بين الفشل والنجاح … أين يقف شباب هذا العصر؟

عماد آل جلال

بين الفشل والنجاح…أين يقف شباب هذا العصر؟

في الأزمنة القديمة، حين كان الفلاسفة يتأملون معنى الحياة، لم يكن النجاح يقاس بحجم الثروة ولا بعدد المتابعين ولا بسرعة الوصول إلى الشهرة. كان السؤال الأعمق الذي يشغل العقول هو: كيف يستطيع الإنسان أن يعيش حياة ذات معنى؟ وكيف يمكنه أن يتجاوز ضعفه وأخطائه ليصبح أكثر حكمة ونضجاً؟
أما اليوم، فقد تغير المشهد كثيرا. أصبح الإنسان يعيش في عالم سريع الإيقاع، مزدحم بالصورة والضجيج والمنافسة، حتى بدا النجاح أقرب إلى سباق يومي محموم، بينما تحول الفشل في نظر كثيرين إلى وصمة يخشون الاعتراف بها.
لكن الحقيقة التي لم تتغير عبر العصور هي أن الفشل والنجاح ليسا حالتين منفصلتين تماماً، بل مرحلتان متداخلتان في التجربة الإنسانية. فكم من إنسان بدأ رحلته بسلسلة من الإخفاقات قبل أن يصبح نموذجاً للنجاح، وكم من ناجحٍ سقط حين ظن أن القمة نهاية الطريق.
الفلاسفة منذ القدم أدركوا هذه الحقيقة. فقد رأى سقراط أن الاعتراف بالجهل بداية الحكمة، بينما اعتبر أرسطو أن التفوق ليس فعلا عابرا، بل عادة تبنى بالتكرار والانضباط. أما نيتشه فكان يرى أن المعاناة قادرة على صناعة إنسان أكثر قوة ووعيا، حين قال عبارته الشهيرة: "ما لا يقتلني يجعلني أقوى".
وفي الفلسفة الوجودية، ركز سارتر وكامو على مسؤولية الإنسان في مواجهة الحياة رغم قسوتها وعبثيتها أحيانا، مؤكدين أن قيمة الإنسان لا تقاس بعدد مرات سقوطه، بل بقدرته على النهوض والاستمرار.
غير أن إنسان هذا العصر يبدو ممزقاً بين صورتين متناقضتين: صورة النجاح السريع التي تفرضها وسائل الإعلام ومنصات التواصل، وصورة الإنسان الحقيقي الذي يحتاج إلى الوقت والتجربة والخطأ كي ينضج ويتطور.
لقد أصبحت المقارنات اليومية تستهلك الإنسان نفسياً، حتى صار كثيرون يشعرون بالفشل لمجرد أنهم لم يصلوا بالسرعة نفسها التي وصل بها الآخرون. وهنا تكمن خطورة عصرنا، إذ لم يعد الإنسان يقارن نفسه بما كان عليه بالأمس، بل بما يراه من صور مثالية ومتخيلة على الشاشات.
ومع ذلك، فإن الأمل ما زال قائماً. فكل تجربة إنسانية عظيمة تؤكد أن النجاح الحقيقي لا يولد من الراحة، بل من الصبر والتراكم والتعلم من الأخطاء. الإنسان الذي يسقط ثم ينهض أكثر وعياً ليس فاشلا، بل أكثر قربا من النجاح.
إن أخطر أنواع الفشل ليست التعثرات المؤقتة، وإنما الاستسلام الداخلي وفقدان المعنى. وفي المقابل، فإن أعظم النجاحات ليست تلك التي تصنع ضجيجا عابرا، بل التي تترك أثراً حقيقياً في الإنسان والمجتمع.
لذلك، ربما نحتاج اليوم إلى استعادة شيء من حكمة الفلاسفة، لا لنعود إلى الماضي، بل لنفهم حاضرنا بصورة أفضل. فوسط هذا العالم السريع والمتغير، تبقى القيمة الحقيقية للإنسان في وعيه، وفي قدرته على مواصلة الطريق رغم التعب، وفي إيمانه بأن الفشل ليس نهاية الحكاية، بل قد يكون بدايتها الحقيقية.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً أمام كل إنسان: هل نقيس نجاحنا بما نملكه من مظاهر عابرة، أم بما نصنعه من معنى وأثر في هذه الحياة؟

*المقال مستوحى من نقاش جرى مع الكاتب والشاعر حسن عبد الحميد.

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

604 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع