين الأمم والشعوب، أنها تستطيع امتصاص زخم قوة أعدائها وإدخالهم في أنفاق وسراديب حقيقية أو معنوية، لا تختلف في شيء عن انفاقها التي أخفت فيها مشاريعها النووية الحالية، وربما استطاعت أن تستنسخ تجاربها السابقة وتصبها في تجربة الحرب الأخيرة، إيران هُزمت هزيمة عسكرية ساحقة، ولكنها بعنادها ومماطلتها وإدخالها لخصومها في دهاليز مظلمة، استطاعت إعادة ترتيب بيتها الداخلي معتمدة على القمع الداخلي وعلى إلباس ذلك القمع أردية دينية، فانطلقت أدواتها لتتحدث بنبرة عالية عن نصر عسكري مزعوم، وليتها اكتفت بكلمة نصر مجردة ولم تضف لها كلمة عسكري، ولكن ضرورات الساحة الداخلية والأذرع الخارجية تتطلب بث هذه الرسائل، وإلا تعرضت للموت انتحارا أو للموت البطيء.
كانت الولايات المتحدة وإسرائيل معاً أو كلاً على انفراد، تشكلان هاجساً مرعباً لدول المنطقة أو لكثير من المنظمات المسلحة أو شبه المسلحة، التي تُوصف من قبل أمريكا أو الاتحاد الأوربي بأنها منظمات إرهابية، ولو أن الولايات المتحدة وإسرائيل أبقتا على هذا التصور كما هو على المستوى الإقليمي الجمعي، أو تلك الصورة المتخيلة عن قدرتهما على تحقيق إنجازات سريعة في أية بقعة تسعيان لإحداثها فيها، لبقيت صورتهما مثل مطرقة هائلة تكاد تطبق على رؤوس الدول، بنظامها الرسمي أو التشكيلات المسلحة فيها أو ترتبط بها.
لكن الحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية التي نشبت على مرحلتين بين عامي 2025 و2026، أكدت قدرة الأطراف التي لم تكن تمتلك الثقة الكافية بنفسها، على خوض مواجهة ناجحة مع القوى الدولية الكبرى التي ظلت تحاول فرض نموذجها السياسي والاقتصادي، بل إخضاع الآخرين لإرادتها وإملاءاتها السياسية والأمنية.
علينا أن نعترف أن إيران وبصرف النظر عن دوافعها وأسبابها، تمكنت من تغيير كثير من المسلّمات العسكرية السابقة واستطاعت انتزاع كثير من أسلحة الردع من أعدائها، وخاصة عندما استطاعت استهداف منشآت اقتصادية إسرائيلية، وقصفت منشآت وقواعد عسكرية في بعض دول المنطقة، التي تحصل على دعم حقيقي من الحليف الخارجي القوي.
كانت إيران تتعامل مع التهديدات الأمريكية ككابوس مرعب تحاول تجنبه بأي شكل من الأشكال، لأنها تعي جيدا فارق القوة العسكرية بين البلدين، ولهذا فضلت التعايش الطويل مع حالة اللاسلم واللاحرب، مهما طال أمدها، ومهما تكبدته من خسائر في اقتصادها المتعب أصلا، والذي بات يعاني من صعوبات أكبر جراء الخضوع للعقوبات الأمريكية القصوى التي بدأت في ولاية ترمب الثانية، لكن تعوّد إيران على عقوبات خارجية طويلة الأمد، منحها قدرة على التكيف معها وبناء اقتصادها على تهريب النفط الخام وتحويل موارده إلى الخطوط الأمامية للأمن القومي الإيراني، أي الأذرع الخارجية التي تتحرك بأوامر المرشد عبر خطوط مواصلات ينظمها الحرس الثوري، لأنها تعي أنها قادرة على قمع أية احتجاجات داخلية بالقوة المسلحة وبالإسقاط السياسي، لذا تعايش المواطن الإيراني مع الضنك الاقتصادي واقعا ملموسا مهما طال أمده ومهما تعاظمت حدته، لا سيما وأنها تفرض حالة شديدة من الأمن متعدد الأجهزة وخاصة قوات البسيج والحرس الثوري، اللذين لديهما الاستعداد للدفاع عن استمرار النظام مهما بلغت التضحيات ومهما حصل من ضغوط إضافية.
من جانب آخر بنت الولايات المتحدة كل تصوراتها على فرضية لا يمكن أن يركن إليها أي مخطط استراتيجي، وهي أن خوف إيران من ضربة عسكرية أمريكية قد يفرض عليها رعبا مبكرا، حتى قبل بدء العملية العسكرية، وقد يدفعها إلى الاستسلام، وهذه الحسابات التي تأكد بطلانها، حققت لكلا الطرفين نتائج معكوسة، فبالنسبة لإيران التي كانت ترتعش لمجرد التفكير بعواقب الضربة الأمريكية، بعدما حصل يوم 28 فبراير 2026، عندما فقدت إيران خطيّها القياديين سياسيا وعسكريا، وتمكنت من إملاء الفراغين في غضون أيام معدودات، شعرت بثقة عالية بالنفس، وصارت القيادات البديلة أكثر تشددا، لأنها باتت تمتلك ثأرا تشعر أنها مطالبة بتنفيذ فصوله، ثم أنها شعرت بأنها باتت تمتلك حصانة أكثر في مواجهة التحديات الخارجية لأنها استندت على فكرة أنها استطاعت الصمود بوجه أعتى قوة عسكرية عرفتها البشرية من نشوئها الأول، وأنها لن تخسر أكثر مما خسرت حتى الآن إذا ما واجهت عدوانا أمريكيا جديدا، ولهذا اختارت مواصلة لعبتها المفضلة "المماطلة والتسويف" التي برعت بإجادة فصولها المتعددة حتى تُدخل الملل في نفوس أعدائها، مستفيدة من أن العالم ليس على استعداد للتضحية بما حقق لنفسه من مكاسب طيلة عدة قرون، لهذا استمرأت الزعامة الإيرانية الجديدة اللجوء إلى ما سبق أن أعلنته إيران من خطوات وكان البعض ينظر إليه على أنه مجرد تهديدات فارغة لا تستطيع إيران الإقدام عليها، فقد فرضت إيران إغلاقا عمليا على مضيق هرمز، صحيح أنها فرضت على نفسها عزلة إضافية، إلا أن الصحيح هو أن العالم وجد نفسه أمام أزمة طاقة خانقة وحركة ملاحة محدودة في منطقة الخليج العربي، ولما وجد الرئيس الأمريكي ترمب نفسه أمام مأزق دولي يتعلق بحق الملاحة الحرة في مضيف هرمز، ورغم تأكيداته المتكررة عن قدرته على فتح المضيق في ساعة واحدة، ناهيك عن تأكيداته السابقة عن إفشال أي خطط إيرانية لإغلاق المضيق الدولي، ولما رأت إيران نفسها محاطة بكل هذه الإنجازات، راحت تصعد من شروطها فتارة تطالب بحق الاشراف على حركة الملاحة في المضيق أي بعبارة أخرى التحكم بحركة ناقلات النفط من الخليج العربي إلى أسواق الاستهلاك الكبرى في العالم، وهكذا شعرت إيران أنها استعادت دورا كانت قد فقدته منذ عام 1979، وهو دور الشرطي الدولي للخليج العربي.
بالمقابل ظنت الإدارة الأمريكية أنها قادرة على إخضاع إيران بمجرد سقوط أول قذيفة على المراكز القيادية في طهران، ولم تحسن واشنطن قراءة المشهد السياسي الإيراني بدقة، ذلك أنه أقام لنفسه أطواقا عديدة من أسيجة الحماية الذاتية بتعدد الأجهزة الأمنية والتي أعطتها طابعا مقدسا، ذلك أن الزعامة الدينية وجدت أن تغليف أي تحرك سياسي أو عسكري بغلاف ديني مقدس، يمنع التلكؤ في أداء الواجب حتى النهاية، وبذلك أصيبت الزعامة الأمريكية بكثير من الإحباط وهي تبحث عن أسباب عدم تحقق أهداف الحرب كما رسمها ترمب في رأسه، فتارة يصب اللوم على رئيس الوزراء الإسرائيلي متهِماً إياه بأنه صوّر له الأمر كنزهةٍ سريعة، وتارة تقول إن الحرب ما زالت في بدايتها، وهذه خطيئة كبرى تقع فيها الولايات المتحدة عندما تقر بأنها تضع خططها الحربية استنادا إلى فرضيات خارجية.
ولهذا السبب ولأسباب داخلية أمريكياً، بدأ ترمب مسيرة العروض السخية لإيران لإغرائها بالدخول في صفقة ثنائية رابحة، وتوالت التنازلات والعروض التي يطرحها ترمب للزعامة الإيرانية وهي تسحب نفسها متجاهلة كل الفرص، ولعل أسوأ ما لاحظه المراقبون أن الولايات المتحدة أعطت تطمينات لإيران بأنها ركنت إلى الوساطة الباكستانية المنحازة أصلا لإيران لحسابات باكستانية داخلية، ومن بين الأخطاء الكبيرة التي ارتكبها ترمب أنه أعطى تطمينات مؤكدة عن عدم نيته بقصف منشآتها النفطية في مجال التكرير والتصدير والإنتاج، وكذلك تعهد بعدم استهداف محطات توليد الطاقة الكهربائية، ليس هذا فقط بل إنه منع نتنياهو أكثر من مرة من استهداف تلك المراكز، مما أعطى إيران حالة من طمأنينة حقيقية والشعور بالاسترخاء تجاه هدف كهذا، بل مضت إيران أبعد من ذلك في استهداف المنشآت المشابهة في دول الخليج العربي، مع تجاهل أمريكي مريب في التعامل مع تلك الاعتداءات على دول كانت تُصنف كصديقة للولايات المتحدة ومشمولة بمظلتها العسكرية.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1239 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع