
فارس الجواري
إصلاح خدمات الطيران المدني العراقي يبدأ من تأسيس مجلس استشاري تخصصي للمسؤول
منذ تشكيل الحكومة الجديدة وفتح الباب أمام المواطنين والخبراء لتقديم الرؤى والملاحظات بشأن أداء مؤسسات الدولة برزت الحاجة إلى إعادة تقييم واقع قطاع الطيران المدني العراقي في شقه الخدمي بوصفه أحد أكثر القطاعات السيادية حساسية وتأثيراً في صورة الدولة واقتصادها وعلاقاتها الدولية , فالطيران المدني لا يمثل مجرد وسيلة نقل بل يعد مؤشراً على كفاءة الإدارة العامة وقدرة الدولة على الالتزام بالمعايير الدولية المتعلقة بالسلامة والأمن والجودة والاستدامة المالية , ومن هنا تبرز أهمية التساؤل ... لماذا يحتاج المسؤول في الوزارة المعنية ( وزارة النقل ) إلى مجلس استشاري تخصصي في شؤون الطيران المدني؟
الإجابة تبدأ من طبيعة التحديات المتراكمة التي تواجه القطاع فعلى امتداد السنوات الماضية لم تكن المشكلة الأساسية في نقص الموارد أو ضعف الإمكانات البشرية بقدر ما كانت في غياب المرجعية التخصصية القادرة على تقديم المشورة العلمية المستقلة لصانع القرار فوزارة النقل تشرف على ملفات واسعة تشمل النقل البري والبحري والسككي والجوي , الأمر الذي يجعل من الصعب على أي وزير مهما امتلك من الخبرة الإدارية أن يحيط منفرداً بالتفاصيل الفنية الدقيقة لقطاع معقد كقطاع الطيران المدني كون ان هذا القطاع تحكمه منظومات دولية صارمة وتخضع عملياته لمعايير فنية واقتصادية وتشغيلية متخصصة ولا يمكن رسم سياساته أو معالجة أزماته بالاجتهادات العامة أو الحلول التقليدية.
حيث تكشف الوقائع المتراكمة في شركة الخطوط الجوية العراقية والمطارات الحكومية وشركة الملاحة الجوية عن الحاجة الماسة إلى وجود جهة استشارية مستقلة تضم خبراء يجمعون بين التأهيل الأكاديمي العالي والخبرة الميدانية الطويلة فالكثير من القرارات الاستراتيجية التي اتخذت خلال السنوات الماضية أفرزت نتائج سلبية انعكست بصورة مباشرة على الأداء المالي والتشغيلي لهذه المؤوسسات الخدمية , ففي ملف الناقل الوطني شركة الخطوط الجوية العراقية هناك العديد من المؤشرات السلبية في الاداء غابت عنه المراقبة والمحاسبة وهو ماجعل ادارة الشركة تعمل بعيدا عن علم اقتصاديات الطيران الذي يقيس نجاح شركات الطيران من خلال معادلة أساسية تعتمد على مؤشرين عالميين هما كلفة المقعد المتاح للميل الواحد (CASM) وإيراد المقعد المتاح للميل الواحد (RASM) حيث تكون الاستدامة التشغيلية ممكنة فقط عندما تتجاوز الإيرادات الكلف التشغيلية غير أن مراجعة عدد من الملفات الرئيسية في الخطوط الجوية العراقية توحي بأن الإدارة كانت تسير عملياً بعكس هذه القاعدة , اما في ملف الخدمات الأرضية للشركة على سبيل المثال أفضت صيغة الشراكة المعتمدة إلى منح المستثمر الحصة الأكبر من العوائد الأمر الذي أثار تساؤلات واسعة حول جدوى العقد وقدرته على تعزيز الموارد المالية للناقل الوطني وفي ملف المركز التدريبي استمر مشروع استراتيجي مهم معطلاً لأكثر من خمسة عشر عاماً مما أبقى الشركة معتمدة على التدريب الخارجي بكلف مالية مرتفعة أما في ملف الصيانة الفنية فإن عدم تطوير الورش الوطنية بالشكل المطلوب أدى إلى استمرار الاعتماد على الجهات الخارجية في أعمال الصيانة الثقيلة مع ما يترتب على ذلك من أعباء مالية وتعطل للطائرات وفقدان ساعات تشغيلية كان يمكن استثمارها في توليد الإيرادات كل هذا يضاف إليه ملف استمرار الحظر الأوروبي دون حسم رغم تعدد العقود الاستشارية والوعود المتكررة بتحقيق تقدم ملموس وهو ما حرم الناقل الوطني من الوصول إلى أسواق تعد من الأكثر أهمية وربحية على مستوى العالم.
أما في الملف الخدمي الثاني ملف المطارات الحكومية فالنقاشات الدائرة حول عقود تشغيل بعض المطارات ومستوى الخدمات المقدمة فيها وحجم العوائد المتحققة للدولة تطرح تساؤلات جوهرية بشأن آليات التخطيط والمتابعة والتقييم كما أن التعثر الذي شهدته بعض مشاريع المطارات الجديدة أو المعاد تأهيلها يعكس الحاجة إلى وجود جهة مهنية مستقلة تتابع مراحل التنفيذ وتقيّم الجدوى الاقتصادية والفنية وتقدم تقاريرها مباشرة إلى صانع القرار بعيداً عن الضغوط التشغيلية والإدارية اليومية.
وهنا تبرز أهمية الفصل بين الإدارة التنفيذية والتخطيط الاستراتيجي والرقابة فالمديرون العامون في تشكيلات الطيران المدني يتحملون مسؤوليات تشغيلية وإدارية واسعة ومن الطبيعي أن ينصب تركيزهم على إدارة أعمال مؤسساتهم اليومية أما الوزير فهو بحاجة إلى جهة مستقلة تقدم له رؤية شاملة ومجردة عن واقع القطاع وتراجع الخطط والسياسات والمشاريع والعقود وتقيس الأداء وفق مؤشرات دولية معتمدة وتكشف مواطن الخلل قبل أن تتحول إلى أزمات مكلفة للدولة.
إن تأسيس مجلس استشاري تخصصي مرتبط مباشرة بمكتب وزير النقل لا ينبغي النظر إليه باعتباره إجراءً إدارياً إضافياً بل كضرورة مؤسسية تفرضها طبيعة قطاع الطيران نفسه فهذا المجلس يمكن أن يشكل منصة تجمع خبرات أكاديمية ومهنية عراقية تمتلك فهماً عميقاً لعلوم الطيران وإدارته واقتصادياته وتشريعاته الدولية بما يضمن أن تكون القرارات الاستراتيجية مبنية على المعرفة والتحليل لا على ردود الأفعال أو التقديرات غير المتخصصة , كما يمكن أن يؤدي دوراً محورياً في تقييم العقود الاستثمارية ومتابعة مشاريع البنية التحتية ومراقبة خطط رفع الحظر الأوروبي وتحليل الأداء المالي والتشغيلي للناقل الوطني وفق المعايير العالمية.
إن مستقبل الطيران المدني العراقي لا يرتبط فقط بتغيير الأشخاص أو تبديل الإدارات بل ببناء منظومة مؤسسية قادرة على إنتاج القرار الصحيح ومراقبة تنفيذه وتقويم نتائجه ومن هذا المنطلق فإن وجود مجلس استشاري تخصصي مستقل يمثل أحد أهم متطلبات الإصلاح الحقيقي لأنه يوفر لصانع القرار ما يحتاجه من خبرة فنية ورؤية استراتيجية ورقابة مهنية وفي ظل التحديات المعقدة التي يواجهها القطاع اليوم قد يكون هذا المجلس هو صمام الأمان الذي يضمن أن تسير الخطوط الجوية العراقية والمطارات الحكومية وشركة الملاحة الجوية على طريق الإصلاح المستدام وأن تستعيد مكانتها وفق المعايير التي تستحقها دولة بحجم العراق وإمكاناته البشرية والاقتصادية.
حزيران 2026

670 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع