
ابراهيم فاضل الناصري
تكريت التليدة ووجع الهوية الموئودة.
بمليء ادراكي الثقافي البنيوي اقول انه ليست المدنُ مجردَ خرائطَ وحدود، ولا هي أبنيةٌ تتراصُّ على ضفاف الأنهار والطرقات، بل لكلِّ مدينةٍ روحٌ خفيةٌ تسكن تفاصيلها الصغيرة؛ في لهجة أهلها، وفي شكل العلاقات بين ناسها، وفي ذاكرتها الجمعية، وفي طريقتها الخاصة في النظر إلى الحياة. وحين تُصاب المدنُ في روحها، لا يبدو الخرابُ ظاهرًا دائمًا في عمرانها، بل يظهر أولًا في انطفاءِ ملامحها، وفي ذلك الشعور القاسي بأن المكان الذي نعرفه لم يعد يشبه نفسه.
وتكريت اليوم تقفُ عند هذا الجرح تحديدًا.
فكلُّ من عرف هذه المدينة، أو عاش شيئًا من صورتها القديمة، يشعرُ أن ثمّةَ شيئًا عميقًا قد انكسر فيها. ليس الحديث هنا عن تغيّرٍ طبيعيٍّ تمرُّ به المدن عبر الزمن، فذلك سنّةُ الحياة، وإنما عن مسخٍ أصاب الهوية نفسها، حتى صارت المدينة تبدو وكأنها ترتدي ملامح ليست لها، وتتكلم بلغةٍ لا تشبه ذاكرتها، وتتحرك ضمن صورةٍ مفروضةٍ عليها من خارج روحها الحقيقية.
لقد كانت تكريت، في عمقها الاجتماعي والمدني، مدينةً تمتلك شخصيتها الخاصة؛ مدينةً تعرف الاعتدال في طبائع أهلها، والبساطة في علاقاتهم، والهدوء في تكوينها الاجتماعي، وكانت تحملُ إرثًا مدنيًا تراكم عبر عقود طويلة من التعايش والروابط الإنسانية والثقافة المحلية التي صنعتها الحياة اليومية للناس، لا الشعارات الطارئة ولا الاصطفافات العابرة. كانت مدينةً يمكن أن تُقرأ روحها في المقاهي القديمة، وفي الأسواق، وفي العلاقات الاجتماعية التي كان يغلّفها شيءٌ من الوقار والتكافل والبساطة العراقية الأصيلة.
لكن السنوات الأخيرة لم تغيّر وجه المدينة فحسب، بل حاولت إعادة تشكيل روحها ذاتها.
فدخلت عليها صورٌ غريبة، وسلوكياتٌ لا تمتُّ إلى تكوينها التاريخي بصلة، وتقدّمت هوياتٌ طارئة لتزاحم هويتها الأصلية، حتى صار ابنُ المدينة يشعر أحيانًا أنه يسير في مكانٍ يعرفه جغرافيًا لكنه لا يعرفه وجدانيًا.
إن أخطر ما يمكن أن تتعرض له مدينةٌ ما ليس الخراب المادي، لأن الأبنية يمكن أن تُعاد، والشوارع يمكن أن تُرمَّم، بل الخطر الحقيقي حين تُنتزعُ منها ذاكرتها المدنية، وحين تُشوَّه صورتها الاجتماعية، وحين يُعاد تعريفها بطريقةٍ لا تشبه تاريخها ولا ناسها. فالهويات لا تموت دفعةً واحدة، وإنما تُستنزف ببطء، عبر تراكم الصور الدخيلة، وعبر تغييب الوعي بالذات، حتى تستيقظ المدن ذات يوم فلا تجد صورتها القديمة في المرآة.
والمؤلم في الأمر أن تكريت لم تكن يومًا مدينةً بلا هوية حتى يُبحث لها عن هوية جديدة، بل كانت تمتلك نسيجًا اجتماعيًا وثقافيًا واضحًا، له خصوصيته وهدوؤه وعمقه الإنساني. غير أن التحولات العنيفة التي مرّت بها، وما تبعها من اضطرابات وصراعات وعمليات إعادة تشكيل اجتماعي وثقافي، جعلت المدينة تبدو وكأنها تُدفَع دفعًا نحو صورةٍ لا تُشبهها.
لقد صار الغريبُ مألوفًا فيها، بينما تراجعت الملامح الأصلية إلى الخلف شيئًا فشيئًا.
وصار الإنسانُ يبحث عن تكريت التي يعرفها فلا يجدها كاملةً إلا في ذاكرته، أو في حكايات الجيل القديم، أو في تفاصيل صغيرة ما زالت تقاوم الاختفاء بصمت.
إن الحزن على تكريت ليس بكاءً على الماضي بقدر ما هو خوفٌ على المستقبل. خوفٌ من أن تضيع المدينة نهائيًا داخل الصور المفروضة عليها، وأن يكبر جيلٌ جديد لا يعرف عن روحها الحقيقية شيئًا، فيتعامل مع هذا التشوّه بوصفه الشكل الطبيعي للمدينة.
ولهذا فإن استعادة تكريت لا تبدأ بالإعمار وحده، ولا بالمشاريع الشكلية، بل تبدأ باستعادة وعيها بنفسها؛ باستعادة ذاكرتها المدنية، والحضرية وإحياء روحها الاجتماعية، وحماية شخصيتها الثقافية المميزة من الذوبان وسط الهويات الطارئة والدخيلة. فالمدن التي تفقد ذاكرتها وهويتها تفقد قدرتها على الاستمرار، مهما بدت عامرةً من الخارج.
وخلاصة ما نحمل من امنيات هي ان تبقى تكريت، رغم كل ما حدث، أكبر من كل التشوهات العابرة، لأن المدن العريقة قد تُرهقها التحولات، لكنها تحتفظ دائمًا، في أعماقها، ببذرة الروح الأولى التي تنتظر من يعيد اكتشافها وإنقاذها من الغربة التي أُلبست لها قسرًا.

551 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع