هل وُلدت إيران جديدة؟ قراءة في مقال «الاستراتيجية الكبرى الجديدة لإيران» المنشور في مجلة فورين أفيرز

اللواء الركن علاء الدين حسين مكي خماس

هل وُلدت إيران جديدة؟قراءة في مقال «الاستراتيجية الكبرى الجديدة لإيران» المنشور في مجلة فورين أفيرز ليوم 3 يونيو – حزيران 2926

تقديم
قبل أكثر من أربعة عقود، وتحديداً عام 1984، قمت بترجمة كتاب بعنوان السوق الأكبر – مبادئ وممارسات Grand Strategy، وهو من الكتب التي شكلت آنذاك مادة أساسية لطلاب كلية الحرب العراقية وللمهتمين بالدراسات الاستراتيجية عموماً. وقد استُخدم في العراق مصطلح «السوق الأكبر» ترجمةً لهذا المفهوم، إذ كانت كلمة «السوق» في المصطلحات العسكرية العراقية تعني الاستراتيجية، بينما تبدو الترجمة الأقرب إلى القارئ العربي اليوم هي «الاستراتيجية الكبرى». وبصورة مبسطة، فإن الاستراتيجية الكبرى تمثل الإطار الشامل الذي يربط بين الأهداف السياسية للدولة وبين الوسائل اللازمة لتحقيقها. فهي الخطة العامة التي تحدد كيفية تحويل الأهداف والمبادئ التي تضعها السياسة إلى برامج وإجراءات قابلة للتنفيذ، وتتفرع عنها استراتيجيات متخصصة في المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية وغيرها. واليوم، وبينما ما زالت منطقتنا تعيش تداعيات الحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى منذ أواخر عام 2025، ثم تجددت بصورة أوسع خلال عام 2026، برزت تساؤلات عديدة حول ما إذا كانت تلك الحرب قد غيرت إيران فعلاً، أم أنها لم تفعل أكثر من إعادة إظهار بعض خصائصها المعروفة سابقاً.
وفي هذا السياق نشرت مجلة فورين أفيرز الأمريكية يوم 3 هذا الشهر ( يونيو / حزيران – 2026) مقالاً مطولاً بعنوان «الاستراتيجية الكبرى الجديدة لإيران» للكاتبين نرجس باجوغلي وولي نصر. ولا تكمن أهمية المقال في تناوله للأحداث العسكرية فحسب، بل في الأطروحة التي يدافع عنها، وهي أن الحرب لم تُضعف الجمهورية الإسلامية كما كان متوقعاً، بل أسهمت في إعادة تشكيلها وإنتاج نسخة جديدة منها أكثر قومية وأكثر اعتماداً على مؤسسات الدولة وأقل ارتباطاً بالشعارات الثورية التقليدية.
ترجمت هذا المقال لا لأنني أتفق مع معظم استنتاجاته، بل لأنه يمثل اتجاهاً فكرياً جديداً في تفسير تطور الجمهورية الإسلامية بعد الحرب، وهو اتجاه يستحق الاطلاع والمناقشة حتى بالنسبة لمن يختلف معه. فالمقال لا يعبر عن وجهة نظر إيرانية رسمية، بل عن قراءة أكاديمية أمريكية تحاول تفسير ما جرى وما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع في المستقبل.
ولكي تكتمل الصورة أمام القارئ، لم أكتفِ بترجمة المقال فحسب، بل أعددت أيضاً تعليقاً وتحليلاً نقدياً له، أبين فيه النقاط التي أراها جديرة بالاهتمام، وتلك التي أعتقد أنها تحتاج إلى مراجعة أو نقاش أو ربما إلى قدر من التحفظ. وقد ألحقت هذا التعليق في نهاية الترجمة ليكون القارئ قد اطلع أولاً على النص الأصلي وأفكار كاتبيه قبل الانتقال إلى مناقشتها وتقييمها.
ومن هنا أرجو من القارئ الكريم أن يتعامل مع ما سيرد في الصفحات التالية بوصفه أطروحة فكرية قابلة للنقاش والأخذ والرد، لا باعتباره حقيقة نهائية أو حكماً قاطعاً على واقع إيران ومستقبلها. فبعض ما يطرحه الكاتبان جدير بالتأمل، وبعضه الآخر يثير تساؤلات واعتراضات مشروعة، وهو ما سأناقشه في التعليق والتحليل الذي أرفقته في نهاية الترجمة.
وأترك للقارئ بعد ذلك حرية الحكم على مدى صحة هذه الرؤية، وعلى السؤال الذي يشكل جوهر المقال كله:
هل أنتجت الحرب إيران جديدة بالفعل، أم أن ما نراه ليس أكثر من مرحلة عابرة فرضتها ظروف الحرب ومقتضياتها؟

علاء الدين حسين مكي خماس
6 / يونيو – حزيران / 2026
الاستراتيجية الكبرى الجديدة لإيران
كيف ستعيد الجمهورية الإسلامية المعاد تشكيلها رسم الشرق الأوسط

بقلم
نرجس باجوغلي
ولي نصر

ترجمة وتعليق وتحليل
اللواء الركن
علاء الدين حسين مكي خماس

المؤلفان
نرجس باجوغلي أستاذة مشاركة في دراسات الشرق الأوسط في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز، ومتخصصة في علم الأنثروبولوجيا. وهي مؤلفة كتاب: إعادة تأطير إيران: هواجس القوة في الجمهورية الإسلامية.
ولي نصر أستاذ كرسي مجيد خضوري للعلاقات الدولية ودراسات الشرق الأوسط في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز، ومؤلف كتاب: الاستراتيجية الكبرى لإيران: تاريخ سياسي.

حقوق الطبع والنشر © 2026 محفوظة لمجلس العلاقات الخارجية. جميع الحقوق محفوظة. لطلب الإذن بتوزيع هذه المقالة أو إعادة طبعها، يرجى زيارة الموقع الإلكتروني لمجلة فورين أفيرز.
المصدر:
https://www.foreignaffairs.com/iran/irans-new-grand-strategy

3 يونيو/حزيران 2026 • المجلد 105 • العدد 4

الاستراتيجية الكبرى الجديدة لإيران
كيف ستعيد الجمهورية الإسلامية المعاد تشكيلها رسم ملامح الشرق الأوسط

عند اندلاع الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران في فبراير/شباط 2026، بدت الجمهورية الإسلامية منهكة ومُضعفة. فقد أدت حملة القصف واسعة النطاق إلى تدمير أجزاء مهمة من الصناعة والبنية التحتية، بينما ألحق الحصار البحري الأمريكي أضراراً جسيمة باقتصاد كان يعاني أصلاً من أزمات عميقة. وفي أوائل مارس/آذار، صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للصحفيين على متن الطائرة الرئاسية قائلاً:” لقد دمّرنا إمبراطوريتهم الشريرة بأكملها”. وبعد عدة أسابيع، أعلن تحقيق” نصر كامل وشامل”.
إلا أن الصورة، بعد مرور ثلاثة أشهر، تبدو مختلفة تماماً. فما زالت إيران تحتفظ بقدراتها العسكرية والصناعية، وعلى الرغم من دعوة ترامب للإيرانيين إلى إسقاط النظام، فإن أي انتفاضة شعبية لا تلوح في الأفق. وقد ثبت أن الهدف الأولي للحرب، والمتمثل في توجيه ضربة قاضية للجمهورية الإسلامية، هدف غير قابل للتحقيق.
تعليق بل انه قال في تصريحاته ليوم 3 حزيران يونيو انه يجري مباحثات مستمرة مع مجتبى خامنئي بل ويتطلع الى الاجتماع به مناقضا بذلك كل ما قاله سابقا من تهديدات اوحت بإسقاط النظام او استعداده لإسناد ثورة شعبية ضد النظام او تبديله بنظام موالي جديد ، الامر الذي أدى الى تصاعد القلق الان ضمن قوى المعارضة الإيرانية بالداخل والتي ترى ان ترامب قد خدعها وتزايد القلق لديهم على حيواتهم ) المترجم .
وبدلاً من كسر إيران، أدت محنة الحرب إلى تحويلها بطرق لم تكن متوقعة. فلكي تضمن بقاءها وتؤسس لمزايا استراتيجية جديدة، كان على الجمهورية الإسلامية أن تتكيف وتبتكر، وأن تُغيّر أسلوبها في إدارة الحرب، وتسيير شؤون الدولة، وإدارة المجتمع. وكان عليها أن تفعل ذلك بسرعة غير مسبوقة. واليوم، تبدو طهران واثقة مما حققته، ومصممة على ترسيخ تلك المكاسب داخلياً وخارجياً. لقد أفرزت الحرب إيران جديدة، إيران ستعيد تشكيل الشرق الأوسط وتؤثر في مسار الجغرافيا السياسية لسنوات قادمة.
خلافة هادئة
إدراكاً منهما أن النظام الإيراني قد أُضعف بفعل الحرب التي استمرت اثني عشر يوماً مع إسرائيل في يونيو/حزيران 2025، وكذلك بفعل الانتفاضة الشعبية التي شهدتها البلاد في يناير/كانون الثاني 2026، شنت إسرائيل والولايات المتحدة غارات جوية على إيران في 28 فبراير/شباط. وكانتا تتوقعان تحقيق نصر سريع من خلال اغتيال القيادات الإيرانية بصورة انتقائية. إلا أن سياسة” قطع الرأس” لم تؤدِّ إلى انهيار النظام، بل فتحت الباب أمام جيل جديد لتولي السلطة. ينظر كثير من المراقبين الغربيين إلى القيادة الجديدة التي برزت خلال الحرب، والتي يهيمن عليها الحرس الثوري الإسلامي، على أنها أكثر تشدداً أيديولوجياً وأكثر ميلاً إلى المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. غير أن هذا التوصيف ليس دقيقاً تماماً. فما يميز هذه القيادة الجديدة في الواقع هو أمر أكثر دقة وأشد تأثيراً في الوقت نفسه. فالمراقبون خارج إيران يركزون عادة على عدد محدود من القادة الكبار، مثل مجتبى خامنئي، المرشد الأعلى الجديد؛ ومحمد باقر قاليباف، رئيس مجلس الشورى؛ وأحمد وحيدي، قائد الحرس الثوري. إلا أن الأهم من ذلك هو التحول الذي جرى في المستويات الأدنى من القيادة، حيث برز جيل جديد من قادة الحرس الثوري والمسؤولين المدنيين العاملين في الأجهزة الأمنية ممن نشؤوا بعد ثورة عام 1979. وقد أصبح هؤلاء يشغلون اليوم مواقع رئيسية في عملية صنع القرار، بينما يعيد منظورهم القومي لشؤون الدولة والأمن صياغة طبيعة الجمهورية الإسلامية.
لقد تشكلت الرؤية الفكرية للجيل المؤسس للثورة، ومن بينهم القائدان السابقان روح الله الخميني وعلي خامنئي، من خلال معارضتهم الطويلة لحكم محمد رضا شاه بهلوي المدعوم من الولايات المتحدة، ومن خلال سنوات السجن أو المنفى التي قضوها في عهد الشاه. أما الذين يتولون زمام القيادة اليوم، وهم الجيل الثاني من الثوريين الإيرانيين، ومن بينهم مجتبى خامنئي وقاليباف ووحيدي، فقد كانوا مراهقين أو شباناً خلال الحرب العراقية–الإيرانية. وقد تبلورت رؤيتهم للعالم في خنادق أطول حرب تقليدية شهدها القرن العشرون.
أما أعضاء الطبقة الإدارية الجديدة في المؤسسات السياسية والعسكرية الإيرانية، أي الجيل الثالث من الثورة، فلم يعرفوا سوى إيران ما بعد الثورة. ويضم هذا الجيل فئة الضباط في القوات المسلحة والحرس الثوري،إلى جانب المؤسسات الأمنية المرتبطة بها، ثقافةً مؤسسية منظمة ذات طابع تكنوقراطي، ورؤيةً استراتيجية ترتكز على الدفاع الوطني أكثر مما ترتكز على الأيديولوجيا الثورية. وهم يمارسون الحكم بثقة قادة يعتقدون أنهم نجحوا في الدفاع عن إيران في حربين ضد قوى تتفوق عليها عسكرياً (حرب الأيام الاثني عشر في العام الماضي، والحرب الأكبر بكثير التي اندلعت هذا العام)، وأنهم حققوا بذلك أمراً لم تكن الثورة قد تجاوزت مرحلة الوعد به، وهو إضعاف النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط بصورة حقيقية. أما المرشد الأعلى السابق، آية الله علي خامنئي، الذي قُتل في اليوم الأول من حرب فبراير/شباط، فقد كان نتاج التيارات الفكرية والسياسية التي سادت إيران قبل الثورة خلال عهد أسرة بهلوي. وقد تشكل وعيه السياسي من خلال النقاشات والجدالات التي خاضها مع القوميين العلمانيين واليساريين والليبراليين الذين شاركوه هدف إسقاط النظام الملكي والتصدي لما كانوا يعدونه هيمنة إمبريالية غربية. وبعد وصول قادة الثورة إلى السلطة، فرضوا أيديولوجيتهم على إيران، لكنهم لم يتمكنوا قط من التخلص من حالة عدم الثقة الكامنة في ادعائهم حق حكم مجتمع لم يكن مستعداً للخضوع الكامل لهم.



جدارية مناهضة لإسرائيل في طهران، مايو/أيار 2026

أما الجيل الجديد فلا يعرف شيئاً من ذلك عن تجربة مباشرة. فمعظم أفراده كانوا أطفالاً عند قيام الجمهورية الإسلامية، ونشأوا وهم يؤمنون بشرعية حقها في الحكم. هؤلاء الرجال لم يشقوا طريقهم إلى السلطة عبر النضال أو الصراع؛ بل بلغوا مرحلة النضج داخل مؤسسات السلطة نفسها، وكانوا يعدّون شرعيتهم أمراً مسلماً به. ولذلك فإن الشعور بعدم الثقة الذي طبع الجيل المؤسس ــ والحاجة الدائمة إلى إثبات أن الثورة حقيقية، وأن شعاراتها جادة، وأن النخبة القديمة قد هُزمت فعلاً ــ يكاد يكون غائباً لديهم. فهم لا يدافعون عن ثورة، بل يديرون دولة. ويحمل هذا الاختلاف النفسي آثاراً عملية هائلة. فعندما كان جيل علي خامنئي يواجه العالم، سواء في مفاوضات الرهائن أو المباحثات النووية أو المواجهات الإقليمية، كان هناك دائماً تيار خفي من الشعور بالمظلومية يتردد صداه في خطاب يركز على المظالم التاريخية وضرورة إنصاف المشروع الإسلامي. وقد كان هذا الخطاب مؤثراً وحقيقياً في نظر أصحابه، لكنه كان يمثل في الوقت نفسه عبئاً استراتيجياً. إذ جعلهم أكثر قابلية للتوقع، وأكثر ميلاً إلى اتخاذ مواقف دفاعية، وأكثر استعداداً للخلط بين الدفاع عن أيديولوجيتهم والدفاع عن المصالح الوطنية الإيرانية، رغم أن الاثنين لم يكونا دائماً متطابقين. أما الجيل الجديد فقد فصل بين الثورة وفن إدارة الدولة. فهو لا يتبنى، في الداخل أو الخارج، الخطاب الثوري المتضخم، ولا يدعو إلى النشاط الثوري بوصفه غاية بحد ذاته. إن القادة الجدد هم أبناء المؤسسة الحاكمة؛ قوميون براغماتيون صقلتهم التجارب، ويتصرفون انطلاقاً من تقييم واقعي وواضح لقدرات إيران ونقاط ضعفها. وعلى خلاف أسلافهم، فإنهم قادرون على ممارسة الصبر الاستراتيجي، وفي الوقت نفسه اتخاذ قرارات حاسمة عندما تقتضي الضرورة ذلك.
وهم ينظرون إلى مواطن الضعف الإيرانية بصورة متكررة وعلنية ــ وهو أمر كان الجيل المؤسس يفتقر إلى الثقة الكافية للتعامل معه بصدق ــ ويتعاملون معها باعتبارها مشكلات ينبغي إيجاد حلول لها. وقد كانت هذه النزعة هي الدافع وراء التغييرات التي أجرتها طهران في الفترة الفاصلة بين الحربين.
خبرة حربية
قبل الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي في يونيو/حزيران 2025، كان قادة إيران يفترضون أنهم قادرون على الاستمرار إلى أجل غير مسمى في حالة المواجهة القائمة على مبدأ” لا حرب ولا سلام” مع الولايات المتحدة وإسرائيل. لكن الأحداث أثبتت خطأ هذا الافتراض، وبدأت مراجعة هذا الركون إلى الاطمئنان فور انتهاء حرب الأيام الاثني عشر. وقد توقعت القيادة الجديدة للحرس الثوري أن ينهار وقف إطلاق النار الذي أُعلن في يونيو/حزيران وأن تندلع حرب أخرى، ربما تكون الولايات المتحدة طرفاً فيها منذ اللحظة الأولى. وعلى إثر ذلك، بدأت الجامعات الإيرانية ومراكز البحوث ومؤسسات الفكر الاستراتيجي والهيئات الحكومية في عقد نقاشات واسعة حول الدروس المستفادة والتغييرات المطلوبة. وخلال الأشهر الثمانية التالية شهدت البلاد من الإصلاحات والتعديلات المؤسسية ما فاق ما تحقق خلال السنوات العشر السابقة مجتمعة.
فقد نُقلت صلاحيات تنفيذية عديدة تتعلق بالتجارة والزراعة وإدارة الخدمات الاقتصادية والاجتماعية من طهران إلى مراكز المحافظات. كما خضعت المؤسسات المسؤولة عن الدعاية والتواصل مع الجمهور المحلي ونشر المعلومات في الخارج لعملية تجديد شاملة على مستوى الأجيال القيادية. ولطالما كانت البيروقراطية في الجمهورية الإسلامية تتسم بالبطء والجمود المؤسسي، غير أن هذا الواقع أفسح المجال أمام ضرورة التكيف السريع. وفي خضم هذه العملية، انتقل زمام المبادرة إلى صناع القرار ذوي الخلفية التكنوقراطية.
وبعد مقتل علي خامنئي في غارة جوية أمريكية–إسرائيلية، جرى انتقال السلطة إلى نجله مجتبى بسرعة لافتة وبقدر كبير من الانتظام. وقد اختاره الجيل الجديد الذي برز بعد حرب يونيو/حزيران 2025 جزئياً لأنه كان منذ سنوات من أبرز الداعمين له. وكان مجتبى عضواً في الحرس الثوري، وشارك في الحرب العراقية–الإيرانية قبل أن يلتحق بالحوزة العلمية ليصبح رجل دين. وبعد ذلك عمل إلى جانب والده، مشرفاً على عملية تطوير الحرس الثوري وصعود قياداته المستقبلية. وقد أكد وصوله إلى موقع القيادة هذا التحول الجيلي وسرّع وتيرته، لينتج عنه عكس ما كانت واشنطن تتوقعه تماماً؛ فبدلاً من انهيار المؤسسات، شهدت مزيداً من التماسك والاستمرار.
كما كان للطريقة التي قُتل بها خامنئي الأب أهمية بالغة. فقد قُتل في منزله لا في ملجأ محصن، وهو أمر استثمره القادة الجدد على الفور من خلال تقديم مقتله باعتباره شهادة في سبيل القضية. وقد نجح هذا التصور في ترسيخ أثره. فبدلاً من أن يؤدي اغتياله إلى إحباط النظام وإضعاف معنوياته، منح الجيل الجديد من القادة شعوراً واضحاً بالاتجاه والغاية. وكان أول ما قاموا به هو تعبئة الجمهورية الإسلامية والكوادر والصفوف التنظيمية حول ذكرى مقتله. كما أسهم هذا الخطاب التعبوي في استقطاب شريحة أوسع من المجتمع الإيراني للالتفاف حول الدولة في مواجهة الحرب.
لقد فصل الجيل الجديد بين الثورة وفن إدارة الدولة.
وقد عكس أداء إيران في الحرب اللاحقة هذا النهج التكنوقراطي الذي يتبناه الجيل الجديد. فالجمهورية الإسلامية كانت لفترة طويلة تعمل من خلال شبكة معقدة ومتشابكة من مراكز القوى المتنافسة، الأمر الذي كان يولد نقاشات داخلية لا تنتهي وحالة من الجمود المؤسسي المزمن. غير أن هذه الفوضى التنظيمية أفسحت المجال، في الفترة الفاصلة بين الحربين، للانضباط المؤسسي والقدرة على الصمود. ولتحقيق ذلك، أُنشئ مجلس أعلى جديد للدفاع بقيادة جنرالات الحرس الثوري عبد الرحيم موسوي ومحمد باكبور وعلي شمخاني، بهدف تسريع تنفيذ التغييرات العسكرية المطلوبة. وفي الوقت نفسه، اضطلع محمد باقر قاليباف، القائد السابق في الحرس الثوري الذي أصبح رئيساً للبرلمان عام 2020، وعلي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، بأدوار موازية داخل البيروقراطية المدنية والاقتصادية، من خلال العمل عبر الوزارات والسلطات المحلية.
وكان هؤلاء جميعاً من قدامى المحاربين في الحرب العراقية–الإيرانية، وقد تعلموا خلال تلك الحرب كيفية إدارة الأزمات والعمل في ظروف تبدو فيها الاحتمالات ضدهم بصورة شبه مطلقة. وأمام أكبر تحدٍ تواجهه إيران منذ ثمانينيات القرن الماضي، تحرك الجيل المؤسس للثورة بسرعة لإعادة تنظيم إدارة الدولة بما يتناسب مع متطلبات الحرب. وقد أشرف هؤلاء القادة المخضرمون على عملية الانتقال إلى الجيل الجديد، الذي بادر بدوره إلى إعادة تنظيم مراكز القوة المتفرقة ضمن هيكل موحد لصنع القرار، قادر على الاستمرار والعمل حتى في حال فقدان أي قائد منفرد.
كما أُعيد تنظيم القوات المسلحة الإيرانية ضمن شبكة من القيادات العملياتية تشبه في بنيتها إلى حد كبير تنظيمات حرب العصابات أكثر مما تشبه الجيش التقليدي، مع تركيز السلطة في أيدي مجموعات متجانسة فكرياً بدلاً من توزيعها بين تيارات وفصائل متعددة. وقد قُتل لاريجاني وموسوي وباكبور وشمخاني لاحقاً في غارات إسرائيلية متتابعة، إلا أن منظومة الصمود التي أسهموا في بنائها لم تتأثر بذلك. وفي ساحة القتال، طبقت القوات المسلحة الإيرانية الدروس المستخلصة من حرب يونيو/حزيران 2025 بدرجة عالية من الدقة. فقد واجهت الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي الذي بدأ في فبراير/شباط 2026 من خلال رشقات ممنهجة من الصواريخ والطائرات المسيّرة، صُممت خصيصاً لاستنزاف مخزونات الصواريخ الاعتراضية الأمريكية والإسرائيلية المنتشرة في أنحاء المنطقة. وكانت القيادة الإيرانية قد خلصت إلى أن خصومها يتوقعون تدمير قدراتها الصاروخية بسرعة، وأنهم غير مستعدين لخوض حملة طويلة الأمد.
وخلال حرب عام 2025، استهدفت إسرائيل مداخل ما يُعرف بـ«مدن الصواريخ” الإيرانية، وتمكنت فعلياً من إغلاقها، مما أجبر إيران على إطلاق معظم صواريخها من المناطق الشرقية البعيدة نسبياً عن مدى الوصول الإسرائيلي. وردت إيران على ذلك بتوزيع منصات الإطلاق الصاروخية عبر رقعتها الجغرافية الواسعة، وإدخال فرق هندسية إلى داخل مدن الصواريخ إلى جانب العناصر العسكرية، بهدف إصلاح منصات الإطلاق والمداخل المتضررة بصورة فورية أثناء القتال. وقد مكّن هذا الإجراء إيران من مواصلة إطلاق الصواريخ لمدة أطول بكثير مما توقعته إسرائيل والولايات المتحدة.
كما دفع الحرس الثوري بأعداد كبيرة من الطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة لإغراق أنظمة الرادار الأمريكية والمواقع العسكرية المنتشرة في الخليج العربي وإسرائيل، الأمر الذي أعاق حملة القصف وفتح ممرات أمام الصواريخ للوصول إلى أهداف في مختلف أنحاء المنطقة. واستناداً إلى منطق الحرب اللامتماثلة asymmetric ، وإلى الخبرة المتراكمة من استخدام هجمات الموجات البشرية لاختراق المواقع العراقية خلال ثمانينيات القرن الماضي، دفعت إيران بأسراب من طائرات” شاهد” المسيّرة. وقد أسهمت هذه الوسائط القتالية الرخيصة والقابلة للتضحية في إضعاف منظومات الدفاع الجوي التي تحمي القواعد الأمريكية، وكذلك القواعد والمنشآت التابعة للحلفاء العرب للولايات المتحدة، مما أتاح فتح ممرات أمام الصواريخ الدقيقة لضرب أهداف ذات قيمة استراتيجية عالية. وهكذا تعلمت المؤسسة العسكرية الإيرانية ليس فقط كيفية امتصاص الضربات، بل أيضاً كيفية تحويل الضغوط العسكرية إلى مزايا استراتيجية من خلال إحباط الأهداف التي سعى خصومها إلى تحقيقها من الحرب.
توازن قوى جديد
إن أهم انتصار حققه الجيل الجديد من القادة يتمثل ببساطة في أن استراتيجيته نجحت. فقد نجحت الدولة في النجاة من محاولة” قطع الرأس” decapitation التي استهدفت قيادتها العليا، وصمدت أمام القصف الأمريكي والإسرائيلي المكثف، وفرضت سيطرتها على مضيق هرمز، وواجهت الحصار البحري الأمريكي. وفي سياق ذلك، وسعت نطاق ساحة المعركة ليشمل الخليج العربي، وألحقت أضراراً جسيمة بست عشرة قاعدة أمريكية، وجعلت عدداً منها خارج الخدمة. وفي شهر مارس/آذار، أجبرت الفصائل العراقية المسلحة الولايات المتحدة على إخلاء معسكر فيكتوري (Camp Victory)، وهو إحدى أهم المنشآت العسكرية الأمريكية في بغداد، والتي ظلت القوات الأمريكية تستخدمها منذ عام 2003. كما أدت الهجمات الإيرانية إلى خلق أزمة ثقة لدى دول الخليج العربية. فبحسب رؤية الكاتب، جلبت الولايات المتحدة الحرب إلى مدنها وبناها التحتية الحيوية، ثم أخفقت في حمايتها. وأصبحت اقتصادات تلك الدول ضحية جانبية للصراع. ومن المرجح أن يستمر التصدع في الثقة بين عواصم الخليج وواشنطن إلى ما بعد انتهاء المواجهة المباشرة. كما يبقى من غير الواضح عدد القواعد الأمريكية التي ستُعاد بناؤها، وما إذا كانت الولايات المتحدة أو حلفاؤها العرب سيجدون فائدة كبيرة في الاعتماد عليها لمواجهة إيران أثبتت قدرتها على التحكم بمضيق هرمز. ومن خلال إغلاق المضيق واستهداف البنية التحتية للطاقة، فرضت إيران تكاليف كبيرة على أسواق الطاقة العالمية وحركة التجارة الدولية. وقد أظهرت هذه الحملة الهجومية، التي جمعت بين أسراب الطائرات المسيّرة و«أسطول البعوض” Mosquito Fleet من من الزوارق الصغيرة والسريعة والمسلحة تسليحاً خفيفاً، والتي تعتمد على الكثرة والسرعة والإغراق العددي لإرباك القوات البحرية الأكبر حجماً، وهو وصف ينسجم مع العقيدة البحرية الإيرانية في الخليج العربي. والتهديد باستخدام الألغام البحرية، قدرةً عسكرية كانت واشنطن تقلل من شأنها منذ زمن طويل. وترى طهران أن حالة الجمود التي نتجت عن ذلك تمثل توازناً جديداً للقوى. فالحصار البحري الأمريكي ألحق أضراراً بالاقتصاد الإيراني، لكنه فعل ذلك على حساب إبراز الأهمية الاستراتيجية لسيطرة إيران على مضيق هرمز بصورة أوضح من أي وقت مضى. ومن خلال انتقالها من الحرب الجوية إلى استراتيجية الحصار البحري، تكون الولايات المتحدة قد أقرت عملياً بأن إيران نجحت في تغيير ساحة المعركة التي سيتحدد عليها مسار الصراع.



مضيق هرمز كما يُرى من محافظة مسندم في سلطنة عُمان، يونيو/حزيران 2026(رويترز)

لقد تبنى ترامب الحصار البحري باعتباره السلاح الحاسم الذي سيكفل تحقيق النصر في الحرب، إلا أن هذه الخطوة لم تؤدِّ إلا إلى زيادة الضغوط على الاقتصاد العالمي. وكانت حالة الجمود التي نتجت عن الصراع تعني، في جوهرها، اقتراباً أكبر من التكافؤ الاستراتيجي بين الطرفين، وهو ما حرصت القيادة الإيرانية على تأكيده عندما أعلنت أن الحرب لن تنتهي إلا عندما ترفع الولايات المتحدة وإيران معاً قبضتيهما الخانقتين عن الخليج العربي. وفي المستقبل، سيشكل التحكم بمضيق هرمز، بوصفه أحد أهم الاختناقات الاقتصادية الاستراتيجية في العالم بلا منازع، أداة ضغط اقتصادية ووسيلة ردع بيد طهران في مواجهة أي هجمات محتملة. ويرى القادة الإيرانيون أن هذه القوة التي تجلت بصورة أوضح خلال الحرب تعوض جزئياً التكاليف التي تكبدتها إيران أثناء الصراع، بما في ذلك تراجع قدرات حليفها اللبناني حزب الله، فضلاً عن الانتكاسات الأخرى التي تعرضت لها خلال السنوات الأخيرة، مثل فقدان سوريا بوصفها ممراً استراتيجياً بعد سقوط نظام بشار الأسد، الذي كان يُعد أوثق حلفاء إيران في العالم العربي. ومن وجهة نظر طهران، فإن سياسة الاحتواء التي مارستها الولايات المتحدة ضد إيران على مدى عقود قد وصلت إلى نهايتها. فالنظام الإقليمي الجديد، بحسب هذا التصور، لن يقوم على الهيمنة الأمريكية كما كان الحال في السابق، بل على تعددية الأقطاب، مع تزايد دور الصين بصورة اكبرتأثيراً، وأن تصبح إيران لاعباً أساسياً ومندمجاً في ترتيبات المنطقة، بدلاً من أن تبقى فاعلاً هامشياً على أطرافها.
وتعتزم طهران تثبيت هذه المكاسب في أي اتفاق ينهي الحرب. فإصرارها على السيطرة على مضيق هرمز وفرض رسوم عبور على السفن المارة، إلى جانب شروطها المسبقة للدخول في المفاوضات ــ والمتمثلة في وقف إطلاق النار في لبنان وإنهاء الحصار البحري الأمريكي ــ يعكس قناعة القيادة الإيرانية بأن الحرب قد غيّرت ميزان القوى لمصلحتها. ولذلك فإن الحكام الجدد في إيران يتفاوضون انطلاقاً من هذا التصور.
إدارة الدولة قبل الأيديولوجيا
حققت إيران هذه المكاسب الاستراتيجية من خلال استيعاب دروس حرب الأيام الاثني عشر وتطبيقها بسرعة لافتة. ففي يونيو/حزيران 2025 وجدت إيران نفسها تقاتل حرباً وفق الشروط التي فرضتها إسرائيل. أما هذه المرة فقد كانت مصممة على خوض الحرب وفق شروطها هي.
وبالإضافة إلى إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية الإيرانية، برزت عدة تطورات مهمة. وكان من أبرزها الهجوم الذي شنته طهران على البنية التحتية للمعلومات والاتصالات. فقد أدرك القادة الإيرانيون منذ وقت مبكر أنهم لا يستطيعون مجاراة الولايات المتحدة وإسرائيل في مجالات الاستطلاع الفضائي، والضربات الدقيقة، ومنظومات الدفاع الجوي المتكاملة. لكن ما كان بإمكانهم فعله هو إرباك عملية اتخاذ القرار العسكري لدى خصومهم من خلال خلق فجوات بين ما ترصده أجهزة الاستشعار وما يفسره القادة العسكريون.
ولهذا السبب استهدفت إيران مواقع الرادار الأمريكية المنتشرة في الخليج العربي، مما أدى إلى إضعاف منظومات الإنذار المبكر والبنية التحتية الخاصة بتحديد الأهداف، والتي تعتمد عليها العمليات الجوية الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة. وقد عملت طهران بصورة منهجية على تقليص التفوق التكنولوجي لخصومها بدلاً من مواجهته مباشرة.
وكانت سيطرة إيران على مضيق هرمز تطوراً مهماً آخر. فقد ظل إغلاق المضيق مطروحاً في النقاشات الإيرانية لسنوات طويلة باعتباره خياراً عملياً، في حين ظل يُستبعد في واشنطن استناداً إلى حجة مفادها أن هذه الخطوة ستضر بالصادرات الإيرانية نفسها. كما كان المسؤولون الأمريكيون يرون أن القوة البحرية الأمريكية قادرة منذ الساعات الأولى للحرب على تدمير الأسطول السطحي الإيراني، وبالتالي حرمان طهران من القدرة على إغلاق المضيق.
إلا أن إيران أثبتت خطأ جميع هذه الافتراضات. فعلى مدى أكثر من أربعة عقود، ارتكزت العقيدة العسكرية الإيرانية على مفهوم الحرب اللامتماثلة المصمم لاستغلال نقاط الضعف في القوات التقليدية الأمريكية والإسرائيلية. ولذلك لم تكن إيران بحاجة إلى أسطول بحري تقليدي لإغلاق المضيق. فمن خلال استخدام الطائرات المسيّرة والزوارق الزوارق السريعة والتهديد باستخدام الألغام البحرية، فرضت إيران سيطرتها على المضيق، مع ممارسة الضغط بصورة مدروسة ومتدرجة، والمحافظة عليه لأسابيع متواصلة، مع تجنب المواجهة الشاملة التي لم تكن مستعدة للفوز بها.
وأصبح مضيق هرمز يُنظر إليه اليوم، من قبل جميع الأطراف، بوصفه أصلاً استراتيجياً إيرانياً أكثر منه ممراً بحرياً مفتوحاً تحميه الضمانات الأمريكية. وقد قال لنا أحد المحللين الإيرانيين:” إن تخفيف العقوبات لم يعد مهماً بالنسبة لنا، لأننا نعلم أنه لن يأتي، وحتى لو أتى فلن يكون طويل الأمد. نحن لا نكرر أخطاء الماضي. إن إدارة هرمز هي المفتاح الآن”.
ويمثل هذا التوجه إعادة توجيه جوهرية للاستراتيجية الاقتصادية الإيرانية، بعيداً عن السعي إلى إعادة الاندماج في النظام المالي العالمي الذي يقوده الغرب، والذي يرى الجيل الجديد من القادة أنه هدف غير قابل للتحقيق، ونحو استثمار السيطرة الإيرانية على الجغرافيا الاستراتيجية ذات الأهمية الحيوية. كما دفعت الحرب طهران إلى تعميق تقاربها التكتيكي مع الصين، بما يقترب من مستوى الشراكة الاستراتيجية. فقد خلصت القيادة الإيرانية إلى أنه لا يوجد طريق حقيقي نحو تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع مواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية بمفردها. وتعتقد طهران أن بكين تنظر إلى إيران الصامدة بوصفها حليفاً جديراً بالثقة وقد أثبت قدراته.
وفي هذا السياق، صرّح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في مايو/أيار، عقب لقائه نظيره الصيني في بكين، قائلاً: “ إن أصدقاءنا الصينيين يعتقدون أن المكانة الدولية لإيران قد تحسنت منذ اندلاع الحرب. وإن حقبة جديدة من التعاون بين إيران والصين تلوح في الأفق” .
ومع اقتراب مرحلة إعادة الإعمار التي ستعقب الحرب، أصبح القادة الإيرانيون أكثر استعداداً من أي وقت مضى للنظر إلى الصين باعتبارها الشريك الخارجي الرئيسي لإعادة البناء وتحقيق التعافي الاقتصادي.
كما مثّلت الحملة الإعلامية والاتصالية التي أدارتها طهران خلال الحرب قطيعة أخرى مع ممارسات الماضي. فقد أظهرت الرسائل التي بثتها الحكومة الإيرانية عبر وسائل الإعلام والقنوات الدبلوماسية فهماً متقدماً لطبيعة الجماهير العالمية وكيفية مخاطبتها.
ونشرت السفارات الإيرانية محتويات واسعة الانتشار على وسائل التواصل الاجتماعي، بما في ذلك مقاطع موسيقية متحركة استخدمت شخصيات ألعاب” ليغو”، الأمر الذي أسهم في توسيع دائرة النقاش العام إلى ما هو أبعد كثيراً من حدود الشرق الأوسط.
وقد وصلت الرواية الإيرانية للحرب إلى جماهير في العالم العربي وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا، بل وحتى إلى قطاعات من الرأي العام في الولايات المتحدة وأوروبا، واستطاعت التأثير في جزء منها. ويعكس هذا الأداء الاتصالي الاستراتيجي القدر نفسه من المهارة التكنوقراطية التي طبعت الحملة العسكرية الإيرانية.
وأخيراً، أدرك القادة الإيرانيون أن التدهور الاقتصادي يمثل التهديد الأكبر لاستقرارهم السياسي. فالدرس الذي استخلصوه من موجات الاحتجاج الواسعة التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة هو أن المظالم الاقتصادية تعمل بمثابة مضاعف لقوة المعارضة وتزيد من قدرتها على الحشد والتأثير.
ولذلك، فما إن أُعلن وقف إطلاق النار في أبريل/نيسان حتى بادرت الحكومة إلى إطلاق حزمة إصلاحات اقتصادية شملت إنهاء عدد من برامج الدعم الحكومي والامتيازات المحمية سياسياً. وقد بررت القيادة هذه الإجراءات باعتبارها ضرورية لمعالجة التداعيات الاقتصادية للحرب.
كما أن الإسراع في الإعلان عن مشاريع إعادة إعمار البنية التحتية، بما في ذلك الجسور والسكك الحديدية والمستشفيات، يشير إلى أن الحكومة تتجه نحو صياغة عقد اجتماعي جديد يقوم على الكفاءة والإنجاز الملموس أكثر مما يقوم على الأيديولوجيا.
وقد حرص الحرس الثوري على إظهار قدراته التكنوقراطية علناً في ميدان القتال. أما السؤال الذي يطرحه القادة الجدد على أنفسهم اليوم فهو ما إذا كانوا قادرين على تحقيق المستوى نفسه من الكفاءة في إدارة الاقتصاد.
التحول نحو القومية
في أعقاب الانتفاضات الشعبية الواسعة وما تبعها من قمع دموي للمتظاهرين في يناير/كانون الثاني 2026، بدا الإيرانيون وكأنهم موحدون في معارضتهم للنظام. ففي ذلك الوقت كانت الحياة السياسية الإيرانية تتحدد من خلال الانقسام العميق بين مجتمع متململ سئم العزلة الدولية وتبعات العقوبات الاقتصادية الأمريكية المتفاقمة، وبين حكومة تزداد عزلةً وتراجعاً في شعبيتها وتتعرض لضغوط متزايدة.
غير أن الحرب جعلت هذه الصورة أكثر تعقيداً. فقد كان حجم الدمار الذي خلفته الحرب هائلاً، إذ طال البنية التحتية العامة والمصانع والمدارس والمستشفيات والمعالم التاريخية، بل وحتى أحياءً سكنية بأكملها أصبحت ركاماً. وبينما كانت القنابل والصواريخ الأمريكية والإسرائيلية تنهال على أنحاء البلاد، لوّح ترامب بتسليح الحركات الانفصالية، وإعادة رسم حدود إيران، وخنق اقتصادها، بل والقضاء على حضارتها.
وقد أدت هذه الهجمات العسكرية والخطابية مجتمعة إلى إثارة رد فعل قومي تجاوز الانقسامات السياسية الداخلية. وهذا لا يعني أن الغضب الشعبي تجاه النظام قد اختفى. فما زالت مشاعر الحزن والإحباط والاستياء المتراكمة نتيجة عقود من سوء الإدارة والقمع قائمة كما هي. لكن الذي تغير هو البيئة السياسية التي تجد فيها هذه المشاعر متنفساً للتعبير عن نفسها. فأصبحت المعارضة والاختلافات الداخلية تُرى الآن من خلال عدسة صراع وطني ضد عدو خارجي، يقارنه الإيرانيون بالإسكندر الأكبر الذي أسقط الإمبراطورية الفارسية في القرن الرابع قبل الميلاد، أو بالجيوش العربية التي دخلت إيران في القرن السابع الميلادي، أو بالغزو المغولي الذي وقع بعد ذلك بنحو ستة قرون.
وعلى خلاف ما توقعته الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تؤدِّ الحرب إلى إشعال مظاهرات شعبية في الشوارع. بل إن استمرار الحرب لفترة أطول جعل النظام يبدو أقل تعرضاً لخطر الانتفاضات الداخلية. فقد تحرك المجتمع الإيراني ليس ضد الدولة، بل إلى جانبها، من خلال تنظيم تجمعات يومية في مختلف أنحاء البلاد، وتشكيل سلاسل بشرية لحماية محطات الطاقة، والتجمع على الجسور التي هدد ترامب باستهدافها.
وهكذا بدأت الفجوة الحادة بين الدولة والمجتمع، والتي كانت السمة الأبرز للمشهد الإيراني في يناير/كانون الثاني، تتراجع تدريجياً. ولم يحدث ذلك نتيجة الإقناع السياسي أو القمع الأمني، بل بفعل التجربة المشتركة المتمثلة في التعرض للقصف والعيش وسط الدمار ومشاهدة آثاره بصورة مباشرة.



في تجمع مؤيد للحكومة في طهران، يونيو/حزيران 2026(رويترز)


ووفقاً لتحليل نشرته وكالة بلومبرغ، فإن نحو ثلثي الأهداف التي تعرضت للقصف في طهران قبل وقف إطلاق النار كانت مباني سكنية وتجارية ومنشآت مدنية أخرى. وفي مقابلة تلو أخرى، وصف الإيرانيون انفجارات كانت تهز أجسادهم ليلاً ونهاراً، مخلفة جروحاً نفسية عميقة لا تقل أثراً عن الدمار المادي. وفي نظر كثيرين منهم، لم تعد القوات المسلحة الإيرانية تُرى بوصفها أداة قمع، بل بوصفها قوة تدافع عن البلاد. وقد عبّر أحد الشعارات التي ترددت في التجمعات الجماهيرية في مختلف أنحاء إيران دعماً للضربات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية عن هذا التحول في المزاج العام، إذ كان المتظاهرون يهتفون:” اضرب... فأنت تحسن الضرب.”
كما قال الفيلسوف والمعارض الإيراني محمد مهدي أردبيلي في طهران خلال الأسبوع الخامس من الحرب: «في هذه اللحظة التاريخية، أصبحت الجمهورية الإسلامية وإيران شيئاً واحداً. فإذا سقطت الجمهورية الإسلامية، سقطت إيران.”
وامتد هذا الشعور إلى نظرة المواطنين لكيفية إدارة الحرب على الجبهة الداخلية. فقد لاحظ الإيرانيون، وأحياناً بشيء من الدهشة، أنه رغم أسابيع القصف والحصار البحري لم تشهد البلاد نقصاً في المواد الغذائية أو الوقود، واستمرت الحياة اليومية إلى حد كبير دون انقطاع.
" فيما عدا سقوط القنابل، لم يكن الشعور السائد لدينا أننا نعيش حرباً”، هكذا قال لنا أحد سكان طهران. وأضاف:” إذا كانت الجمهورية الإسلامية قادرة دائماً على إدارة المجتمع بهذه الدرجة من الكفاءة، لما كان لدينا ذلك العدد الكبير من الشكاوى المعتادة ضدها”. ومثل هذه الملاحظات لا تمثل بالضرورة تأييداً للنظام، لكنها تعكس تغيراً في الطريقة التي ينظر بها الإيرانيون إلى قيادتهم.
كما ساهمت عمليات قطع الإنترنت التي فرضتها الحكومة في تعزيز هذا الاتجاه. فعندما عمدت السلطات إلى حجب مصادر المعلومات الخارجية باعتباره إجراءً دفاعياً ضد العمليات الاستخبارية الأمريكية والإسرائيلية، شعر كثير من الإيرانيين بالاستياء، لكنهم لم يجدوا بديلاً سوى اللجوء إلى شبكة الإنترنت الداخلية ووسائل الإعلام المحلية.
وقد أدى هذا الانقطاع إلى إقصاء وسائل الإعلام التابعة للمعارضة في الخارج ومنصات التواصل الاجتماعي التي كانت تدعو إلى التعبئة والاحتجاج، مما أوجد نوعاً مختلفاً من النقاش الوطني. وبدأت تتبلور رؤى أكثر تعقيداً وتنوعاً تجاه الحرس الثوري والتهديدات الأمنية التي تواجه إيران وما أنجزته الدولة وما ينبغي الدفاع عنه. وقال أحد نشطاء المجتمع المدني، الذي سبق أن خضع مراراً للاستجواب بسبب نشاطه السياسي:
" كنت دائماً أتجاهل أو أرفض ما يقوله الحرس الثوري أو النظام الحاكم بشأن إسرائيل أو الولايات المتحدة. لكن خلال الأسابيع الماضية لم يعد أمامنا سوى تطبيقات المراسلة والأخبار الإيرانية الداخلية، واضطررنا إلى النظر في مواقفهم والتعامل مع واقع التعرض للهجوم يومياً”.
كما قال أحد أساتذة الجامعات: " لقد دخلت البلاد حرباً وطنية، وتجري الآن صياغة هوية جديدة”.
"هل أنت إيراني بما يكفي؟”
Are You Iranian Enough?” .
لقد سعت الجمهورية الإسلامية دائماً إلى إقامة نوع من العقد الاجتماعي مع مواطنيها، إلا أن شروط هذا العقد شهدت تغيرات كبيرة عبر تاريخها. ففي السنوات الأولى للثورة، استند ذلك العقد إلى فكرة التحول الثوري وإعادة توزيع الثروة. وفي تسعينيات القرن الماضي، تحول إلى معادلة تقوم على تحقيق النمو الاقتصادي وتقديم قدر محدود من الانفتاح الاجتماعي مقابل الابتعاد عن النشاط السياسي المعارض. وقبل نحو عقدين من الزمن، اعتمد الرئيس محمود أحمدي نجاد على توجيه عائدات النفط إلى الفئات الفقيرة مقابل الولاء للأيديولوجيا الرسمية. أما خلفه حسن روحاني، فقد وعد بتحقيق النمو الاقتصادي من خلال الاتفاق النووي ورفع العقوبات.
وجميع هذه المحاولات أخفقت في إقامة علاقة مستقرة ودائمة بين الدولة والمجتمع، وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة ولأسباب مختلفة.
أما ما يُطرح اليوم فهو عقد جديد يقوم على القومية والكفاءة التكنوقراطية، بحيث تستند شرعية الدولة إلى قدرتها المثبتة على الدفاع عن البلاد وإعادة إعمارها. وشروط هذا العقد ذات طابع وطني وقومي، لا ديني أو إسلامي. فوسائل الإعلام الرسمية تنتج اليوم محتوى يُظهر النساء المحجبات وغير المحجبات وهن يقفن جنباً إلى جنب بصورة طبيعية، ويقدم الهوية الإيرانية باعتبارها هوية ثقافية وحضارية أكثر من كونها هوية دينية بحتة، كما يسعى إلى التواصل مع الفئات الاجتماعية التي كانت الأكثر رفضاً للجمهورية الإسلامية، وفي مقدمتها الشباب والطبقة الوسطى في المدن.
ولا يعني ذلك أن البلاد تتجه نحو التحرر السياسي؛ بل على العكس، فما زال النظام يواصل حملاته الصارمة ضد المعارضة السياسية. إلا أن الدولة باتت تدرك أن استمرارها يتطلب قاعدة اجتماعية أوسع بكثير مما تستطيع الأيديولوجيا الإسلامية وحدها توفيره.
وبصورة متزايدة، أصبحت الجمهورية الإسلامية تبدو أقل شبهاً بدولة دينية (ثيوقراطية) وأكثر شبهاً بدولة قومية سلطوية ذات توجهات محافظة. فما زالت الأيديولوجيا الإسلامية قائمة، لكنها أصبحت خاضعة لمقتضيات التماسك الوطني والحفاظ على وحدة المجتمع.
ولم يعد معيار الولاء السياسي هو السؤال:” هل أنت إسلامي بما يكفي؟” بل أصبح:” هل أنت إيراني بما يكفي؟” فالمسجد ما زال حاضراً، لكن الرمز السياسي الأكثر انتشاراً على القلائد وشارات الصدر التي يرتديها الشباب وكبار السن على حد سواء أصبح خريطة إيران نفسها. كما باتت التجمعات الحكومية الداعية إلى الدفاع عن الوطن تستقطب حتى بعض منتقدي النظام، بمن فيهم أشخاص دفعوا أثماناً باهظة في السابق بسبب معارضتهم له. وقد تحولت هذه التجمعات إلى مراكز جذب لقومية جديدة تتمحور حول الحفاظ على الحضارة الإيرانية والاحتفاء بالصمود الكريم في مواجهة قوة عسكرية طاغية.
وتدرك القيادة الإيرانية أن هذه لحظة استثنائية قد لا تدوم طويلاً. فالمجتمع نفسه الذي اصطف لحماية محطات الكهرباء سيعود إلى مطالبه وشكاواه عندما يتراجع الخطر المباشر. إن غضب الإيرانيين من القمع وسوء الإدارة الاقتصادية وسوء معاملة النساء والأقليات لم يختفِ، بل جرى تأجيله بفعل ظروف الحرب لا أكثر.أما التنازلات التي قدمتها الدولة في القضايا الاجتماعية، مثل التخفيف العملي من تطبيق قوانين الحجاب، والتسامح مع الحفلات الموسيقية، والسماح للنساء بقيادة الدراجات النارية، تمثل محاولة لإضفاء طابع دائم على الوحدة الوطنية التي أوجدتها ظروف الحرب قبل أن تتغير الرياح السياسية من جديد. ومع ذلك، يبقى من المبكر الحكم على ما إذا كانت هذه الإجراءات كافية لإحداث تغيير جذري في العلاقة بين الدولة والمجتمع.
وبالنسبة للقادة الإيرانيين، فإن معالجة المظالم الاقتصادية ستصبح أمراً حاسماً بعد انتهاء الحرب. وتفترض واشنطن أن طهران ما زالت معنية بالدخول في مفاوضات تهدف إلى رفع العقوبات. إلا أن الحرس الثوري لم يعد يراهن على الدبلوماسية، لأنه لم يعد يعتقد أن الولايات المتحدة سترفع العقوبات في أي وقت.
وبدلاً من ذلك، يسعى إلى اتفاق ينهي الحرب، ويكرس المكاسب التي حققتها إيران، ويفتح الباب أمام عوائد اقتصادية ناتجة عن فرض الرسوم على حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز.
وتفسر واشنطن هذا الموقف الجديد على أنه تعنت ناجم عن التشدد الأيديولوجي والصراعات بين الأجنحة المختلفة داخل طهران. وفي هذا السياق، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في أبريل/نيسان: “ للأسف، فإن المتشددين الذين يحملون رؤية كارثية أو نهاية للعالم هم الذين يمتلكون السلطة الحقيقية في ذلك البلد”. وأضاف: “ إن مفاوضينا لا يتفاوضون مع الإيرانيين فقط، بل إن هؤلاء الإيرانيين يعودون بعد ذلك ليتفاوضوا مع إيرانيين آخرين كي يحددوا ما الذي يمكنهم الموافقة عليه، وما الذي يستطيعون تقديمه، وما الذي هم مستعدون للقيام به، بل وحتى من هم مستعدون للقاء به”. وردد نائب الرئيس جي دي فانس الفكرة نفسها في مايو/أيار عندما قال: " ربما لا يعرف الإيرانيون أنفسهم بصورة واضحة الاتجاه الذي يريدون الذهاب إليه. كما أنهم بلد منقسم ومتشظٍ”.
لكن روبيو وفانس مخطئان. فنهج طهران المتحدي لا يعكس لا تصلباً أيديولوجياً ولا صراعاً بين الأجنحة المختلفة. بل إنه يُظهر الثقة الجديدة التي اكتسبتها إيران والدروس التي تعلمتها من الحرب ومن جولات التفاوض السابقة. ويدرك قادة البلاد أن الولايات المتحدة تسعى إلى الحصول من خلال المفاوضات على ما لم تتمكن من تحقيقه في الحرب، وأن واشنطن ليست مهتمة بالتوصل إلى اتفاق بقدر اهتمامها باستسلام إيران. وفي مناسبتين سابقتين، في يونيو/حزيران الماضي وفي فبراير/شباط، توقفت المفاوضات مع الولايات المتحدة مرتين بسبب ضربات أمريكية وإسرائيلية. وبعد انهيار المحادثات في إسلام آباد يوم 12 أبريل/نيسان، سارعت واشنطن إلى فرض حصار بحري، أعقبته بمطالبة جديدة باستسلام إيران دون شروط. ويؤكد القادة الإيرانيون بالفعل أنهم انتصروا في الحرب. وهم غير مستعدين للتخلي عن المكاسب التي حققوها أو العودة إلى قفص الاحتواء الذي كانوا فيه قبل الحرب. وهذه الثقة بالنفس ــ المستندة إلى الاعتقاد بأن الحرب عززت قوة إيران بدلاً من إضعافها ــ تشكل رؤيتهم للعالم وسياستهم الخارجية. كما أنها تمثل ركناً أساسياً من الشرعية التي يسعون إلى ترسيخها في الداخل. ولذلك يجب أن تعكس النتيجة النهائية للمسار الدبلوماسي ما حققته سياسة التحدي الإيرانية خلال الحرب.
عقيدة الجبهات المتعددة
إن التحول الواضح لإيران نحو القومية في الداخل لا يعني أن طهران ستتخلى عن حلفائها الإقليميين. فهي لن تعيد التفاوض بصورة جوهرية بشأن علاقاتها مع حزب الله في لبنان، والميليشيات الشيعية في العراق، والحوثيين في اليمن. لكنها ستدير هذه العلاقات بدرجة أكبر من الانضباط الاستراتيجي وبقدر أقل من الرومانسية الأيديولوجية. فالقيادة الإيرانية الجديدة لن تضحي بمصالح إيران على مذبح التضامن الثوري. وسوف تُستخدم هذه التحالفات كجزء من استراتيجية إقليمية متماسكة تهدف إلى الحفاظ على العمق الاستراتيجي لإيران في مواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية المستمرة.
وقد خلص الاستراتيجيون الإيرانيون إلى أن السماح لإسرائيل، خلال الحرب في غزة، بقتال المكونات المختلفة لـ«محور المقاومة» التابع لطهران واحداً تلو الآخر كان خطأً. وجاءت الضربات الأمريكية–الإسرائيلية خلال العام الماضي نتيجة مباشرة لذلك الفشل في التنسيق. لكن في فبراير/شباط، وبعد أن استوعبت إيران الدرس، سارعت إلى تفعيل حزب الله في لبنان والميليشيات العراقية في الوقت نفسه، ففتحت جبهة ثانية ضد إسرائيل في لبنان، ووسعت نطاق الحرب عبر المنطقة، وأجبرت الولايات المتحدة على إغلاق معسكر فيكتوري في العراق، وهو ما تنظر إليه طهران باعتباره تأكيداً لصحة عقيدتها القائمة على تعدد الجبهات.
ويحافظ القادة العسكريون الإيرانيون على شبكتهم الإقليمية ليس بدافع أيديولوجي يرمي إلى إسقاط القوة والنفوذ، بل انطلاقاً من تقدير مفاده أن إيران لا يمكن أن تكون ذات سيادة كاملة ما دامت تواجه تهديدات عسكرية وخنقاً اقتصادياً من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل. ويعكس إصرار إيران على أن تكون المفاوضات مع الولايات المتحدة مشروطة بوقف إطلاق النار في لبنان، وأن يتضمن أي اتفاق نهائي إنهاء الحرب على جميع الجبهات وأن يعكس المكاسب الاستراتيجية التي حققتها إيران، هذه الرؤية الواسعة لمفهوم الدفاع الإقليمي. ومن وجهة نظر طهران، فإن السياسة الأمريكية والإسرائيلية تهدف إلى فرض هيمنة إسرائيلية على الشرق الأوسط، وهو هدف يتطلب إيران ضعيفة ومحطمة.
أما " محور المقاومة" ، الذي كان كثير من الإيرانيين ينظرون إليه سابقاً بوصفه دعماً لقضية أيديولوجية، فقد أصبح يُنظر إليه الآن من قبل شريحة أوسع من السكان باعتباره أداة من أدوات الدفاع الوطني. كما أن سعي إيران إلى منع الولايات المتحدة من إعادة بناء منشآت الرادار المتضررة التابعة لها في الخليج العربي يمثل تعبيراً آخر عن المنطق نفسه، أي جهداً متعمداً لإضعاف البنية التحتية للإنذار المبكر التي شكلت أساس الهيمنة العسكرية الأمريكية في المياه التي تعتبرها إيران مجالها الاستراتيجي الحيوي.
جمهورية إسلامية جديدة
لقد كانت الحرب بمثابة بوتقة صهرت الجمهورية الإسلامية وأنتجت نسخة جديدة منها، كما أفضت إلى أول تحول جيلي كبير منذ تأسيسها.
ولم تعد السلطة في يد الجيل المؤسس. فالجيل الثاني يتولى الآن إدارة الشؤون العسكرية والسياسية، في حين يتولى الجيلان الثالث والرابع إدارة الاتصالات والتواصل الدولي.
وفي سنواتها الأولى تحت قيادة الخميني، كانت الجمهورية الإسلامية دولة ثورية: منظمة حول مشروع التحول الأيديولوجي، وتستمد شرعيتها من السلطة الكاريزمية للمرشد الأعلى ومن ادعائه تنفيذ إرادة الله، وكانت سياستها الخارجية موجهة نحو تصدير الثورة.
أما بعد وفاة الخميني عام 1989، وخلال مرحلة الإصلاحات وما تلاها من ترسيخ لسلطة التيار المتشدد في عهد خامنئي، فقد أصبحت الجمهورية دولة ما بعد الثورة، تتفاوض باستمرار بين أيديولوجيتها التأسيسية ومتطلبات الحكم. وكانت القيادة تدير مجتمعاً يزداد تشككاً من خلال القمع والرعاية والمحسوبية، وبعض الانفتاحات المحدودة. وكانت ترى في مقاومة النفوذ الأمريكي ضرورة من ضرورات مناهضة الإمبريالية، لكنها ظلت، قبل كل شيء، جمهورية إسلامية يحكمها الجيل المؤسس وتحركها صراعاته الداخلية.
أما الجمهورية التي وُلدت من الحروب الأمريكية–الإسرائيلية، فتُعرَّف بالقومية أكثر مما تُعرَّف بالأيديولوجيا، وبفن إدارة الدولة أكثر مما تُعرَّف بالثورة، وبالثقة والروح التكنوقراطية لطبقة جديدة من الضباط أكثر مما تُعرَّف بالكاريزما الدينية. ومن الناحية المقارنة، فإنها تشبه الدول القومية التي قادتها المؤسسات العسكرية في القرن العشرين، مثل تركيا في عهد الكماليين المتأخرين، ومصر في عهد جمال عبد الناصر، حيث استمرت الأيديولوجيا قائمة ولكنها أصبحت خاضعة للمصلحة الوطنية ومتطلبات قوة الدولة.
غير أن هذا الابتعاد عن العقائد الجامدة والاتجاه نحو إدارة الدولة بصورة براغماتية لا يجعل الجمهورية الإسلامية أكثر اعتدالاً. فالدول الأمنية القومية كثيراً ما تكون قاسية تجاه شعوبها ومزعزعة للاستقرار الدولي. وستظل الجمهورية الإسلامية الناشئة ذات طابع سلطوي شديد.
لكن التصنيفات التي اعتاد المحللون الغربيون استخدامها لوصف تياراتها المختلفة ــ مثل المتشددين مقابل المعتدلين، أو الأيديولوجيين مقابل الإصلاحيين ــ ستصبح أقل دقة من أي وقت مضى. وسوف تتشكل أولويات الجمهورية الإسلامية الجديدة، والطريقة التي تسعى بها إلى تحقيق تلك الأولويات، بفعل التجارب المحددة التي مرت بها خلال حربَيها مع إسرائيل والولايات المتحدة: الخسائر التي تكبدتها إيران، والثقة التي اكتسبتها قيادتها، والعقد الاجتماعي الجديد الذي جعلته الحرب ضرورياً وممكناً.

انتهى
تعليق وتحليل لمقال: "الاستراتيجية الكبرى الجديدة لإيران"
اللواء الركن
علاء الدين حسين مكي خماس
مترجم المقال
يعد هذا المقال من أكثر المقالات أهمية التي نُشرت عن إيران في السنوات الأخيرة، ليس بسبب المعلومات التي يقدمها بقدر ما هو مهم بسبب الفكرة التي يحاول ترسيخها في أذهان صناع القرار الغربيين. فالمقال لا يهدف أساساً إلى وصف الحرب أو تقييم نتائجها العسكرية، بل يسعى إلى تقديم تفسير جديد لطبيعة الجمهورية الإسلامية بعد الحرب، وإقناع القارئ بأن إيران لم تخرج من الصراع أضعف مما كانت عليه، بل خرجت مختلفة.
يقوم المقال على فرضية مركزية واضحة مفادها أن الحروب التي خاضتها إيران ضد إسرائيل والولايات المتحدة لم تؤدِّ إلى إضعاف الجمهورية الإسلامية أو إسقاطها، بل أدت إلى إعادة تشكيلها وإنتاج نسخة جديدة منها. ويرى الكاتبان أن هذه النسخة الجديدة تختلف عن الجمهورية الإسلامية التي عرفها العالم منذ عام 1979، لأنها انتقلت من منطق الثورة إلى منطق الدولة، ومن الأيديولوجيا إلى البراغماتية، ومن القيادة الدينية التقليدية إلى قيادة تكنوقراطية ذات نزعة قومية واضحة.
ومن الناحية الفكرية يمكن القول إن المقال يحاول إعادة كتابة المقولة السائدة عن إيران. فبدلاً من تصوير الجمهورية الإسلامية بوصفها نظاماً ثورياً يعيش أزمة شرعية داخلية ويتجه نحو الضعف التدريجي، يقدمها الكاتبان باعتبارها دولة استطاعت أن تتعلم من الحرب وأن تحول الضغوط الخارجية إلى فرصة لإعادة البناء السياسي والمؤسسي. ولهذا السبب يكرران طوال المقال مفاهيم مثل القومية والكفاءة الإدارية وفن إدارة الدولة والجيل الجديد والعقد الاجتماعي الجديد.
وتتمثل قوة المقال في أنه لا يركز على الجانب العسكري وحده، بل يربط بين الحرب والتحولات الاجتماعية والسياسية والنفسية داخل إيران. فالكاتبان يجادلان بأن الحرب أضعفت الانقسامات الداخلية وعززت المشاعر القومية ومنحت النظام فرصة لإعادة تأسيس شرعيته على أساس الدفاع عن الوطن بدلاً من الاعتماد الحصري على الشرعية الثورية أو الدينية.
ومن خلال قراءة المقال كاملاً يتبين أن الكاتبين يبنيان أطروحتهما على خمسة محاور رئيسية تتكرر بصورة منهجية في مختلف أقسام النص.
المحور الأول هو الانتقال من الثورة إلى الدولة. فالمقال لا ينظر إلى إيران باعتبارها دولة ثورية تسعى إلى تصدير الثورة بقدر ما ينظر إليها باعتبارها دولة قومية تسعى إلى حماية مصالحها الوطنية وتعظيم قوتها الاستراتيجية.
والمحور الثاني هو الانتقال من الشرعية الأيديولوجية إلى شرعية الأداء والكفاءة. فالكاتبـان يكرران مراراً أن الجيل الجديد يسعى إلى بناء شرعيته على أساس القدرة على الدفاع عن البلاد وإعادة إعمارها وتحسين إدارتها، لا على أساس الشعارات الثورية وحدها.
أما المحور الثالث فهو الانتقال من الهوية الإسلامية إلى الهوية القومية الإيرانية. وقد ظهر ذلك بوضوح في القسم الذي حمل عنوان "هل أنت إيراني بما يكفي؟"، حيث يرى الكاتبان أن معيار الولاء السياسي أخذ يتحول تدريجياً من الالتزام العقائدي إلى الانتماء الوطني.
والمحور الرابع يتمثل في إعادة تفسير محور المقاومة. فالكاتبان لا يقولان إن إيران ستتخلى عن حلفائها الإقليميين، بل يقدمان تفسيراً جديداً لدورهم، باعتبارهم جزءاً من منظومة الأمن القومي الإيراني وأداة من أدوات الاستراتيجية الكبرى للدولة الإيرانية، لا مجرد امتداد لمشروع عقائدي عابر للحدود.
أما المحور الخامس فهو صعود جيل جديد من الضباط والتكنوقراط ليحل محل الجيل المؤسس. ويعتقد الكاتبان أن هذا التحول الجيلي هو العامل الأكثر تأثيراً في إعادة تشكيل الجمهورية الإسلامية.
ومع ذلك فإن المقال لا يخلو من المبالغة. فالكاتبان يفترضان أن الحرب أحدثت تحولاً بنيوياً عميقاً في طبيعة النظام الإيراني، بينما قد يكون من المبكر جداً إصدار مثل هذا الحكم. فالتاريخ يعلمنا أن الحروب كثيراً ما تخلق حالات مؤقتة من التماسك الوطني والالتفاف حول القيادة، لكن هذه الحالات لا تدوم بالضرورة بعد انتهاء التهديد الخارجي. كما أن المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تراكمت في إيران خلال العقود الماضية لا يمكن افتراض أنها اختفت أو فقدت أهميتها لمجرد أن البلاد تعرضت لهجوم خارجي.
ومن النقاط التي تستحق المناقشة أيضاً أن الكاتبين يقدمان الحرس الثوري وكأنه تحول من مؤسسة ثورية عقائدية إلى مؤسسة دولة قومية. وربما يحمل هذا التفسير جانباً من الصحة، لكنه يتجاهل أن المؤسسات العسكرية والأمنية الإيرانية ما زالت تستمد جزءاً مهماً من هويتها وشرعيتها من الإرث الثوري الذي نشأت في ظله. ولذلك قد يكون الأدق القول إن إيران تشهد تزاوجاً بين القومية والثورية، لا استبدال إحداهما بالأخرى.
كما أن المقال يحاول إعادة تفسير محور المقاومة بوصفه أداة من أدوات الأمن القومي الإيراني لا مشروعاً عقائدياً عابراً للحدود. وهذه فكرة مهمة وجديرة بالاهتمام، لكنها تحتاج إلى مزيد من الأدلة قبل اعتبارها تحولاً نهائياً في العقيدة الاستراتيجية الإيرانية.
أما الغاية الحقيقية للمقال فتبدو أنها تتجاوز التحليل الأكاديمي البحت. فالكاتبان يوجهان رسالة ضمنية إلى صناع القرار في واشنطن مفادها أن السياسات التي هدفت إلى إضعاف إيران أو إسقاط نظامها قد تكون أدت إلى نتيجة معاكسة، وأن إيران الجديدة أكثر ثقة بنفسها وأكثر قدرة على التكيف مما يعتقده كثير من المسؤولين الأمريكيين. ولذلك فإن الاستمرار في النظر إلى إيران من خلال التصنيفات القديمة مثل "متشددين" و"معتدلين" أو "إصلاحيين" و"محافظين" قد يؤدي إلى سوء فهم لطبيعة النظام الذي يتشكل اليوم.
ومن هنا يمكن اعتبار المقال محاولة لتصحيح ما يراه الكاتبان سوء فهم غربي مزمن لطبيعة النظام الإيراني. ولكنه في الوقت نفسه يقترب أحياناً من إعادة تقديم صورة أكثر إيجابية للنظام الإيراني. فالكاتبان يركزان بصورة واضحة على قدرة النظام على التعلم والتكيف وعلى كفاءة مؤسساته العسكرية والإدارية وعلى نجاحه في تحويل الحرب إلى فرصة لإعادة بناء شرعيته. وفي المقابل لا يمنحان الوزن نفسه للعوامل التي قد تدفع إلى استنتاجات معاكسة، مثل استمرار الأزمات الاقتصادية العميقة والتوترات الاجتماعية والانقسامات السياسية ومشكلات الشرعية المتراكمة منذ سنوات طويلة.
ولذلك يمكن القول إن المقال لا يرقى إلى مستوى الدعاية المباشرة لإيران، لكنه بالتأكيد ليس مقالاً محايداً بالكامل. فهو ينطلق من فرضية أساسية مفادها أن إيران استفادت استراتيجياً من الحرب، ثم يبني معظم استنتاجاته اللاحقة على صحة هذه الفرضية.
أما السؤال الأهم فهو: هل حدث بالفعل التحول الذي يتحدث عنه الكاتبان؟
الجواب المرجح هو أن بعض عناصر هذا التحول حقيقية بالفعل.
فمن الصعب إنكار أن الجيل الذي قاد الثورة عام 1979 يتراجع ايدلوجياً وسياسياً، وأن أجيالاً جديدة أكثر براغماتية وأكثر اهتماماً بإدارة الدولة تتقدم إلى مواقع القرار. كما أن التجارب التاريخية تظهر أن الدول التي تخوض حروباً كبرى غالباً ما تشهد تعزيزاً للنزعة القومية وتراجعاً مؤقتاً للانقسامات الداخلية. ومن الجدير بالملاحظة أن الكاتبين لا يتحدثان عن تغير في السياسة الإيرانية فحسب، بل عن تغير في الهوية السياسية للدولة نفسها. فهما يذهبان إلى أن الحرب سرعت انتقال مركز الثقل من الأيديولوجيا الثورية إلى القومية الإيرانية، وأن معيار الشرعية أخذ يتحول تدريجياً من الدفاع عن الثورة إلى الدفاع عن الدولة والوطن. وتعد هذه الفرضية من أكثر أجزاء المقال جرأة وإثارة للنقاش، لأنها تتناول طبيعة الجمهورية الإسلامية ذاتها وليس مجرد سياساتها أو استراتيجياتها.
لكن الكاتبين يبالغان عندما يقدمان هذا التحول وكأنه انتقال مكتمل من الثورة إلى الدولة أو من الأيديولوجيا إلى القومية.
كما أن المقال يقدم الجيل الإيراني الجديد بوصفه قطيعة مع الجيل المؤسس أكثر مما يقدمه امتداداً له. فالكاتبان يصوران الجيل الذي صعد بعد الحرب باعتباره أقل انشغالاً بالخطاب الثوري التقليدي وأكثر اهتماماً بالكفاءة الإدارية وإدارة الدولة. ومن ثم فإن المقال لا يدافع عن الجمهورية الإسلامية بصورتها التي عرفها العالم خلال العقود الماضية، بقدر ما يدافع عن فكرة ظهور جمهورية إسلامية جديدة تختلف في أولوياتها وأساليب عملها عن النسخة السابقة. فالأنظمة السياسية نادراً ما تتخلى عن مصادر شرعيتها القديمة بصورة كاملة. والأرجح أن إيران المستقبل ستجمع بين العناصر القومية والعناصر الثورية والدينية معاً، وإن كانت الأوزان النسبية بينها قد تتغير.
ومن الناحية الاستراتيجية فإن أكثر أجزاء المقال قيمة ليست تلك التي تتحدث عن نجاح إيران، بل تلك التي تحذر القارئ الغربي من الاستمرار في استخدام أدوات التحليل القديمة. فحتى لو كانت استنتاجات الكاتبين مبالغاً فيها، فإن تحذيرهما من النظر إلى إيران بعقلية التسعينيات أو العقد الأول من القرن الحادي والعشرين يستحق الاهتمام.
لذلك فإن القيمة الحقيقية للمقال لا تكمن في كونه يثبت أن إيران أصبحت أقوى أو أفضل أو أكثر استقراراً، بل في أنه يدفع القارئ إلى التساؤل عما إذا كانت إيران التي ستواجهها المنطقة خلال السنوات القادمة هي إيران نفسها التي عرفناها خلال العقود الأربعة الماضية.
وخلاصة القول إن المقال لا يحاول الإجابة عن سؤال: "هل انتصرت إيران أم خسرت؟" بقدر ما يحاول الإجابة عن سؤال أكثر عمقاً: "ماذا لو أدت الحرب إلى إنتاج إيران مختلفة؟" ومن الملاحظ أيضاً أن الكاتبين يمنحان الرواية الإيرانية وزناً كبيراً في تفسير نتائج الحرب. فالمقال يتعامل مع كثير من الادعاءات الإيرانية المتعلقة بالمكاسب الاستراتيجية وتغير ميزان القوى وصعود النزعة القومية الداخلية بوصفها حقائق شبه مستقرة، من دون مناقشة موسعة للآراء المقابلة أو لاحتمال أن تكون بعض هذه الظواهر مؤقتة ومرتبطة بظروف الحرب. ولذلك فإن القارئ ينبغي أن يتعامل مع المقال بوصفه عرضاً متماسكاً ومقنعاً لوجهة نظر معينة، لا بوصفه حكماً نهائياً أو توصيفاً محايداً لجميع أبعاد الواقع الإيراني. وهنا تكمن قوته الفكرية الحقيقية.
غير أن الكاتبين يقفزان أحياناً من الملاحظة إلى الاستنتاج بسرعة أكبر مما تسمح به الوقائع المتاحة. فالمقال يتحدث كثيراً عن إيران كما يتوقع الكاتبان أن تصبح، أكثر مما يتحدث عن إيران كما هي فعلاً اليوم. ولذلك فإن أفضل طريقة لقراءة هذا المقال هي اعتباره أطروحة استشرافية جريئة ومثيرة للاهتمام حول مستقبل الجمهورية الإسلامية، لا حكماً نهائياً على واقعها الراهن.
وعليه، فإننا لا نتفق مع الكاتبين بالكامل ولا نختلف معهما بالكامل. فبعض الملاحظات التي طرحاها جديرة بالاهتمام وربما تعكس تحولات حقيقية داخل إيران، لكن استنتاجاتهما النهائية تبدو أكثر جرأة من الأدلة التي استندا إليها. ولهذا تبقى قيمة المقال الأساسية في أنه يطرح فرضية استراتيجية جديدة تستحق النقاش، لا في أنه يقدم حقيقة نهائية أو صورة مكتملة عن مستقبل الجمهورية الإسلامية.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

786 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع