
صباح البغدادي
قراءة لكابينة " الزيدي" الوزارية المرتقبة
هل يُؤسَّس بنيانُها على شفا جرفٍ هارٍ من المحاصصة؟ فتنهار في نار العقوبات الأمريكية؟
منذ عام 2003 وحتى اليوم، لم يرَ العراقيون في مخاض ولادة أيّ كابينة وزارية بشائرَ دولةٍ تُبنى لأجل المواطن، ولا ملامحَ مشروعٍ وطنيٍّ ينهض بمستقبل الأجيال ، بقدر ما رأوا مواسمَ متكررة لمعركة حامية الوطيس لتقاسم كعكعة الغنائم والمناصب بين جميع القوى والأحزاب والمتنفذين. فكل حكومةٍ تُقدَّم للشعب بوصفها “حكومة إنقاذ”، سرعان ما تتحول إلى منصةٍ جديدة لإعادة توزيع النفوذ والثروة والمناصب، حتى بات المواطن يدرك أن معركة تشكيل الحكومات في العراق لا تدور حول النهوض بالوطن والمواطن ، بل حول من يستحوذ على الحصة الأكبر من امتيازات الدولة.
ففي الوقت الذي يخوض فيه رئيس الوزراء المكلف “علي الزيدي” سباقاً ماراثونية ضيقاً مع الزمن لتشكيل كابينته الوزارية المنتظرة ، أطلقت يوم الخميس 7 أيار 2026 وزارة " الخزانة الأمريكية" إنذاراً مدوياً شديد اللهجة والصياغة وذلك من خلال فرض عقوبات جديدة على نائب وزير النفط العراقي السيد "علي البهادلي" وشبكة شركات عراقية مرتبطة بتهريب النفط الإيراني. وبسبب انه عمل وأجاز نقل ما يعادل عدة ملايين من الدولارات من النفط العراقي يومياً عبر الشاحنات والصهاريج إلى المهربين، والذي كان يمزجه بالنفط الخام الإيراني. وأن نائب الوزير ساهم شخصيآ في تزوير المستندات الرسمية لإخفاء هوية المنتج الممزوج وتقديمه على أنه نفط عراقي خالص، مما أتاح له الوصول إلى الأسواق العالمية , وفيما أكد وزير الخزانة الأميركي السيد "سكوت بيسنت " بأن النظام الإيراني ينهب موارد الشعب العراقي وأن الولايات المتحدة لن لن تقف صامتة أمام استغلال طهران للنفط العراقي” والاسماء والشركات التي فرضت عليها العقوبات هذا اليوم هم كل من : " عيسى كاظم الشويلي – كتائب حزب الله وعلي معارج البهادلي – ارتباطه بسعيد سالم احمد ومصطفى هاشم لازم البهادلي – عصائب اهل الحق واحمد خضير مكصوصي – كتائب سيد الشهداء " وأسماء وعناوين الشركات المرتبطة بهم : " طاقة الخليج للنقل العام والخدمات البحرية والاستشارات العقارية محدودة المسؤولية و طاقة الخليج للخدمات النفطية المحدودة وطاقة العراق الدولية لاستيراد وبيع المنتجات النفطية " .
لم تكن هذه العقوبات والتي لا نعتبرها مفاجئة أو إنها فقط كانت مجرد إجراء روتيني ، بل هي رسالة استراتيجية حادة تحمل في طيات معانيها تحذيراً واضحاً لا مفر منه والى من يهمه الأمر مفادها بأن : ” أي حكومة عراقية جديدة ستواجه مصيراً قاسياً إذا استمرت في بناء بنيانها على أساس المحاصصة الطائفية-الحزبية التقليدية” ولذا فإن كابينة " الزيدي " الوزارية المرتقبة باتت تقف اليوم على شفا جرف هار ، والذي أُسس على غير أساس متين . فمن جهة تُمطرها الإدارة الأمريكية بضغوط اقتصادية متصاعدة ، ومن جهة أخرى تُطبق عليها الأحزاب والكتل السياسية بكماشة المحاصصة الطائفية والحزبية ، مطالبة بحصتها في الوزارات السيادية والاقتصادية. وبالأخص مع تحذير آخر أطلقه أحد المسؤولين الأمريكان وبالتزامن مع إعلان العقوبات مفاده بأن :" وضع بلاده ثلاث شروط حاسمة قبل استئناف المساعدات المالية والأمنية ومنها ــ أولًا : طرد الجماعات المسلحة من جميع مؤسسات الدولة ، وقطع دعمها من الميزانية العراقية ، ومنع صرف رواتب مقاتليها، وهذه هي الإجراءات الملموسة التي ستمنحنا الثقة وتؤكد وجود عقلية جديدة " وحسب ما يفهم لنا من قول السيد المسؤول , ومع هذه اللهجة الحادة وفرض العقوبات فإن جميع الكتل السياسية ومن دون اي استثناء اعادة حساباتها الان لغرض كيفية الانحناء الى عاصفة العقوبات الامريكية المنتظرة وبالاخص ان التقاتل على " وزارة النفط " ما تزال تجري بين الكتل الحزبية الرئيسية ؟ وهذه الخطوة لا تُعد مفاجئة , ولكنها تحمل دلالات استراتيجية ثقيلة على مستقبل مخاض ولادة كابينة " الزيدي الوزارية " لان هذه العقوبات ليست مجرد إجراء فني ضد شخصيات وكيانات وشركات ، بل هي ستكون حتما جزء من رؤية استراتيجية أمريكية أوسع تهدف إلى قطع شرايين الاقتصاد الموازي الذي يغذي الحرس الثوري الإيراني والميليشيات والفصائل العقائدية العابرة للحدود والمرتبطة بصورة أو بأخرى وتتغذى على مناصبها وامتيازاتها من خلال واردات الدولة , وتأتي في توقيت حساس للغاية وبعد أقل من أسبوعين بعد تكليف " الزيدي " بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة المرتقبة. ومن حيث تكشف هذه الخطوة عن تحول جذري في سياق كيفية التعامل مستقبلا مع النهج الأمريكي تجاه العراق. فلم تعد " واشنطن " تكتفي باستهداف الشبكات الإيرانية المباشرة، بل بدأت في استهداف “الواجهات المتنفذة الحزبية” داخل هياكل الوزارات ومؤسسات الدولة الرسمية. لان عقوبة " نائب وزير النفط " تعني بوضوح أن أمريكا تعتبر جزءاً من الجهاز الحكومي العراقي متورطاً في عمليات تهريب وغسيل أموال تخدم طهران. والرسالة المبطنة التي ارسلت اصبحت واضحة للجميع ومن دون ان تكون لها أي تأويل ؟ فلا اجتهاد في النص القطعي لهذه العقوبات وأن قرائتها بالنسبة لنا ستكون بما معناه ومن دون أدنى شك تتمثل بالتالي : " أي حكومة عراقية قادمة ستُحاسب على أدائها في فصل المصالح الوطنية العراقية عن العمق الاستراتيجي الإيراني ومن خلال استعمال أسلوب العقوبات والضغط الاقتصادي (عقوبات ثانوية محتملة مستقبلآ على بنوك وشركات ومسؤولين متنفذين وقيادات حزبية وحتى قادة كتل سياسية متمثلة بالبرلمان ) وسيصبح أداة يومية إذا استمرت السياسات القديمة كما هي دون أي تغير يذكر ؟ وبالمقابل هناك نافذة فرصة أمل أذا طبقت الشروط الامريكية وإذا أظهرت الحكومة الجديدة استقلالية حقيقية في ملف النفط والحدود والطاقة ، فقد تحصل ليس فقط على الدعم الامريكي وانما كذلك على دعم واستثمارات غربية-خليجية ".
اليوم وما نعتقده حاليآ وبعد فرض العقوبات فإن رئيس الوزراء المكلف يجد نفسه أمام أصعب اختبار سياسي ممكن يواجهه أي رئيس وزراء مكلف , وبالاخص في شخصيته التي ليس لها جذور سياسية ودبلوماسية وإنما كرجل اعمال لديه ميزان واحد مدى الربح او الخسارة من اي صفقة يدخل فيها ؟ وتنتظره الآن المطرقة العقوبات الأمريكية من جهة، وسندان المحاصصة الحزبية من جهة أخرى. والأحزاب والكتل الشيعية الرئيسية (الإطار التنسيقي) التي كلفته بتشكيل الوزارة تتوقع حصصاً وزارية واضحة، خاصة في الوزارات السيادية والاقتصادية (النفط، المالية، الداخلية، الكهرباء)، بالإضافة إلى تعيينات وامتيازات تقليدية والمعادلة تبدو لنا الآن شبه مستحيلة وتتمثل من خلال عدة سيناريوهات قد يلجأ إليها للخروج بأقل الاضرار ومنها :" إذا مال الزيدي نحو الإملاءات الأمريكية ( تنظيف وزارة النفط، محاربة التهريب، تقليل الاعتماد على إيران) فإنه قد يخاطر بفقدان الدعم البرلماني ومواجهة تمرد مليشياوي-سياسي ؟ أما إذا استسلم لضغوط الأحزاب والمحاصصة الطائفية ، فإنه يواجه موجة تسونامي مرتقبة من العقوبات الأمريكية تكون أوسع وأشمل وقد تعطل الاقتصاد العراقي برمته ، خاصة في ظل اعتماد البلاد شبه الكلي على إيرادات النفط والدولار الأمريكي " ولكن قد يتمكن " الزيدي " من لعب لعبة ذكية ومن خلال تعيين وزراء “ تقنيين وتكنوقراط ” ظاهرياً في المناصب الحساسة ، ومع منح صفقات خلفية تحافظ على توازن الحصص والامتيازات والمناصب بين الأحزاب ومن خلال أن يستغل الضغط الأمريكي كغطاء لإصلاحات جزئية، ويبني تحالفات مع الكرد والسنة وفي هذه الحالة، قد يحقق استقراراً نسبياً ويفتح أبواب استثمارات خارجية " ولكن نحن نرى بأن السيناريو الواقعي الأرجح بالنسبة لنا وحسب قراءتنا للمشهد ومتابعتنا عن كثب لتطورات مخاض ولادة الكابينة الوزارية فانها قد تقوم حكومته على تسويات هشة وصفقات تحت الطاولة وخلف الأبواب المغلقة مع استمرار الاقتصاد الموازي ولكن بطرق أكثر احترافية وسرية. والسيناريو الأسوأ يندرج في فشل بتشكيل كابينة متماسكة أو حكومة تتعرض لعقوبات أمريكية شديدة مبكرة، مما يؤدي إلى انهيار الثقة الشعبية، وتصعيد ميليشياوي، وربما أزمة دستورية. ويبقى العراق ساحة مفتوحة على مصراعيه للصراع الأمريكي-الإيراني وعلى حساب سيادته وموارده الاقتصادية وبالتالي فان العراق اليوم ليس أمام مجرد أزمة حكومية عادية، بل أمام مفترق طرق وجودي وبسبب ان النظام المحاصصي الذي أنتج اقتصاداً موازياً ودولة داخل الدولة أصبح عبئاً ثقيلاً لا تستطيع تحمله ميزانية النفط المتذبذبة ولا الشعب المنهك ؟ ولذا فأن " الزيدي " أذا أجاد اللعبة بكافة تفاصيلها فان لديه فرصة تاريخية ليثبت أنه “ رجل الدولة ” وليس “رجل الأحزاب ” وأن يعمل بإرادة حقيقية لدى الأطراف السياسية الرئيسية في التخلي عن جزء من نفوذها وامتيازاتها، والرسالة الأمريكية اليوم يجب أن تقرأ جيدآ لأنها ليست مجرد عقوبات.. بل انها ستكون خريطة طريق للتعامل مع اي حكومة عراقية قادمة وإنها إنذار نهائي. فإما أن يبدأ العراق في استعادة سيادته الاقتصادية والأمنية والسياسية ، أو يغرق أكثر في دوامة العقوبات والتبعية والانهيار التدريجي. والوقت ليس في صالح أحد. والخيارات تتضاءل يوماً بعد يوم.
وبما أن "الزيدي" ليس قوياً بما يكفي وكرجل أعمال بدون قاعدة حزبية أو ميليشياوية خاصة، او فصيل عقائدي فانه اليوم يقف على شفا جرف وأمام اختبار وجودي وبما ان التوازن ممكن نظرياً بـ”ذكاء تكتيكي من قبله ومن خلال دعم خارجي” ونجاحه المنتظر سوف يعتمد على قدرته على بناء تحالفات واسعة، ومع قدرته على استغلال الضغط الأمريكي كفرصة للإصلاح (دون مواجهة مباشرة)، وتجنب التورط الشخصي في الفساد. العراق يحتاج حكومة تركز على السيادة القرار السياسي والاقتصادية والأمنية، فإذا أسس " الزيدي " كابينته الوزارية على شفا جرف المحاصصة الطائفية-الحزبية التقليدية، فإنها ستنهار في نار العقوبات الأمريكية أو على الأقل ستتعرض لاحتراق بطيء يزيد من معاناة الشعب العراقي. الفرصة التاريخية موجودة ولكن الإرادة السياسية الحقيقية لدى الأحزاب ستظل هي العائق الأكبر والعراق لا يحتاج حكومة "توازن" بل تحتاج لكسر دائرة المحاصصة نفسها ؟ وإلا فإن الجرف سيظل ينهار ، مهما تغيرت الأسماء والشخصيات والعناوين ؟

816 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع