
بقلم : اللواء الملاح الركن المتقاعد فيصل حمادي غضبان
11 حزيران 2026
الجزيرة التي قد تُحتل في أيام ويُقاتَل عليها لسنوات
١. خرج.. بين سهولة الاحتلال وصعوبة البقاء عاد الحديث الامريكي لاحتلال الجزيرة ..السؤال هل هي مفتاح النصر الأمريكي أم بوابة حربٍ أكبر …جزيرة خرج قد تكون ( قلب الاقتصاد الإيراني لكنها ليس بالضرورة قلب القرار الإيراني )..السيطرة عليها قد يغير ميزان الضغط الاقتصادي، لكنها لا تضمن وحدها إنهاء الحرب أو فرض الاستسلام السياسي. ولهذا وصفت بعض التقارير الأمريكية خيار السيطرة عليها بأنه ( خيار النهاية )..أو الملاذ الأخير بسبب مخاطره الكبيرة.
٢. إذا افترضنا أن الولايات المتحدة قررت احتلال جزيرة خرج، فإن قدرتها على الوصول إلى الجزيرة والسيطرة الأولية عليها ستكون مرتفعة جداً بسبب التفوق البحري والجوي الأمريكي. لكن التحدي الحقيقي لا يبدأ عند الإنزال، بل بعده.
٣. العوامل التي تدعم بقاء القوات الأمريكية:
أ.التفوق الجوي والبحري والاستخباراتي.
ب.القدرة على حماية خطوط الإمداد بحراً.
ج.امتلاك وسائل دفاع متطورة ضد الصواريخ والمسيرات.
٤.العوامل التي قد تجعل المهمة صعبة:
أ.قرب الجزيرة من الساحل الإيراني، ما يسمح لإيران باستهدافها بشكل متواصل.
ب.كثافة الصواريخ والمسيرات والزوارق السريعة الإيرانية في منطقة الخليج.
ج.إمكانية تحول الجزيرة إلى هدف يومي للاستنزاف العسكري.
د.التداعيات السياسية والاقتصادية الدولية الناتجة عن تعطيل صادرات النفط.
٥. السؤال قد لا يكون: هل القوات الامريكية ستصمد أم ستندحر..بل التساؤل الاخطر هل تستحق الجزيرة كلفة الاحتفاظ بها..في الفكر العسكري كثيراً ما يكون احتلال الهدف أسهل من الاحتفاظ به. وقد شهد التاريخ أمثلة عديدة على قوات سيطرت على مواقع مهمة لكنها دفعت ثمناً كبيراً للدفاع عنها لاحقاً.
٦. تكررت كتاباتي عن جزيرة خرج لاسباب موضوعيه ولكل تذكير قصه اتمنى ان لا يصيبكم الملل عند القول ( خرج بين فارس قاتل بشرف واخر لا يرى سوى الدمار ).
٧.في عتمة الليل، حين كانت قناديل ( جزيرة خرج ) تنعكس على جبهة الخليج، لم نكن نرى في الأفق سوى أهدافٍ محددة لا يمكن تجاوزها هكذا كانت ( الاوامر ) أما اليوم، فقد اتسع الأفق حتى صار كل شيءٍ هدفاً. من هذا المنطلق ومع تشابك الذكريات ' جزيرة خرج لؤلؤة الخليج البراقه هكذا كان المكان لم نطفئ نوره ولكن اوقفنا إمداداه ليس حقدا وانما لغاية ايقاف شريان الاقتصاد لتنتهي الحرب وهذا الذي حصل عندما طالت القوة الجويه العراقية جميع المصادر في الخليج العربي ابتداءً من ( حقل اردشير ، جزيرة خرج ، جزيرة لافان ، جزيرة سري وصولا الى الى ابعد نقطة كانت جزيرة لاراك بوابة مضيق هرمز ) بالاضافة الى عمليات الصيد الحر في منطقة القتل التي حددها العراق على مساحة مياه الخليج العربي. المقارنة بين مفهوم “القتال المحدود” في ذاكرة الماضي، حيث كانت الأهداف مرتبطة بإضعاف القدرة العسكرية دون تدمير شامل، وبين واقع الحروب الحديثة التي اتسعت فيها دائرة الاستهداف لتشمل البنى التحتية والحياة المدنية، مع استحضار تجربة شخصية من واجبات وما فيها من صور الليل والبحر وازدحام الناقلات، رمزاً لزمنٍ كان فيه للحرب ضوابط مقابل حاضرٍ يبدو أكثر قسوة وانفلاتاً. سأتدرج بفعل ميدان القوة الجويه ( ١٩٨٠- ١٩٨٨).
أ.بين ليل جزيرة خرج ولهيب الحاضر حين تتسع الحرب وتضيق الحكمة ….في عتمة الليل، كنا نقترب بصمتٍ ثقيل، يشبه رهبة القرار قبل صدوره. لم يكن الليل ستاراً بقدر ما كان مرآةً تُظهر وضوح الهدف. هناك، وسط الماء والملح ورائحة النفط، كانت الحرب في تصورنا آنذاك محددة المعنى، محكومة بغايةٍ لا تتجاوز سوى تعطيل شريانٍ يغذي آلة القتال.تكررت زياراتنا لتلك الجزيرة، أكثرها ليلاً وبعضها نهاراً. لم تكن مغامراتٍ عابرة، بل مهام محسوبة بدقة، تقودها فكرةٌ راسخة ( أن الضربة يجب أن تكون بقدر الحاجة، لا بقدر القدرة ) لم نستهدف البنية التحتية، ولم نسعَ إلى تدمير الجزيرة أو محو أثرها. ناقلات النفط تغادر الجزيرة محمّلة بالنفط نحو العالم، هي هدفنا المباشر لأن الاقتصاد عصب الحرب، لا لأننا أردنا أن نُغرق المكان في الخراب. بالمقارنة مع مايحصل اليوم ونحن نتابع ما يجري، يبدو المشهد مختلفاً إلى حدٍ يصعب تجاهله. لم تعد الحرب تُدار بالحدود نفسها، ولا بالمنطق ذاته. البنى التحتية تُستهدف، والمدن تُهدد، والخط الفاصل بين التعطيل والتدمير يكاد يختفي. هنا، يتسلل السؤال المؤلم ..هل تغيّرت الحروب، أم تغيّر الرجال الفرق شاسع بين من يرى في القتال مسؤوليةً تُقيّدها الأخلاق، وبين من يراه فرصةً لإطلاق القوة بلا حساب. بين فارسٍ يعرف متى يتوقف، وآخر لا يرى في الميدان سوى ساحةٍ مفتوحة للتدمير. وبين ذاكرةٍ ما زالت تحتفظ بصور الليل الهادئ وموج الخليج المتراقص، وحاضرٍ يضجّ بأصواتٍ أعلى من أن تُفسَّر.أحياناً، حين أستعيد ذاكرة تلك الليالي، لا أستحضر صوت الصواريخ بقدر ما أستحضر صمت البحر الذي كان يسبق القرار، ويمنحه وزنه. أما اليوم، فيبدو أن الضجيج سبق كل شيء… حتى المعنى.فهل تدور الدوائر كما دارت من قبل …وهل يعيد التاريخ نفسه، ولكن بوجوهٍ جديدة وأماكن مختلفة…ربما. لكن ما أعرفه يقيناً أن الذاكرة لا تكذب، وأن ما رأيناه هناك، في تلك الجزيرة البعيدة، لم يكن مجرد حرب… بل كان درساً في كيف يمكن للإنسان أن يقاتل دون أن يفقد نفسه بالكامل.
ب.الوصف العام للجزيرة كما تبقى من ومضة الذاكرة :أتذكر رصيفها الغربي، مزدحماً بناقلاتٍ من جنسياتٍ شتى، مصطفّة كأنها في طابورٍ لا ينتهي. ومنطقة انتظار الناقلات، بين الساحل والمياه المفتوحة، كانت تضج بالحركة ( كما هو كراج النهضة الذي لا ينام ) هناك كان “الصيد” أسهل لكثرة الأهداف، لكنه لم يكن أقل صعوبة . أخطر المحاور كان من الجنوب الشرقي، من جهة جزيرة فارسي . أما المحور الآخر، غرب شمال الجزيرة بينها وجزيرة خارگ عبر فتحةٍ ضيقة بين اليابستين ممرٌ لا يحتمل الخطأً، ولا يغفر التسرع ضمانته الدقه في التصويب.كانت لنا زياراتٌ عدة، سجّلت فيها إصاباتٍ لسفنٍ معروفة، في ذاكرتي ليست مجرد أهدافٍ أُصيبت، بل لحظات تختزن ثقل القرار وحدوده. كنا نأتي ونغادر، نُعطّل ولا نُدمّر، نوجّه الرسالة دون أن نحرق الصفحة. كنا نؤمن أو هكذا بدا لنا أن للحرب أخلاقاً، وأن الفارس لا يُطلق قوته إلا بقدر ما يحقق الغاية.
ج.اليوم، ونحن نراقب ما يجري، يبدو المشهد أكثر اتساعاً وأقل انضباطاً. لم تعد الحدود واضحة كما كانت، ولا الأهداف محصورة كما عهدنا. البنى التحتية باتت ضمن بنك الأهداف، والمدن تدخل دائرة التهديد، والخيط الفاصل بين التعطيل والتدمير يكاد يختفي. …هنا يعود السؤال القديم بثقلٍ جديد ( هل تغيّرت الحروب، أم تغيّر من يخوضها ) والأخطر من ذلك، هو ما يُطرح أحياناً من سيناريوهات تتجاوز الضربات إلى ما هو أبعد أنها فكرة المغامرة باحتلال مواقعٍ حساسة مثل جزيرة خرج ..هذه الخطوة، إن حدثت، لن تكون مجرد عملية عسكرية محدودة، بل مقامرة مفتوحة على احتمالاتٍ واسعة. فالمكان ليس جزيرةً معزولة فحسب، بل عقدةٌ حيوية في ممرٍ مائيٍ بالغ الحساسية، تتقاطع فيه مصالح دولٍ كبرى، وتتشابك حوله خطوط الطاقة العالمية. أي محاولة للسيطرة المباشرة على نقطةٍ كهذه قد تُشعل ما هو أبعد من هدفها المعلن توسيع رقعة الاشتباك، تعقيد خطوط الملاحة، وفتح أبواب ردودٍ لا يمكن ضبط إيقاعها بسهولة. الحروب حين تخرج من إطار “الضربة المحسوبة”، تتحول إلى سلسلة تفاعلات لا يملك أحدٌ نهايتها. وقد علّمنا التاريخ أن البدايات السهلة كثيراً ما تقود إلى نهاياتٍ لا تشبهها.
٨.المقارنة هنا ليست حنيناً بقدر ما هي تأمل. بين زمنٍ كنا نظن أن للحرب توازنات وحاضرٍ يبدو فيه الميزان مختلاً أو مُهملاً. بين من كان يكتفي بتعطيل العصب، ومن قد يُغامر بقطع الجسد كله. وبين صمت البحر الذي كان يسبق القرار، وضجيجٍ يسبق اليوم كل شيء… حتى التفكير.أستعيد تلك الليالي، لا لأمجدها، بل لأفهمها. كان في الصمت مساحةٌ للمراجعة، وفي الظلام وضوحٌ غريب. أما اليوم، فكل شيءٍ مكشوف، ومع ذلك تبدو الرؤية أقل.فهل يمكن أن تتكرر دروس التاريخ، ولكن في مسارح جديدة ربما. لكن المؤكد أن أي خطوةٍ تتجاوز حدود التعطيل إلى منطق السيطرة المباشرة، في منطقةٍ بهذه الحساسية، لن تكون مجرد فصلٍ عابر، بل بداية قصةٍ أطول… وأكثر كلفة.ويبقى السؤال معلقاً هل ما زال في الميدان متسعٌ لفارسٍ يعرف متى يضرب، ومتى يتوقف أم أن الحروب، حين تفقد ميزانها، تفقد معها من يقاتلها أيضاً.
٩. لم يعد الحديث عن “فيتنام جديدة” مجرد تعبيرٍ عابر في توصيف الحروب، بل عاد يتردد بقوة كلما تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وكأن الذاكرة العالمية تستحضر تلقائياً واحدةً من أكثر التجارب مرارةً وتعقيداً في التاريخ الحديث. هذا التكرار لا يأتي من فراغ؛ فكل مواجهةٍ تحمل ملامح حربٍ مفتوحة، غير محسوبة النهايات، وفي بيئةٍ جغرافية وسياسية معقدة، تدفع المراقبين إلى البحث عن سوابق تشبهها، فلا يجدون أقرب من ذلك النموذج الذي بدأ محدوداً وانتهى مستنزفاً للجميع.إن الخشية ليست فقط في المواجهة، بل من انزلاقها إلى مسارٍ طويل تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع العوامل الإقليمية والدولية، حيث لا تعود القوة وحدها كافية للحسم، ولا الأهداف واضحة كما تُرسم في البدايات. ومن هنا، يصبح استحضار “فيتنام” تحذيراً أكثر منه مقارنة، وإشارة إلى أن الحروب التي يُظن أنها سريعة قد تتحول إلى عبءٍ ثقيل، تتآكل فيه الأطراف جميعاً، مهما اختلفت موازين القوى بينها.
١٠.الخلاصة : وأنا أكتب هذه السطور، ليس بصفة محلل سياسي، بل شاهداً على زمنٍ عشت تفاصيله، ورأيت فيه كيف تُدار الحروب حين تُقيّدها حسابات، وكيف تنفلت حين تفقد تلك القيود. أكتب لأن الذاكرة ليست مجرد سردٍ للماضي، بل مسؤولية تجاه الحاضر، ومحاولة لفهم ما قد يأتي.لقد تعلمنا، من التجربة لا من التنظير، أن الحروب حين تُخاض بشعارات النصر لا تترك خلفها منتصرين حقيقيين. كلا الطرفين يخرج منها مثقلاً بالخسائر، ليس فقط في العتاد والاقتصاد، بل في الإنسان والمعنى. الدمار لا يميّز بين غالبٍ ومغلوب، وحين تهدأ الأصوات، يبقى الخراب شاهداً على أن الكلفة كانت أكبر من أي مكسبٍ مُعلن.من هنا، تأتي هذه الشهادة… لا لتُعيد رواية ما كان فحسب، بل لتضعه في مواجهة ما يحدث اليوم، عسى المقارنة تفتح نافذةً للفهم، أو على الأقل، تذكّر بأن الحروب حين تبدأ، لا يسأل كثيراً عن نهايتها. وخير شاهد على ذلك اتساع الحرب تطال المنطقة بالكامل .
١١. سؤال أستذكاري : أين هي اليوم تلك الناقلات… بأسمائها التي ما زالت عالقة في الذاكرة، وبأجسادها التي شقّت عتمة الخليج ذات ليلة، ثم أصابتها نيران القوة الجوية العراقية ….هل انتهى بها المطاف هياكلَ صدئة، ترقد في ساحات التفكيك، وقد طواها النسيان كما تُطوى صفحات الحروب القديمة…أم أنها نُهضت من جديد، أُعيد بناؤها، وعادت تبحر بأسماءٍ ربما تغيّرت، لكن بذاكرةٍ لا تُمحى …هل ما زالت تحمل في صفائحها آثار تلك اللحظات… شظايا قرار، وندوب مواجهة، وذكرى زمنٍ كان فيه البحر مسرحاً للنار…أم أن البحر، كعادته، ابتلع القصة، وأعاد كل شيءٍ إلى صمته الأول… كأن شيئاً لم يكن…سؤالٌ لا يبحث عن إجابةٍ بقدر ما يستدعي زمناً كاملاً… زمناً كانت فيه حتى السفن تحفظ أسرار الرجال في تلك الشواطئ، لا تُتخذ القرارات بالعاطفة، بل بالحسابات ( كلفة الإصلاح، وجدوى الإبقاء، وقيمة النهاية )..هناك، تُختصر حكايات البحر كلها في سؤالٍ واحد: هل تستحق هذه السفينة أن تعود… أم أن دورها انتهى ..لكن السؤال الأعمق يبقى معلقاً ..هل تُمحى ذاكرة الحديد حين يُعاد تشكيله أم أن كل قطعةٍ منه، حتى بعد أن تتحول إلى شيءٍ آخر، تحتفظ بشيءٍ من صدى تلك الليالي… حين كان الخليج يشتعل، وكانت الناقلات أهدافاً، لا مجرد سفن..هكذا، بين مرسى التصليح ونهاية الخردة، لا يُحسم مصير السفن فقط… بل تُطوى أيضاً فصولٌ كاملة من ذاكرة الحرب.

943 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع