
روبيرت ملحم / كاتب وصحفي
العراق رهينة العجز السياسي: حين تفشل السلطة في إنتاج الحل
لم يعد ما يمر به العراق مجرد تعثر سياسي عابر، بل بات نموذجاً صارخاً لفشل منظومة حكم بأكملها في إدارة دولة تقف على حافة الاستنزاف. فالمشهد اليوم لا يحتمل التجميل ولا المجاملة انسداد، ارتباك، وقيادة عاجزة عن اتخاذ القرار في لحظة تحتاج إلى حسم لا إلى مساومات.
أخطر ما في هذا المشهد ليس الخلافات التقليدية، بل العجز الفاضح لقادة الإطار التنسيقي عن اختيار رئيس وزراء حتى الآن. هذا الفشل لا يمكن تفسيره كاختلاف طبيعي في وجهات النظر، بل هو دليل على صراع نفوذ داخلي وانعدام رؤية موحدة، حيث تتحول الدولة إلى ساحة تقاسم مصالح لا إلى كيان يدار وفق أولويات وطنية. كيف يمكن لقوى عاجزة عن الاتفاق على اسم، أن تدير بلداً يواجه كل هذه التحديات؟
هذا الانهيار في القدرة على اتخاذ القرار يكشف حقيقة أكثر خطورة: أن النظام السياسي القائم لم يعد قادراً على إنتاج حلول، بل أصبح جزءاً من المشكلة نفسها. فكل يوم تأخير ليس مجرد وقت ضائع، بل كلفة سياسية واقتصادية يدفعها المواطن العراقي من أمنه ومعيشته ومستقبله.
في الخلفية، تتصاعد الضغوط الخارجية بشكل لا يمكن تجاهله. فـ الولايات المتحدة تمارس نفوذها عبر أدوات اقتصادية وأمنية، بينما تواصل إيران ترسيخ حضورها داخل المشهد العراقي، ليبقى القرار الوطني عالقاً بين إرادتين خارجيتين. والنتيجة: دولة تتآكل سيادتها تدريجياً، وعجز داخلي عن موازنة هذه التأثيرات.
أما اقتصادياً، فالصورة لا تقل قتامة. الاعتماد شبه المطلق على النفط يجعل العراق مكشوفاً أمام أي توتر في مضيق هرمز، في وقت يفترض أن تكون فيه الحكومة لو وجدت فعلياً منشغلة بتنويع مصادر الدخل لا بتقاسم المناصب. لكن كيف تبنى استراتيجية اقتصادية في ظل غياب قرار سياسي أصلاً؟
الشارع العراقي لم يعد يراقب بصمت. حالة الغضب المكتوم تتسع، والثقة تتآكل بوتيرة أسرع من قدرة السلطة على احتوائها. فالمواطن الذي ينتظر خدمات أساسية وفرص عمل، يرى اليوم طبقة سياسية عاجزة حتى عن الاتفاق على رأس السلطة التنفيذية.
إن ما يجري في العراق ليس أزمة عابرة يمكن تجاوزها بتسوية مؤقتة، بل اختبار حقيقي لبقاء الدولة قادرة على الاستمرار بوظيفتها الأساسية. فإما أن تدرك القوى السياسية أن لحظة الحسم قد حانت، وتكسر دائرة العجز، أو أن يستمر الانحدار نحو فراغ أخطر، حيث لا تعود الأزمات مجرد احتمال، بل واقعاً مفروضاً.
في النهاية، السؤال لم يعد: من سيكون رئيس الوزراء؟ بل: هل ما زالت الطبقة السياسية قادرة أصلاً على حكم العراق؟ أم أن البلاد دخلت مرحلة يعاد فيها تعريف السلطة نفسها تحت ضغط العجز والفشل المتكرر؟

654 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع